"BBC FUTURE" يسأل: هل انهيار الحضارة الغربية أمر حتمي؟
اعتبر فوز الشعبوية بأمريكا وأوروبا وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تغير بالنظام العالمي- أ ف ب

“BBC FUTURE” يسأل: هل انهيار الحضارة الغربية أمر حتمي؟

تساءل موقع “BBC FUTURE” في تقرير مطول له عن “حتمية” انهيار الحضارة الغربية، والقيم المرتبطة بها، وما إن كنا سنشهد هذا الأمر في المستقبل القريب؟
 
 وبحسب الموقع، فلطالما انهارت مجتمعات على مر التاريخ، ولم تخل حضارة من مواطن الضعف التي قد تدفع بالمجتمع إلى الهاوية، وإن بدت في ظاهرها قوية.
 
 وأكدت أنه مهما بلغت الأوضاع من استقرار ورخاء في الوقت الراهن، فإنها قد تتبدل في أي لحظة. وبخلاف الأحداث التي قد تؤدي إلى فناء البشرية، مثل ارتطام نيزك بالأرض أو الشتاء النووي أو الوباء الفتاك، يذكر التاريخ أن انهيار الحضارات مرهون عادة بطيف واسع من العوامل.
 
 ونقل الموقع عن الخبير الاقتصادي السياسي، بنيامين فريدمان، تشبيهه ذات مرة المجتمع الغربي بالدراجة الثابتة التي يُسيّر عجلاتها النمو الاقتصادي، “فإذا ما تباطئت هذه الحركة الدافعة إلى الأمام أو توقفت، ستهتز ركائز المجتمع، مثل الديموقراطية والحريات الفردية والتسامح وقبول الآخر، وغيرها، ويغدو العالم مكانا كئيبا، يتنازع فيه الناس على الموارد المحدودة ويرفضون كل من لا ينتمي إلى جماعتهم”. 
 
 وأوضح “لو لم نستطع إعادة الحركة إلى العجلات، سينهار المجتمع برمته”.
 
 وتساءل الموقع في تقريره، “ما هي تلك العوامل التي تدفع الحضارة إلى الهاوية؟ وهل لاحت بوادر أي منها بالفعل اليوم؟ وفي ظل ما يكتنف هذه المرحلة من عدم استقرار وضبابية، هل اقتربنا من نقطة اللاعودة؟”.
 
 وفي الإجابة على هذه التساؤلات، قال الموقع: “بالطبع لا أحد يمكنه الجزم بما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل، ولكن يمكننا أن نستشف من الرياضيات والعلوم والتاريخ احتمالات بقاء المجتمعات الغربية على المدى الطويل”.
 
 ونقل الموقع نتائج دراسة نشرت عام 2014، أفادت بأن ثمة عاملين أساسيين يسهمان في انهيار المجتمعات، وهما: 
 
 — الضغط على الموارد الطبيعية 
 
 — التفاوت الطبقي
 
 وأوضح الموقع أن العامل البيئي اشتهر بأنه أقصر الطرق نحو هلاك الأمم، لا سيما في حالة نضوب الموارد الطبيعية، مثل المياه الجوفية، والتربة، والثروة السمكية والغابات. وقد يزيد التغير المناخي من الأمر سوءا.
 
 إلا أن معدي الدراسة لم يتوقعوا أن يؤدي التفاوت الطبقي بمفرده إلى انهيار المجتمع، فمن شأن النخب، الذين يكنزون الأموال والموارد ولا يتركون للعوام -الذين يفوقونهم عددا ويوفرون لهم الأيدي العاملة- إلا اليسير أو ربما لا شيء، أن يقودوا المجتمع نحو عدم الاستقرار، بالتالي الانهيار.
 
 عدم المساواة في توزيع الثروات
 

 ونتيجة هذا الأمر وفق الموقع، في النهاية، اضمحلال الطبقة العاملة، التي لن تجد ما يكفيها من المال، وسيعقبها سقوط النخب، بسبب غياب العمالة. ويعزى التفاوت الذي نشهده اليوم بين الطبقات وبعضها وبين البلدان وبعضها إلى عدم المساواة في توزيع الثروات.
 
 والشاهد على ذلك أن كمية انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناجمة عن أنشطة أعلى عشرة في المئة من المستثمرين في العالم تعادل ما ينتجه 90 في المئة من سكان العالم مجتمعين من انبعاثات. وبالمثل، يعيش نحو نصف سكان العالم على أقل من ثلاثة دولارات يوميا.
 
