أحمد الحناكي يكتب: من مطبع إلى مطبع .. «يا قلبي» لا تحزن!

ما الذي يدعونا لزيارة الكيان المحتل؟! بل ما الذي يجبرنا على لعق الحنظل؟! لِمَ هذا الدفاع المحموم عن زيارة أنور عشقي؟ أراد الجنرال المتقاعد أن يدغدغ مشاعرنا قليلاً، فقال لا فضّ فوه إنه أتى ليصلي ويؤم المصلين في الأقصى، وإنه حضر زواج ابن المناضل مروان البرغوثي.

ربما اعتقد عشقي أن الزمن القديم مازال كما هو، وأن الشعارات البراقة قد تنجح مع الجماهير، وهذا صحيح إلى حد ما، ولكن ليس تماماً، ففي وسائل التواصل الاجتماعي وزمن الكاميرا والإنترنت و«يوتيوب» و«واتساب» لا يمكن أن تكون الخدعة كاملة، وكما قيل سابقاً لا يمكن أن تكون الجريمة كاملة.

يقول زميلنا أحمد عدنان في معرض دفاعه عن العسكري السابق إنه معه، وإنه ليس من حق أحد أن يخونه أو يخوننا إذا عبّرنا عن طلب لتطبيع العلاقات مع إسرائيل (الكيان المحتل)، وأنا بدوري لا أجرؤ على اتهام أحد بالخيانة، فخيانة الوطن في نظري هي أبشع الخيانات، لكن هذا لا يبرر بالمقابل الاستهانة بمشاعر الفلسطينيين في كل بقعة بالأرض، ومحاولة التقرب من جلاديهم، ألم يسأل عشقي أو عدنان ما هو المقابل يا ترى؟ لا شيء، فالمحتل يريد من دون شك علاقة مع المملكة والدول العربية، لكن من دون أن يتزحزح قيد أنملة عن مشروعه الاستيطاني الشرير الاستعماري، فها هو كل يوم يفاوض من جهة، ويهدم بيوت الشهداء من جهة أخرى، ويبني منازل للمستوطنين من جهة ثالثة.

أما نحن أو من يرى أنه يمثلنا فهم يقدمون دعاية مجانية غير مدفوعة الثمن للمحتل، فأحد مرافقي عشقي يقول لنا ودموع التماسيح تهطل من عينيه إن الشعب الإسرائيلي مسالم ويريد السلام، ولا يحب العنف، حنانيك يا سيدي، وهل هناك شعب عنيف؟ هناك سادة ساديون يختمر في أذهانهم وأحلامهم مشروع الدولة الصهيونية الكبرى، وفي ظل ذلك يعتمدون على همة شعبهم (المسالم) وأبناء الشعوب الأخرى ممن يريد ضوءاً وقنديلاً ومجداً شخصياً حتى على حساب بني جلدنه ممن تهرسهم الدبابات كل يوم.

والمؤسف أكثر أن جهودنا انصبّت على محاولة التمسّح بالرضا من العدو، بل ونهاجم من يحتفظ بعلاقات مع «حماس» ويساعدها، كي لا تمس بخدش نتانياهو وغيره من حكومة الطغاة الذين عاثوا في فلسطين عنفاً وفساداً.

الأهم من هذا وذاك هو بأية صفة يذهب عشقي أو غير عشقي أو يصرح وهم ليسوا ذوي مناصب في الدولة؟ ثم هل بلغ بنا الضعف منتهاه لنشد رحالنا ونفرش ضعفنا لدى عدونا؟ ألم نتعظ من رحلة محمد أنور السادات المشؤومة؟ كل من يفهم في ألف باء السياسة يعرف يقيناً أن من الغباء أن نقدم لهم شيئاً يحلمون به من دون أن نقايض بشيء مماثل أو أكبر، هل يا ترى يعتقد السيد عشقي أنه أعرف وأفهم وأكثر إخلاصاً ووطنية من الفلسطينيين أنفسهم عندما يتجرأ ويجتمع مع سفاكيهم فاتحاً فاه من السعادة؟

وعودة إلى زميلنا أحمد عدنان، فهو يستشهد ساخراً بقوله إن أغلب معارضي زيارة عشقي يشبّهون التصالح التركي مع إسرائيل بصُلح الحديبية الذي عقده الرسول الأعظم مع كفار قريش، وهللوا لأردوغان الذي «انتزع صلحاً بشروط تخدم أهلنا في غزة»، على حد وصفهم.

لكن عدنان لاحقا ذكر: «أعتقد أننا كسعوديين يجب أن نعتمد النموذج التركي في التعامل مع القضية الفلسطينية، التي تحسّن ظروف الفلسطينيين ولا تمنع العمل مع الإسرائيليين، وهي مقارنة غريبة، فتركيا دولة كبيرة بعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف معها، وعندما تسعى إلى التعامل مع المحتل أو غيره فهي تضع مصالح تركيا أولاً والبقية في مقام ثانوي.

أنور عشقي وأمثاله لا يعنون للمحتل شيئاً إلا تلميعاً إضافياً، وهو ليس ذا صفة رسمية أصلاً لكي يهتموا به، وبالتالي أصبحت زيارته استفزازاً لا أقل ولا أكثر.

الملاحظات الأخرى التي ساقها عدنان في أن خطابنا متطرف، أو أننا لم نعترف بالمحرقة، أو عدم جدية المقاطعة، كل هذا لا يبرر بالمقابل أن نندفع ونطبع، يعني إما منتهى التطرف وإما منتهى الخنوع، أليس هناك أمور وسطية؟

أما تعليل عدنان أسباب تفوق المحتل بأننا لم نحسن التعامل، ولم نكن سياسيين، ولم نطبّع وغيرها من جمل منمقة، فهو ضحك على الدقون، فالكل يعلم يقيناً أن العدو المحتل لم يترك شبراً مما احتله إلا تحت ضربات المناضلين والأبطال والشهداء من فلسطين ولبنان ومصر وكل الدول العربية التي شاركت ببواسلها في ميادين الشرف.