أزمة سكر

“قبل ما يحصل انتخابات لرئيس الجمهورية كان عندنا سكر يكفينا وكان عندنا رز وكنا بنصدره.. راح فين عايزين نفهم” مصطفى سائق التكتوك. كلمات بسيطة موجزة اخترقت أسماع المصريين وأصبحت الأكثر انتشارا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

لم تكن هذه الكلمات هي الأولى التي تعبر عن حال المصريين في هذه الأيام ولن تكون الأخيرة، فمصر على مر أكثر من خمس سنوات تعيش على أزمات متكررة، تنتهي أزمه ليلاً لنستيقظ على أخرى صباحاً. فبين أزمه أرز، وغاز، وقمح هناك “أزمة سكر” ناهيك عن أزمة الدولار.. ولا ننسى الأزمات السياسية المتأزمة التي يعاني من ويلاتها مصر وشعبها في كل يوم.

أزمة سكر.. إحنا عايزين نفهم راح فين؟
ليس من الغريب أن مصر التي تحتل مكانة عالمية في صناعة السكر من القصب، تعانى أزمة سكر.. وذلك لعدة أسباب شاركت في خلق الأزمة التي نعيشها حاليا، وربما ليست الأزمة هي السكر بالتحديد ولكن قد تكمن في مسبباته التي تتواجد في جميع الأزمات، فمشكلة التخطيط والإدارة وافتقار المسئولين للرؤية المستقبلة دائما تتربع على جميع الأزمات.

مما فاقم الأمور عمليات الاحتكار والجشع الذي يمارسه التجار، وهذه المشكلة ليست حكرا على أي منتج، فأينما يكون هناك نقص في سلعة حتى لو شائعات يهرع التجار للاحتكار.

وبالنسبة لأزمة السكر، قامت الحكومة بداية 2015 بفتح باب استيراد السكر -المكرر الجاهز- من الخارج، بأي كميات على الرغم من عدم حاجة السوق المحلى لأكثر من نصف طن سنوياً، كما أصدرت قرارات إعفاء من الجمارك والرسوم على استيراد السكر، الأمر الذي تسبب في تدافع الشركات المستوردة لاستيراد كميات كبيرة من السكر وإغراق السوق المحلى لتحقيق مكاسب نظراً لانخفاض سعر الاستيراد عن سعر المنتج محلياً.

وقد أثرت هذه العمليات على حال صناعة السكر في مصر فقد أدت إلى تضرر صناعة السكر بالكامل، مما أدى في كثير من الأحيان إلى توقف إنتاج بعض الشركات وتسريح العمالة، وانصراف المزارعين عن زراعة قصب السكر والبنجر في هذا الموسم.

وتجدر الإشارة إلى أن مصر تستهلك حوالي 3 مليون طن سكر في السنة، وينتج 16 مصنع مصرياً حوالي 2.5 مليون طن، ويتم سد الفجوة بين حاجة السوق وإنتاج مصانع السكر باستيراد نحو نصف مليون طن من البرازيل أو الهند. ولكن مع تفاقم أزمة الدولار وارتفاع سعر العملة الخضراء، لم يجد المستوردين العملة الكافية التي تمكنهم من استيراد كميات السكر المطلوبة لسد احتياجات السوق من السكر مما أدى إلى العودة مجددا لصناعة السوق المحلية ولكن بعد فوات الأون.

حيث أدت قرارات الحكومة إلى جعل المستورد المتحكم الرئيسي في هذا المنتج الهام لجميع المصريين، الذي بدوره يتحكم الدولار “المتأزم في مصر” في تعاملاته، و أدي ارتفاع سعر الدولار إلى ارتفاع سعر السكر. . ومما فاقم الأمور وزاد الطين بلة عمليات الاحتكار والجشع الذي يمارسها التجار، وهذه المشكلة ليست حكرا على أي سلعة أو منتج فأينما يكون هناك نقص في سلعة معينة حتى لو شائعات يهرع التجار إلى الاحتكار مما يساهم في تفاقم الأزمة ونقص السلعة أكثر فأكثر.

بدأت أزمة السكر بالظهور عقب إقالة وزير التموين الذي يُعتبر مقرباً إلى حد كبير من غرفة التجارة الأمر الذي يشير إلى تنافسات سياسة وفقا لما افأد به أحد مصادر في غرفة التجارة.

ولكن لم تكن قرارات الحكومة بشأن الاستيراد هي السبب الوحيد في الأزمة، فقد ساهمت قرارات الحكومة أيضا في رفع الدعم كأحد أسباب تفاقم أزمة السكر حيث أعلنت الحكومة عن خفض حصة الدعم في الموازنة هذا العام بنسبة 14 في المائة لتتراجع إلى مستوى 8.7 مليار دولار، بحسب صحيفة أهرام أونلاين. وكان الأمر جلياً حيث لم تقتصر الأزمة على الأسواق الخاصة بل امتدت إلى منافذ السلع التموينية أيضا.

وربما لا تخلو أسباب هذه الأزمة من تضارب المصالح والتنافس السياسي فقد بدأت أزمة السكر بالظهور عقب إقالة وزير التموين الذي يُعتبر مقرباً إلى حد كبير من غرفة التجارة الأمر الذي يشير إلى تنافسات سياسة وفقا لما افأد به أحد مصادر في غرفة التجارة -وإن لم يكن الأمر مؤكداً إلا أن الساحة السياسة لا تخلو من مثل هذه الحوادث- ناهيك عن حالة الغليان السياسي التي تشهدها البلاد، بالإضافة إلى أن المتحكم في استيراد السكر من الخارج ثلاث شركات مملوكة لرجال أعمال كبار في الدولة.

ولكن بعد معرفة هذه الأسباب والمسببات.. ما الذي ارتكبه المواطن “الغلبان” من بين هذه الأشياء، ليعاني من أزمات لا حول ولا قوة له في إحداثها أو حتى حلها. ربما علينا وعلى المواطن الغلبان تعلم تحمل المسئولية وإدراك حجم المشكلة. ولا يسعنا إلا أن نصلى جميعنا إلى أبانا الذي يملك مفتاح “أزمة السكر” مرددين عبارات مثل “إحنا النمل فين السكر” لربما تصل إلى مسامعه، لتخبره بأن عليه حل الأزمة “إحنا النمل فين السكر.. إحنا النمل فين السكر.. إحنا النمل فين السكر”!