 وحذر الموقع من أن تداعيات الانهيار ستطال الأكثر فقرا في العالم أولا، مشيرة إلى أن انزلاق بعض الدول في الوقت الراهن يعد بمثابة أول ناقوس إنذار للدول الغنية. 
 
 الأزمة السورية أنموذجا
 

 وتناول تقرير الصحيفة، الأزمة السورية مثالا، إذ زادت معدلات الخصوبة في فترة من الفترات إلى حد غير مسبوق، وتسارع على إثر ذلك النمو السكاني. وأدت موجة الجفاف الحادة التي ضربت البلاد في أواخر عام 2000، جنبا إلى جنب مع نقص المياه الجوفية، إلى تقليص الإنتاج الزراعي.
 
 وفي أعقاب هذه الأزمة، تدفق الكثير من سكان القرى، ولا سيما الشباب منهم الذين أصبحوا عاطلين وبلغ منهم السخط واليأس مبلغه، إلى المدن، وفاقت أعدادهم قدرة الموارد والخدمات المحدودة على تلبية احتياجاتهم.
 
 وزادت التوترات العرقية، التي كانت موجودة مسبقا، وشكلت تربة خصبة لنمو العنف والصراعات. و”الأدهى من ذلك، أن الإدارة غير الرشيدة للبلاد، بما في ذلك تطبيق سياسات ليبرالية جديدة تعزز من نفوذ القطاع الخاص، مثل رفع الدعم الحكومي عن المياه في خضم موجة الجفاف، جرّت البلاد إلى حرب أهلية عام 2011، ما أدى إلى انزلاقها نحو الانهيار”، وفق تقرير الموقع.
 
 ونقل “BBC FUTURE” عن رئيس الأنظمة العالمية في كلية بالسيلي للشؤون الدولية في جامعة واترلو في كندا، توماس هومر ديكسون، مؤلف كتاب “الجانب الإيجابي للسقوط”، قوله، إن انهيار المجتمع السوري، كشأن الكثير من المجتمعات التي انهارت على مر التاريخ، كان محصلة لعوامل مجتمعة عدة. 
 
 وأطلق هومر ديكسون على هذه العوامل اسم “الضغوط التراكمية”، لأنها تتجمع بهدوء ثم تنفجر فجأة، لتثقل كاهل أي آليات تحافظ على استقرار المجتمع وتماسكه.
 
 التغير في النظام العالمي

 
 وحذر هومر ديكسون من أن ثمة علامة أخرى على أننا ندخل منطقة الخطر، وهي زيادة ما يسميه الخبراء بالتغيرات المفاجئة وغير المتوقعة في النظام العالمي، مثل: 
 
 — الأزمة المالية في عام 2008.
 — صعود تنظيم الدولة 
 — خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي 
 — انتخاب دونالد ترامب
 
 وأكد أنه يمكن أن نستدل من الماضي على ما سيحدث مستقبلا.
 
 من جانبه، رأى أستاذ البيئة والمجتمع في جامعة يوتا الأمريكية، جوزيف تينتر، مؤلف كتاب “انهيار المجتمعات المعقدة”، أن أحد أهم الدروس المستفادة من سقوط روما على سبيل المثال، هو أن بناء مجتمع متحضر معقد كان له ثمن.
 
 إلا أن المجتعات الغربية استطاعت أن ترجئ ظهور العوامل المسببة للانهيار بالاستعانة بالوقود الأحفوري والتكنولوجيا الصناعية، كما حدث في عام 2008، حين طورت الولايات المتحدة تقنية التكسير الهيدروليكي للصخور لاستخراج الغاز الطبيعي لتواجه ارتفاع أسعار النفط.
 
 النزوح والهجرة ومواجهتها بالشعبوية
 
 
وقياسا بالنموذج الروماني، تنبأ هومر ديكسون بأن انهيار المجتمعات الغربية سيسبقه “انحسار الموارد الطبيعية والبشرية في البلدان التي تشهد صراعات”. 
 
 فبالتزامن مع تمزق الدول الأكثر فقرا، في غمرة الصراعات والكوارث الطبيعية، سيتواصل تدفق موجات كبيرة من المهاجرين من المناطق الفاشلة، طلبا للجوء في البلدان الأكثر استقرارا.
 
