وعود الله بنصر المؤمنين لماذا لا تتحقق في زماننا؟
ناقش باحثون وأكاديميون تساؤلات وجودية قلقة، تحوم حول استكناه طبيعة العلاقة بين الغيب والواقع- أرشيفية

وعود الله بنصر المؤمنين لماذا لا تتحقق في زماننا؟

ناقش باحثون وأكاديميون تساؤلات وجودية قلقة، تحوم حول استكناه طبيعة العلاقة بين الغيب والواقع، والتي غالبا ما تُثار عقب فشل أو (إفشال) تجارب الإسلاميين على اختلاف توجهاتهم.
 
 تتسم تلك التساؤلات بخروجها عن مألوف السؤال الديني التقليدي، لتصطبغ بأسئلة الحكمة والتعليل، والتي تشتد في مناكفتها بالسؤال المربك: أين الله من كل ما يجري؟ ولماذا يترك عباده وأولياءه لقمة سائغة لأعدائهم يفعلون بهم ما يشتهون ويريدون؟
 
 وتتابع الأسئلة المستفزة: هل خلق الله خلقه ثم تركهم يديرون شؤونهم بمقتضى القوانين والنواميس الحاكمة بثباتها واطرادها للكون دون أي تدخل منه، أم أنه ـ سبحانه ـ ما زال قائما على تدبير كونه وخلقه؟ وأين هي وعود الله بنصر عباده المؤمنين وتمكينهم، وكل نتائج تجاربهم المعاصرة تُمنى بالفشل، وتنتهي بتعذيبهم والتنكيل بهم، وزجهم في غياهب السجون؟
 
 ويجد المصرون على تفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية تفسيرا ماديا محضا، في تلك النتائج شاهدا جديدا على مذهبهم الغارق في الماديات، إذ إنهم بحسب مشاهداتهم لا يرون نتائج الأحداث تخرج عن حساباتهم وتقديراتهم المادية، فأين هي آثار المؤثرات والعوامل الميتافيزيقية (الغيبية) التي تنحاز لصالح أهل الإيمان والصلاح في كل ما يجري؟
 
 تساؤلات مشروعة تبحث عن أجوبة مقنعة
 
 لم يجد الكاتب والباحث الفلسطيني، أحمد أبو ارتيمة أي حرج في طرح تلك التساؤلات ومناقشتها، فهي في نظره أسئلة مشروعة ومثارة، ومن واجب العلماء والفقهاء والدعاة تقديم الأجوبة الوافية والمقنعة عنها.
 
 وأوضح أبو ارتيمة أن “الإيمان ليس بديلا عن التفكير المادي بل هو إضافة له، والخلل يحدث حينما نعطل التفكير المادي ونتجاهل الأسباب المادية للنصر والنجاح، ثم ننتظر بعد ذلك أن يتنزل النصر علينا بطريقة خارقة ظانين أننا بصفتنا مسلمين يعطينا ميزة للخروج عن سنن الله في الكون”.
 
 وجوابا عن السؤال المستفز: أين الله من كل ما يجري؟ قال أبو ارتيمة: “هناك من يفهم دائما أن دور الله يتجلى فقط في الخوارق، فهو لا يتصور تدخل الله إلا بأن يخسف الأرض بأمريكا مثلا أو بالأنظمة المستبدة، وينسى أن فاعلية القدرة الإلهية تتجلى أساسا في القوانين المادية الفاعلة”.
 
 وأضاف أبو ارتيمة لـ(عربي21) “تدخل الله لا يشترط أن يأتي عبر معجزة (كما هو مستقر في التدين السائد)، فقد يضعف نظام مستبد بسبب فشله السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبفعل تراكم مشاعر الظلم والتمييز والطبقية في المجتمع، وبفعل تراكم الزمن وعجزه عن تجديد نفسه، وهذه كلها صور من تجليات تدخل الله في حياتنا بما أقامه من قوانين جارية تعمل بصرامة”.
 
