العالم العربي على عتبة الواقع الافتراضي في الصحافة

على الرغم من استخدام تقنيات الواقع الافتراضي في الصحافة على مدى السنوات الماضية، إلا أن هذه التكنولوجيا الغامرة لا تزال في مراحلها الأولى في العالم العربي.

حين بدأت العمل مع طاقم “كونتراست الجزيرة” علمت أن عملي الصحفي سيتغير بالكامل، فمن معمعة الميدان والازدحام بين الأخبار العاجلة والتغطيات المباشرة، انتقلت إلى نوع جديد من الصحافة، التأني سمته الأبرز؛ “صحافة الواقع الافتراضي” والتي يمكن اعتبارها أحد أهم أساليب السرد القصصي في وقتنا الحالي. هذا القالب، الجديد تقنياً، ينقل المتلقي من “قراءة أو مشاهدة الخبر” إلى “معايشة الخبر”. ولتحقيق ذلك، فإن سرد القصة الصحفية يتطلب جهداً أكبر من ناحية البحث والتدقيق والتفكير بالأبعاد المتعددة مرئياً وخبرياً.

ما زالت هذه التقنية حديثة عهد عند الجمهور العربي، لكن صحفيين كُثر يرغبون بتطوير وإدخال هذه التقنية لموادهم المنتجة على اختلاف اختصاصاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. اللافت هنا؛ أن معظم من يسعون إلى إحداث هذه النقلة في طرق السرد هم من الصحفيين الشباب، على خلاف بعض الصحفيين القدامى نسبياً في المهنة، ممن يرون أن هناك عقبات عدة أمام صحافة الواقع الافتراضي في الوطن العربي.

صالح مشارقة، صحفي وأستاذ في الإعلام في جامعة بيرزيت، واحدة من أفضل الجامعات في فلسطين، يتحدث عن الجدال المستمر بين الأجيال المختلفة حول التكنولوجيا والمحتوى الإخباري الجيد. “ المعضلة الرئيسية تتمثل في وجود جيلين من الأساتذة؛ الجيل الذي يقوم بتدريس الإعلام القائم، الأساسي، المبني على فنون الإنتاج الإخباري الأساسية. والجيل الذي يقوم بتدريس الإعلام الرقمي، ويعتقد بأن التطوير الإعلامي يقتضي إدخال التطبيقات الرقمية في الإعلام. هذا الجدال المتواصل بين الجيلين وعدم القدرة على خلق مصالحة بين الإعلام الورقي والرقمي والأساسي والتقني أثر على العمل بهذه التقنية بشكل كبير في العالم العربي. “

من ناحية أخرى، يعتقد بعض الصحفيين مثل أحمد عبيدات، مسؤول إنتاج المحتوى العربي بمنصة باز/ الأردن، أن المشكلة الرئيسية تكمن في المحتوى العربي وليس في التقنية نفسها؛ “لا يزال المتلقي العربي يشعر بالخذلان وفقدان الثقة تجاه الإعلام العربي، خاصة في اختيار المواضيع وأهميتها وتأثيرها وتلبيتها لطموح المتابع بالمعرفة، وابتعادها تدريجياً عن القضايا التي تمس الحياة اليومية للناس في الوطن العربي”. أما بالنسبة لإضافة التقنية عموماً، فيعتقد عبيدات، أنها قد ترفع من قدرة الإعلام على إيصال المحتوى الذي يشكل عقدة رئيسية.

وهذا ما يؤكده مشارقة أيضاً: “في البداية غالبا ما ستكون الممارسات استهلاكية وتجارية باهتة. سيكون هناك ارتكاب لأخطاء مهنية وربما غياب للمهنية والأخلاقيات الصحفية، لكن حتى لو خسرنا وأخطأنا. كما أن كل اختراع أو تقنية جديدة تحتمل ممارسات فضلى وأخرى سيئة.” وفي هذا الصدد، وجدت دراسة لمركز للصحافة الرقمية التابع لكلية الصحافة في جامعة كولومبيا؛ أن محتويات الواقع الافتراضي “تساهم في زيادة تعاطف الجمهور مع القضايا التي تعالجها، وتزيد احتمالية اتخاذ الجمهور لخطوات فعلية على أرض الواقع تجاه تلك القضايا”.

