"تحديات البيئة الرقمية"

يحيى اليحياوي يكتب لـ عربي21: “تحديات البيئة الرقمية”

إذا بات من الثابت اليوم، أن الشبكات الرقمية قد خلخلت بقوة طبيعة الإعلام، وخلخلت أدوات اشتغاله، والنماذج الاقتصادية التي انبنى عليها لعقود طويلة انصرمت، فإنها أضحت بالآن ذاته، وسيلة ناجعة لإعادة تموقعه (تموقع الإعلام أقصد)، وإعادة النظر في خياراته واستراتيجياته، بالمديين المتوسط كما البعيد.
 
 وعلى هذا الأساس، فإن الإعلام إنما بات مطالبا بالاشتغال وفق ثلاثة مسارات رئيسية، قد تبدو متنافرة في المظهر، إلا أنها متكاملة بقوة في الجوهر:
 
 — الأول ويكمن في مبدأ التكاملية بين المضامين الرقمية، وتلك التي لا تزال تعتمد خيار الحامل الورقي كبنية تحتية لترويج الرسالة. قد تكون ثمة تباينات في الطريقة والصيغة، إلا أن المبدأ قائم، بل وتم تجريبه ثم تفعيله من لدن أكثر من منبر إعلامي.
 
 — المسار الثاني ويتمثل في تثمين العلائق الاقتصادية والتقنية بين الحاملين (الرقمي والورقي)، وكذا العلائق مع الحوامل الأخرى، من إذاعة وتلفزة وبنى الاتصالات الخليوية وما سواها. بهذه النقطة أيضا، يبدو أن التحالفات الملاحظة من مدة بين أكثر من فاعل، إنما تصب في ذات الاتجاه، حتى وإن بدت وتيرتها بطيئة وينتابها بعض من التردد.
 
 — أما المسار الثالث فيتمحور حول سبل حسم إشكالية الرسوم والأسعار، أي إشكالية المجاني والمؤدى عنه، بفضاء رقمي سمته الأساس المنافسة، وضيق مجال المناورة. هي مسألة مرتبطة أصلا بالنموذج الأمثل المراد إقامته، إلا أن الحسم يتجه بجهة حتمية تحديد نسبة هذا وذاك من لدن كل منبر، وبالفضاء الرقمي بوجه عام.
 
 صحيح أن كل أشكال الإعلام التقليدي لا تخضع بالضرورة لنفس الإكراهات، حتى يكون بالإمكان إخضاعها لهذا المسار أو ذاك، لكن المؤكد أن كل المنابر مطالبة بالتكيف والتأقلم مع التحديات المتزايدة، التي ترفعها بوجهها شبكات الإعلام والتواصل الجديدة.
 
 بالتالي فلو كان لنا أن نحصر الاهتمام هنا بجانب الإعلام التقليدي، المعرض أكثر من غيره للتحديات الرقمية، لوقفنا حتما عند مجموعة رهانات، تبدو لنا أساسية، أو لنقل ناظمة لفضاء البنية الرقمية:
 
 — الرهان الأول: تأمين الحماية القانونية الكفيلة بضمان تواجد الإعلام التقليدي بالفضاء الرقمي. بهذه النقطة، يبدو أن حقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلف هي التي غالبا ما تكون حجر العثرة الكأداء أمام إعادة نشر المواد الواردة بالصيغة الورقية على الحامل الرقمي، اللهم إلا إذا تم التوافق بهذا الشأن بين مالك المنبر التقليدي والصحفيين العاملين به، أو المتعاونين معه، على أساس تجاوز ثنائية الورقي والرقمي، واعتبار عمل الصحفيين مثلا، عملا مندمجا، للإدارة كامل الصلاحية في نشره بهذا الحامل أو ذاك، بالصيغة الورقية أو على المنصة الرقمية.
 
 من جهة أخرى، فإن القوانين والتشريعات القائمة هنا أو هناك، باتت مطالبة بمصاحبة عمليات اندماج المجموعات الإعلامية التي تتغيأ تنويع مضامينها، واعتماد استراتيجيات متعددة الأقطاب، أو عمليات التحالفات القطاعية، أو ما سوى ذلك.
 