 ولفت الباحث أبو ارتيمية إلى أن النظرة الإيمانية الشفيفة تلتقط فاعلية يد الله فيما وراء الأحداث الجارية، ومع تفسيرها للأحداث تفسيرا ماديا بحسب ظواهر الأشياء، إلا أنها تدرك أن يد الله تفعل بخفاء، فقد تضعف أمريكا بفعل مشكلات اقتصادية وعسكرية ويمكن تفسيرها تفسيرا ماديا، وقد تقوى دولة مثل تركيا برؤية سياسية واقتصادية، وكل ذلك لا يخرج عن دائرة تجليات الله في خلقه وكونه”.
 
 وانتهى أبو ارتيمة إلى القول “حين نفهم قضية الإيمان وفق هذه الطريقة العلمية، تُستفز فينا الفاعلية الفكرية والسياسية، وندخل قواعد اللعبة على أصولها ونراعي موازين القوى، ومساحات المناورة، ولا ننتظر أن ينزل الله علينا ملائكة من السماء ونحن نائمون في بيوتنا”.
 
 الوعود الإلهية: كيف نفهمها؟
 
 بدوره بيّن الأكاديمي السعودي المتخصص في العقيدة الإسلامية، سلطان العميري أن “النظر الشرعي القويم لوعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر والتمكين يكون من خلال النظر في أصلين أساسيين: أولها: أن أحداث الكون كلها مربوطة بقانون السببية، فلا يحدث شيء إلا بسبب، ولا ينخرم هذا القانون إلا في حالات نادرة لأجل موافقة الحكمة، كآيات الأنبياء”.
 
 وأضاف العميري “إن وعد الله للمؤمنين بالنصر والتمكين حدث من أحداث الكون فلابد أن يكون مرتبطا بأسباب محددة يجب الأخذ بها، وقد بين الله تلك الأسباب وبثها في النصوص، ومنها: الأخذ بالسنن الكونية، ومنها: الالتزام بتعاليم الإسلام وتحقيق مبادئه التعبدية وأصوله الكلية كالعدل ورفع الظلم، وإعطاء الحقوق والتعاون وغير ذلك”.
 
 وأكدّ العميري لـ”عربي21" أن “الالتزام بالسنن الكونية والتعاليم الشرعية شروط ومقدمات لابد منها في تحقيق النصر والتمكين للأمة، وبقدر تمسك الأمة بها يتحقق لها النصر وبقدر تفريطها فيها يتخلف عنها النصر”. 
 
 أما الأصل الثاني بحسب العميري فيقول “إن أحداث الكون كلها مربوطة بحكمة الله تعالى، فهي ترجع إلى أفعاله سبحانه وأفعاله كلها مربوطة بصفة الحكمة، ونحن البشر لا يمكننا أن ندرك جميع أسرار حكمته تعالى، فقد يمنع الله تعالى عن الأمة النصر والتمكين لأسرار وحكم نحن لا نعلمها، ومع ذلك يمكن أن نصل إلى بعضها”.
 
 ووفقا للعميري، فإن من تلك الأسرار والحكم: تمييز صفوف الأمة فيظهر التمايز بين العدو والصديق، وبين الصالح والفاسد من المنتمين إليها، وهذا التمييز من أهم خطوات التقدم والرقي، ومنها كذلك: إخراج جيل قوي صالح لحمل رسالة الإسلام، وإظهار أهمية الاجتماع وخطر التفرق، وإعداد شباب الأمة ليكون قويا صابرا على مواجهة الفساد الذي انتشر في العالم.. ومنها رفع درجة المؤمنين في الجنة بصبرهم على الابتلاءات.
 
 من جانبه أرجع الأكاديمي المصري، الأمين العام للمجمع الدولي لإعادة بناء الفكر الإسلامي، محمود السماسيري، غياب النصر والتمكين عن أمتنا منذ عقود خلت، “كان بسبب ابتعادنا عن صفتنا كمؤمنين”.
 
 ولفت السماسيري في حديثه لـ”عربي21" إلى أن قوله تعالى (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) لابد أن نفهمه على ضوء الآيات التي تقول لنا من هم المؤمنون حقا، كقوله تعالى في سورة الأنفال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم … إلى قوله تعالى (أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم).
 
