أحمد الحناكي يكتب: «الفتنة» نائمة.. «لعـن الله من أيقظها»

لو عاد بنا الزمن حوالى 1400 عام تنقص أو تزيد قليلاً، لاكتشفنا أن الأوهام بصراع سني — شيعي لا يوجد إلا في مخيلة من يريده أن يوجد. ما حدث هو أنه بانتهاء حقبة الخلفاء الأربعة الراشدين بدأ عهد الصراع العائلي، بداية ما بين معاوية، فيزيد بن معاوية، فمروان بن الحكم، فعبدالملك بن مروان، مع كل من الحسين بن علي وعبدالله بن الزبير، وانتهت المعركة بانتصار الجناح الأموي المنتسبين إلى جدهم أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.

تخلل العصر الأموي، من 661م إلى 750م، ممارسات ضد مناصري الحسين، لدرجة أنهم كانوا يسبون الإمام علي بن أبي طالب وآل البيت على المنابر، عدا الفترة التي تولى فيها عمر بن عبدالعزيز.

عام 750م قاد أبوالعباس الملقب بـ«السفاح» العباسيين وصفى الأمويين عن بكرة أبيهم، ابتداء من مروان بن محمد، بمجازر يندى لها الجبين، وأعاد الاعتبار إلى أنصار الحسين نسبياً، متحالفاً مع الموالي المهمشين عند الأمويين. عام 908م تكونت الدولة الفاطمية بالمغرب، التي استمرت حتى 1171م.

كل هذه الصراعات كانت على من يحق له اعتلاء السلطة فقط، وليس هناك صراع مذهبي نهائياً، فكلهم لم يختلفوا على تفسير الشريعة الإسلامية، وما حدث لاحقاً إنما هي صراعات سياسية تداخل فيها المجتهد مع الجاهل مع الساذج مع المحرض مع المتطرف.

العنوان أعلاه وهو رواية مشكوك بصحتها من حيث السند، لكنها تعبر أصدق تعبير عن حال من يحاول تكريس مفهوم غير موجود أو إنه انتهى، على أساس أن الرواية إياها كان المقصود بها التنبيه إلى عدم التفاخر بقبيلة أو نسب من الجاهلية، وفرضها على الإسلام الذي قضى على كل عنصرية أو قبلية أو طبقية أو خلافه من النعرات التي كانت ما قبل الإسلام.

هذا التفسير للرواية ينطبق على الإصرار على أن الصراع سني — شيعي، وأن الدول الغربية تساند الشيعة ضد السنة.

نعم، هناك تقاطعات تحدث يستغل فيها السياسي المذهبية ليبث سمومه من خلالها، لكن الصورة العامة وبالمقارنات والأرقام توضح أن السياسة تطمس ما عداها.

اتهام أميركا بأنها تعادي السنة لمصلحة الشيعة تعوزه البراهين وتدحضه الوقائع والإحداث التاريخية، وإذا اعتبرنا أن إيران هي قائدة المذهب الشيعي فإن صراعها مع العراق في حرب الخليج الأولى تخلله دعم غربي مطلق للأخيرة، وبالتالي انتفى مفهوم الدعم للشيعة، ناهيك عن أن شيعة العراق آنذاك وقفوا بكل بسالة مع دولتهم، فلا شيء يعلو على الوطن.

ثانياً: هناك معارضة قوية من الأحواز في إيران وهم أغلبية شيعية بسبب أن هؤلاء منطلقهم أصولهم العربية.

وثالثاً: هناك خلاف كبير بين إيران وأذربيجان مع كونهما ينتميان إلى المذهب الشيعي.

أميركا في الوقت الحالي تساند الأكراد وهم أغلبية سنية، ولديها (أي أميركا) علاقات وثيقة بتركيا ذات الأغلبية السنية، بل إن الأخيرة من حزب «الناتو».

محاولة الإيحاء أن أميركا تحارب السنة عجيبة، مع أننا لا نختلف على هيمنتها ومحاولتها التدخل في كل شيء، إلا أن المصلحة هي من يقودها، لذلك فأميركا تتدخل في كثير من الدول، غير أنها وبشكل مباشر تقصف «داعش» في العراق، لكن لا يجب أن ننسى أن جزءاً من هذا التحالف يضم المملكة، إلا إذا كان البعض يعتبر أن «داعش» هي السنة والسنة هم «داعش».

التلميح إلى أن رئيس الأركان الأميركي يرى مستقبل العراق في تقسيمه إلى دولتين إحداهما شيعية والأخرى كردية متجاهلاً دولة سنية، وبالتالي اعتبار ذلك حرب على السنة، الأمر الذي يتطلب دعم السنة هو معالجة التقسيم الأميركي بخطأ أكثر فداحة، فما تقوله أميركا لا يعنينا، وما تقوله أميركا لا يعبر عن سياستها وحتى لو عبر فهو منطق استعماري لا يهمنا، وعلى سياسينا ومثقفينا وكل العرب ألا ينجروا لذلك ويفترضوا أن الحل هو بالتقسيم، لكن إلى ثلاث دول بدلاً من دولتين، بل برفض التقسيم من الأساس وحل كل المشكلات هو نظام علماني تحت مظلة العراق.

إحياء فتنة طائفية فضلاً عن خطورته وبشاعته، خطأ سياسي رهيب لأنه يلغي مفهوم الوطن أرضاً، ويعتبر الانتماء إلى المذهب في أي مكان ويقودنا إلى الصراع مع بعضنا البعض بدلاً من الدفاع عن أوطاننا فقط.

* أحمد الحناكي كاتب صحفي سعودي

المصدر | الحياة