فوضى… وبعض الأفكار (الحلقة ن+3): عن الغزو الثقافي المُتعلق بإطلاق أسماء غير جزائرية الأصل على المواليد الجدد

ظهرت خلال السنوات الماضية ظاهرة جديدة في المُجتمع الجزائري يُمكن أن نطلق عليها اسم “الغزو الاسمي” أو الغزو الثقافي المُتعلق بأسماء الأفراد والذي يضاف إلى جملة العوامل التي تنخر ثقافة المُجتمع الجزائري.

ما أقصده بهذه الظاهرة هو التالي: بعد أن كبرت المراهقات (والمراهقون أيضا) الذين تربوا إما على قناة “تي في 1" الفرنسية وأخواتها أو على قناة اقرأ وأخواتها، وبعد أن أصبحوا في مرحلة إطلاق أسماء على أبنائهم وبناتهم، أتونا بأسماء لم يعرفها آباؤنا وأجدادنا. هناك من يستخدم هذه الأسماء من دون خجل (يعني “يخرج فيها طاي طاي” ويقرها صريحة بأنه اسم غربي) وهناك من يتحجج و’يمسح الموس’ بأمور أخرى، فهذا يقول لك بأنني وجدت لهذا الاسم أصلا أمازيغيا مثلا (رغم أنه اسم “ڨاوري” لا تشوب ڨاوريته أية شائبة والثقافة والتاريخ الأمازيغي براء منه) ويحضرني من تلك الأسماء ميليسا و آنيا.

إن كان خطر مثل هذه الأسماء الغربية معروفا نظرا لغرابة هذه الأسماء حتى على أفواهنا لما ننطق بها فما أراه أخطر هو الغزو القادم من الشرق، فلم يعد الجزائريون (إلا من رحم ربي) يسمون أبناءهم (وخاصة بناتهم) سوى بأسماء مذيعات قناة اقرأ أو المسلسلات الشرقية على اختلاف أنواعها، فلم تكن قواميس أسمائنا تحتوي أسماء آية أو بسملة أو رتاج .

سبب اعتقادي بأن الغزو الشرقي أصعب راجع إلى صعوبة تمييزه لقربه النسبي (مقارنة بالأسماء الغربية آنفة الذكر) من ثقافتنا وهو ما سيسهل اندماجها. كما أنه عادة ما يُعلل الآباء الجدد هذه التسميات بتعليلات دينية، وهو أمر ينفر منه قلبي بسبب أن مُطلق الاسم يعتمد على الدين كمصدر للتعليل (يعني بعد أن اختار اسما أو مجموعة أسماء “رنانة” بحث عن أيها يُمكن له بناء “تعليل” ديني لها) ولم ينبع من مصدر ديني مباشرة. حتى ولو نبع الأمر من مصدر ديني مباشرة فإننا عادة ما نشاهد تسميات لم يعرفها آباؤنا ولا أجدادنا رغم أن قاموس الأسماء لدينا غني بالأسماء ذات الطابع الديني.
فعلى سبيل المثال لا أرى تعليلا للتسمي باسم عبد [أضف أي اسم جلالة ينتشر عادة مع الأسماء الشرقية] بدل الأسماء الجزائرية (أو على الأقل المغاربية) بامتياز وأقصد بذلك عبد القادر وعبد الرحمن وعبد الله وغيرها مما نعرف على الأقل شخصا واحدا على الأقل جاوز سنه الثلاثين ممن يحملون هذه الأسماء. كما لا أرى تعليلات لإطلاق تمسيات مثل خولة وبسملة مثلا بدل عائشة وخديجة وسعدية.

أصبحت أسماء رابح، والطاهر، و محند (بالنون بدل الميم) وغيرها قليلة الظهور على المواليد الجدد رغم أنها أسماء جزائرية بامتياز.

ما أستثنيه من نقدي الموجه للأسماء الجديدة التي لم نعرف لها أصلا هي تلك الأسماء المستمدة من الثقافة الأمازيغية والتي لم تكن منتشرة من قبل لأسباب عديدة قد يكون المنع السياسي السابق لها أحدها، لأنها أسماء تدفعنا للتمسك بتاريخنا (لا أظن أن كثير من الناس من محيطي المباشر وغير المباشر كان سيعرف شيئا عن تاريخ يوغرطة وماسينيسا لو اختار لي أبي اسما غير اسمي الشخصي الذي أحمله). كما أنها أسماء تضفي لمسة “جزائرية” أو على الأقل أمازيغية علينا لنتميز بها عن غيرنا.

قبل هذه الظاهرة كان من الصعب أن نميز جزائريا بخصائصه الثقافية (يعني لهجته، لباسه، وما إلى ذلك) حيث أن الطريقة الوحيدة التي يُمكن أن نعرف بها جزائريا في الخارج هو عدم انتمائه إلى أي من المجموعات التي يُمكن تمييزها، أو بعدم قدرته على الحديث من دون أن يمزج أكثر من لغة مع بعض (حتى عاميته أصبحت “ملوثة” بلغات أخرى) رغم أنه يُمكن مثلا تمييز الإخوة المغاربة أو التوانسة بسهولة أكبر من طريقة لباسهم أو حديثهم أو ما إلى ذلك (هل سبق وأن رأيت العداء المغربي هشام القروج بلباس مغربي تقليدي في المحافل الدولية؟ هل سبق لك وأن رأيت جزائريا افتخر في محفل دولي بقشابيته أو ببرنوسه أو بقندورته البوسعادية أو البجاوية أو حتى بـ”المظل” الذي يلبسه أبوه وجده؟)، لكن كان يكفي أن يكون اسم الواحد منها “عبد القادر” مثلا حتى تكون حظوظ أن يكون جزائريا كبيرة. أما الآن فيريدوننا أن نتخلى حتى عن تلك الأسماء التي كانت تميزنا.

قد يكون في هذا الأمر نوع من المبالغة، بل ويمكن وصف موقفي الرامي إلى نبذ كل اسم لم يكن له أصل في ثقافتي بالتطرف، لكن أحيانا ما يدفع الناس إلى معرفة الوسط والتشبث به هو وجود متطرفين في كلا الطرفين، وجود تطرف فكري مبني على عقدة النقص اتجاه كل ما يأتينا من الخارج (والذي يظهر في مشكلة الأسماء التي أقصدها هنا) يُحتم على بعضنا أن يتطرفوا في الاتجاه المعاكس لبعض الوقت ليتبين لعامة الناس مقدار خطأ كل طرف (بما فيها التطرف الذي أمارسه حاليا) وليسهل له ذلك اتباع الوسط. بعبارة أخرى لو كان بإمكاننا الاطمئنان لثقافتا من الضياع لما أصبح التسمي بأسماء قادمة من الشرق أو من الغرب مشكلا.

سبق وأن نشرت هذا المقال هنا

Show your support

Clapping shows how much you appreciated Youghourta Benali’s story.