 وأضاف “فعلينا أن نحقق شروط الإيمان التي تتضمن التوكل على الله وحده، بعد الأخذ بكافة الأسباب التي هي قاسم مشترك بين البشر في تحقيق أهدافهم في هذا الوجود ولا محاباة فيها لأحد، وإقامة الصلاة وسيادة مبادئ الشريعة في حياتنا، كأفراد وجماعات ومؤسسات وأمه، ثم الاجتهاد في ضروب الحياة والعمل بلا كلل.. إذا حققنا هذه الشروط نتصف حينها بصفة المؤمنين حقا، وحينئذ يصبح تمكين الله ونصره لنا أمرا محتوما”. 
 
 علم السنن الكونية: الفريضة الغائبة
 
 في السياق ذاته، وبرؤية كلية اعتبر الكاتب والباحث الشرعي، المهتم بالدراسات الحضارية والنهضوية، إبراهيم العسعس أن تفكيك تلك التساؤلات ومناقشتها يكون عبر إتقان علم “السنن الكونية” لافتا إلى أن هذا العلم هو الفرضة الغائبة في زماننا، تبعا للشيخ محمد رشيد رضا، وشيخه من قبل محمد عبده.
 
 وشرح العسعس طبيعة الوعود الإلهية الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، بأنها لم ترد مطلقة هكذا بلا شروط ولا مقدمات، بل كلها منوطة بشروطها، ومبنية على مقدماتها، فكما أن الإنسان المسلم يفهم تماما أن الرزق لا يمكن أن يأتيه وهو جالس في بيته ولو بقي الليل بطوله قائما ومتبتلا وداعيا، فإن النصر والتمكين لا يمكن أن يتحقق بالتعويل على الوعود الإلهية المشروطة بشروطها والمقيدة بقيودها.
 
 فلو أن الأمة استوفت الشروط، وأنجزت المقدمات، مع عدم وجود أي مانع من الموانع، فإن تلك الوعود ستتحقق حتما، أما حينما يختل الميزان بين شروط تلك الوعود، ومقدماتها اللازمة فإن النتائج حتما ستكون مخيبة لآمال المتوقعين، والواجب عليهم حينذاك إعمال مسالك النقد الذاتي، لاكتشاف مكامن الخلل والقصور في فكرهم وممارستهم.
 
 وجوابا عن سؤال “عربي21”: لماذا يقع الخطأ في فهم هذه القضية؟ أرجع العسعس ذلك إلى آثار ما أسماه مالك بن بني بـ”الفهم الذري” الذي يتعاطى مع الأفكار والحقائق بنظرة جزئية، لا تستجمع الصورة الكلية، ولا تنظر إليها من كل جوانبها وزواياها فتقع في الفهم الذري، الذي يخون صاحبه عن تكوين رؤية كلية جامعة. 
 
 وطبقا للعسعس، فإن مما لا ينبغي التغافل عنه، أو التقليل من شأنه، التنبه إلى أن من موانع عدم تحقق الوعود الإلهية بنصر المؤمنين وتمكينهم، وقوعهم في أخطاء جسيمة وكبيرة، كاقتحامهم لميادين لم يخططوا لولوجها من قبل، وإنما جرهم إليها كيد أعدائهم فوقعوا في الشراك المنصوبة لهم بمكر ودهاء، وخوضهم لصراعات لا يمتلكون من شروطها الحد الأدنى من موازين القوى، وغياب اهتمامهم بالسنن الكونية كعلم وفكر وممارسة. 
 
 ودعا العسعس إلى ضرورة إحياء العقلية السُّننية، التي تنظر إلى السنن الكونية باعتبارها قوانين ونواميس ثابتة ومطردة وعامة أودعها الله في كونه، تجري على المؤمنين وغيرهم، وإن كان للمؤمنين أسبابهم الخاصة بهم، كتوكلهم على الله ويقينهم بوعوده وتأييده، لكنها لا تؤتي ثمارها إلا حينما يستجمعون شروط تلك الوعود، وينجزون مقدماتها، فيحصدون نتائجها نصرا وعزا وتمكينا.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.