ما لا يختلف عليه المعظم هو ضرورة إدخال هذه التقنية للعالم العربي وضرورة تدريب وتثقيف الجيل القادم بكيفية الاستخدام والاستغلال الأمثل لها. لذلك بدأت المؤسسات التدريبية والجامعية بإدخال هذه التقنية على مناهجها من خلال تدريبات إضافية وورش عمل للتوسع فيها. ومع أن دورات كثيرة عُقدت في العالم العربي، إلا أن صحافة الواقع الافتراضي ليست ضمن المساقات الأساسية للتعليم الصحفي الجامعي بعد. لكن صحفيين كُثر يرغبون بتطوير مهاراتهم وإدخال هذه التقنية لموادهم المنتجة على اختلاف اختصاصاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

بالنسبة إلى مجدي القضاة، أحد الصحفيين القلائل الذين يعملون بتقنية ٣٦٠ درجة في الأردن، فإن التحديات كثيرة. من جهة، أثار نقص الوعي بهذه التقنية في كثير من الأحيان شكوكاً حول الكاميرا، مما أدى إلى مصادرة كاميرا ٣٦٠ الخاصة به من قبل الأمن الأردني.

من ناحية أخرى، أدى نقص الوعي بالتكنولوجيا إلى الحد بشكل كبير من الخيارات المتاحة أمام صانعي الأفلام والصحفيين والمستقلين في العالم العربي للعمل مع وسائل الإعلام المحلية، التي غالباً لا تقدم أي منصة لمحتوى الواقع الافتراضي. في حين يعتقد مجدي أن الواقع الافتراضي هو مفتاح التنمية المستقبلية في صناعة الأخبار العربية، فإنه لم يتمكن بعد من إنتاج فيلم صحفي كامل بتقنية ٣٦٠ درجة. ومع ذلك، فقد صنع أفلامًا لأحداث تجارية واجتماعية وعمل جولات افتراضية وبث مباشر لمنصات التواصل الاجتماعي. وقال: “لا توجد منصة محلية قد تستخدم أو تنشر ما نقوم بتصويره، أعتقد أن هذا سيكون تغييرًا كبيرًا يخشونه”.

بدلاً من ذلك، كثيراً ما يتم نشر المحتوى المنتج بهذه التقنية والمصور غالباً في العالم العربي على منصات دولية ناطقة بالإنجليزية مثل نيويورك تايمز، أو بي بي سي، أو الجارديان، وغالباً ما يتم تصويره من قبل منتجين وصحفيين الأجانب.

فريقنا في قناة الجزيرة من بين الأوائل الذين طوروا منصة لعرض المحتوى العربي المنتج باستخدام تقنية الواقع الافتراضي إلى جانب دعم وتدريب العديد من الصحفيين العرب خلال العام ونصف العام الماضي. على سبيل المثال، في مكان مثل غزة قد يكون من الصعب الوصول إليه أو زيارته أو حتى الخروج منه، يشعر الناس بالحاجة إلى سرد قصصهم لتصل العالم الخارجي. كان الصحفيون أمثال رويدة عامر متحمسين للتكنولوجيا، وأرادت أن تنتج فيديو ٣٦٠ ليرى الجمهور المهتم بالحياة داخل غزة بعداً آخر وتفاصيل جديدة.

تواصلت رويدا معنا، قمنا بتدريبها وعملنا معها لإنتاج أول فيلم لها عن فريق كرة السلة مبتوري الأطراف. نُشر الفيلم القصير على منصات “كونتراست” والجزيرة العربية والإنجليزية، وشوهد لأكثر من ٨٦٠٠٠ مرة.

عند دراسة النمو البطيء لتوظيف تقنيات الواقع الافتراضي صحفياً في العالم العربي، يبدو جلياً أن هناك العديد من التحديات. من الجدال القائمين بين المدارس الصحفية التقليدية والحديثة، إلى نقص التعليم وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا وأدواتها، والعثور على منصات محلية ودولية عربية قادرة على توزيع المحتوى.

ما زلنا أمام طريق طويل. ومع ذلك، من الواضح أيضًا أن هناك جوعًا ورؤية متنامية لكيفية يمكن استخدام هذه التقنية لتناول وعرض قصص العالم العربي بفعالية أكثر.