 وستواجه المجتمعات الغربية هذا النزوح بفرض تضييقات على الهجرة وحظرها إذا لزم الأمر، وإنفاق مليارات الدولارات على إقامة جدران ونشر قوات وطائرات من دون طيار لمراقبة الحدود، وتشديد الإجراءات الأمنية على كل من يدخل البلاد وما يحمله معه، وهذا سيؤدي إلى انتهاج الأساليب الاستبدادية الشعبوية في إدارة البلاد.
 
 وبحسب الموقع سيؤدي ذلك في الوقت ذاته، إلى اتساع الهوة بين الأثرياء والفقراء في البلدان الغربية الأكثر ضعفا، ما سيؤدي إلى زعزعة استقرار المجتمع من الداخل. 
 
 انهيار العدالة الاجتماعية بأمريكا وبريطانيا
 

 وأفاد راندرز: “مع حلول عام 2050، سينقسم المجتمع في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى طبقتين، إذ تعيش حفنة من الأثرياء في رغد من العيش، في حين تتدهور الأوضاع المعيشية للغالبية. ومن ثم ستنهار العدالة الاجتماعية”.
 
 أما هومر ديكسون، علق على ذلك بالقول: “كلما زاد سخط الناس وخوفهم، في أي بلد في العالم، زاد تعلقهم بالجماعة التي ينتمون إليها، سواء كانت دينية أو عرقية أو قومية. وسيلجأ الناس إلى إنكار الحقائق، مثل ظهور مؤشرات الانهيار، ورفضها، حتى لو كانت مثبتة بالأدلة. ولو أقروا بوجود المشكلات، سينحون باللائمة على كل من هم خارج مجموعتهم التي ينتمون إليها، وسيزداد الاستياء والغضب”.
 
 وأضاف: “إذا انتشر العنف في الداخل أو عنّ لدولة أخرى أو جماعة مختلفة أن تغزو البلاد، فسيكون من الصعب تفادي سقوط الدولة”.
 
 وقال: “ستشعر أوروبا أولا بوطأة الضغوط، لقربها من أفريقيا، التي تعد الجسر الأرضي الذي يربطها بالشرق الأوسط، وبحكم مجاورتها للدول الأضعف سياسيا من جهة الشرق، أما الولايات المتحدة، فبفضل المحيطات التي تحيط بأراضيها، فستظل بمنأى عن هذه الضغوط لفترة أطول”.
 
 انهيار وزوال بهدوء
 

 وبحسب الخبراء الذين تحدث معهم الموقع، فإن نهاية المجتمعات الغربية لن تكون عنيفة أو مأساوية، إذ إن بعض الحضارات استسلمت للزوال في في هدوء. 
 
 وقال راندرز إن الإمبراطورية البريطانية تسير في هذا الاتجاه منذ عام 1918، وربما تسير سائر البلدان الغربية على خطاها. ومع مرور الوقت، ستقل أهمية هذه الدول، وتتخلى عن القيم التي تتشبث بها اليوم تحت وطأة المشكلات التي تدفعها نحو الزوال.
 
 وأضاف أن “الدول الغربية لن تنهار، ولكن ما سينهار هو إدارتها السلسة والطبيعة الودية للمجتمع الغربي في أعقاب تفاقم التفاوت الطبقي. وهنا لن يصمد المجتمع الديموقراطي الحر، وستكون الغلبة للحكومات الأقوى مثل الصين”.
 
 وذهب إلى أن بعض هذه التنبؤات تبدو مألوفة، فقد ظهرت بعض علاماتها بالفعل. في حين تنبأ هومر ديكسون ببعضها في كتابه الذي صدر سنة 2006، إلا أنه لم يتوقع أن يحدث الأمر قبل منتصف العشرينيات من القرن الحالي.
 
 الانهيار ليس أمرا مفروغا منه
 

 ولكن هومر ديكسون قال إن انهيار الحضارة الغربية ليس أمرا مفروغا منه، وأنه بإمكان المجتمعات الإنسانية أن تتقدم إلى أعلى مستويات الرفاهية والتطور، لو احتكمت إلى العقل والقانون قبل إصدار القرارات، واتبعت أساليب استثنائية في إدارة البلاد مع تمسكها بالقيم المعنوية والعلاقات الودية.
 وشدد على أنه “يمكننا أن نحافظ على مجتمعاتنا ونرتقي بها، رغم ما نواجهه من ضغوط في ظل التغير المناخي والنمو السكاني وانخفاض موارد الطاقة، إلا أن هذا يستدعي أن نغالب رغباتنا الطبيعية في أن نصبح أقل تعاونا أو كرما أو تعقلا”.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.