 — أما الرهان الثاني فيتمثل فيما يمكن أن نسميه “حمل” قيم الإعلام التقليدي للفضاء الافتراضي، كليا أو جزئيا. القصد هنا ليس تطويع النموذج القائم، كي يواكب مستجدات شبكات رقمية مرنة، سريعة ومعولمة. وليس القصد أيضا التغافل على “تجاوزات” ذات الشبكات، حيث انفجار المضامين دونما تراتبية تذكر، أو هيكلة أو مراقبة، من شأنه جعل المبحر عرضة ل”تلوث” إعلامي مستهجن بكل المعايير. القصد هنا إنما سلك “الطريق الذي سلكته الصحافة المكتوبة، وعممته على الإذاعة والتلفزة، والمتمثل في الحفاظ على التعددية، ونوعية المعلومات بالشبكات الرقمية”، أي أن يعمد إلى تشجيع ذات الصحافة على امتطاء ناصية الشبكات، لنشر القيم المتعارف عليها من بين ظهراني الفاعلين فيها، أو الموظفين لبناها التحتية، لا سيما بجانب أخلاقيات المهنة المتعارف عليها في الإعلام التقليدي.
 
 لا يروم التلميح هنا فقط إلى ضرورة إعادة النظر في نظام الرسوم ومبدأ الأداء، الذي تفرضه الصحافة المكتوبة المؤدى عنها بالشبكات، بغرض تشجيع المقاولات الإعلامية على تكثيف تواجدها بها، بل أيضا إلى اعتبار أنه من شأن الأداء بالشبكة، كائنة ما تكن مستوياته، تشجيع ذات المقاولات على التواجد من بين ظهرانيها، وإلا فدونها ودون ذلك الانسحاب منها، تحت ضغط التكاليف، وبالتالي فسح المجال لفاعلين محدودين، قد لا يتوانوا في ترويج النمطية في أقصى صورها.
 
 ليس المطلوب هنا تقويض نموذج المجانية، بقدر العمل على تحسين تنوع العرض، من خلال دعم العروض المؤدى عنها. وهو مطلب غايته التعددية عوض فتح الطريق لنزعات الهيمنة التي قد تبرز هنا أو هناك.
 
 — الرهان الثالث ويكمن في ضرورة الانتباه إلى ما بات يسمى، بظل شبكات الإعلام والاتصال الجديدة، ب”الصحفيين المواطنين”، الذين أفرزتهم أجيال الإنترنيت المتتالية، لا سيما انفجار الويب 2.0 وما بعده، ومواقع دايلي موشين، ويوتوب وما سواها. هم ليسوا صحفيين مهنيين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما هم أشخاص عاديون، لكنهم يلعبون دورا نشطا في عملية جمع وتخزين وبث وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات بكل أشكالها وأحجامها (المكتوبة والمرئية والمسموعة على حد سواء).
 
 ولما كان الأمر جديا وإلى حد بعيد، على اعتبار جدية “الوافدين الجدد”، فإن الإشكال الواجب طرحه إنما ضرورة الانتباه لوضع هؤلاء من الناحية الاعتبارية والمادية، لا سيما بالنسبة للمنابر الإعلامية التي تتطلع للمراهنة على الشبكة كرافد من روافد أنشطتها المستقبلية، أو بالنسبة للحكومات التي تراهن على جعل الشبكات إياها فضاء للتباري الديموقراطي، المدني والسياسي.
 
 وإذا ما توفرت لدى هؤلاء القابلية لاحترام أخلاقيات المهنة (أعني إعلان المصادر وتوثيقها، والإتيان بها من الأصل وغربلتها واحترام خصوصية مالكيها)، فإن المفروض أن تواكب التشريعات واللوائح ذلك، لا سيما وأن بعض الدراسات الاستشرافية تؤكد بأن مستقبل الإعلام والإعلاميين، إنما يتحدد وإلى حد بعيد، على محراب ومحك الشبكات الرقمية.

Like what you read? Give عربي21 a round of applause.

From a quick cheer to a standing ovation, clap to show how much you enjoyed this story.