منذ نشأة الخلق والإنسان لا ينفك يبحث عن سبل ليوفر لنفسه العيش الرغد. والعلم أُس هذه الطرق لذا استثمر الإنسان فيه ايما استثمار فبات ينشئ العالم يفني حياته لينقل ما بحوزته من علم استقاه خلال مسيرة حياته الى الاجيال من بعده آملاً ان يستمروا على نهج ابتغاء العلم و تطوير البشريه. العلوم كثيره ومتشعبه، منها ما هو اساس لحياة البشر كالعلوم الطبيعيه و منها ما اختُص به جزء من البشر دون غيرهم كالعلوم الدينيه مثلاً. هذا التقسيم لا ينتقص من قيمة علم بالنسبه للآخر فكل العلوم لها اهميتها الروحيه او الحسيه.

في السابق كان العلم لا يأتي الا عن طريق المشقّه، فيحتاج الطالب الى السفر والترحال من بلد لآخر ليزور عالماً او يطلع على مستند في مكتبةٍ ما او يستعمل تقنيه لا توجد الا في مكان بعيد لذا كان العلم يأتي بعد عناءٍ وجهدٍ كبيرين. لهذا كان الفروق بين الشعوب المتعلمه وغيرها واضحه جداً، والسبب كان أن نقل التقنيه والعلم صعب جداً و احياناً غير ممكن فيحتاج العالم ان ينقل العلم او التقنيه ويبدأ في تطبيقها في بلده ، وفي هذه الاثناء يكون العلم في المكان الآخر وصل الى مستوى اعلى من التقدم. و على مر السنين وتوالي الاكتشافات العلميه والاختراعات التقنيه، اصبح استقاء العلم اسهل بكثير مما كان. ففي وقتنا الحالي، يستطيع الطالب من مكتبه في المنزل ان يطّلع على احدث المنشورات في اهم المجلات العلميه عن طريق الشبكه العنكبوتيه. وبالتالي فإنه نظرياً يستطيع مواكبة العالم من مكانه اذا اخلص وقته للعلم والتطوير. لذا فالمقصد من الدراسه في الخارج في وقتنا الحالي أعمق مما كانت عليه.

لا شك ان التقدم المشهود حالياً في بلاد الغرب والشرق هو نتاج حتمي للإخلاص والعمل الجاد الناتج عن العلم وتطويره. زد على ذلك المجتمع والبيئه المهيئه للباحثين والصناع والمستثمرين، هذه البيئه هي نتاج سنين من التخبطات التي تمر بها دول المنطقه في بلادنا. والدراسه في الخارج حالياً ليست لمجرد استقاء العلم من منابعه، بل هي اعمق من ذلك هي للوقوف على اسباب هذا التقدم و التعلم كيف نقود بلادنا الى هذه المرحله. النظام والعدل والحقوق والحريه كلها مقومات لحياة الفرد في البلاد المتقدمه مما يهيئ الفرد للتقدم في عمله. إن استيفاء الفرد لحقوقه في مجتمعه هي اساس التقدم الذي تنعم به بلاد الغرب. والدليل انك تجد كثير من العلماء في جامعات الغرب هم مهاجرين من بلاد تفتقر لهذه الحقوق.

اذا كان المقصد من التعلم في الخارج هو مجرد اخذ العلم من مصادره، لكان الأحرى بالدول عدم ابتعاث ابنائها لاسباب عده منها ان غلاء التكلفه و إحتمالية الإنحرافات الفكريه التي قد يتعرض لها الفرد في خارج بلده. لكان الأحرى بالدول وخصوصاً الدول القادره على إبتعاث اعداد مهوله جلب الجامعات العريقه لبلادها بدل ابتعاث الافراد الى تلك الدول. لكن الفائده التي تتوقع الدول ان الإبتعاث يجلبها هي الإختلاط بالدول المتقدمه و معرفة كيف ان العيش في هذه المجتمعات هو أُس اي تقدم. لذا اخي الدارس في الخارج، ان تقوقعك على نفسك مخافة ان تختلط بالمجتمعات الغربيه وان يؤثر ذلك على فكرك لهو هدر للمال العام ومضيعة للوقت. وانهي كلامي بما قاله الشافعي:

تغرب عن الاوطان في طلب العلا *** وسافر ففي الاسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشة *** وعلم وآداب وصحــــــــبة ماجد
فإن قيل في الاسفار ذل وغربة *** وقطع فيافٍ وارتكاب الـــــشدائد
فمـــوت الفتى خير له من حياته *** بدار هوان بين واش وحاســـــد