أحمد الحناكي يكتب: نحو تفعيل حركة «دول عدم الانحياز»!

قبل أكثر من 70 عاماً قام رؤوساء بعض الدول أو الحكومات بدور بارز في إنشاء وإرساء قواعد حركة «دول عدم الانحياز»، وهم جمال عبدالناصر من مصر، وكوامي نكروما من غانا، وشري جواهرلال نهرو من الهند، وأحمد سوكارنو من إندونيسيا، وجوزيف بروز تيتو من يوغوسلافيا، الذين أصبحوا في ما بعد الآباء المؤسسين للحركة ورموز قادتها.

أنشئت حركة «عدم الانحياز» وتأسست إبّان انهيار النظام الاستعماري ونضال شعوب أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية وغيرها من المناطق في العالم لأجل الاستقلال، وفي ذروة الحرب الباردة. وكانت جهود الحركة، منذ الأيام الأولى لقيامها، عاملاً أساسياً في عملية تصفية الاستعمار، التي أدت لاحقًا إلى نجاح كثير من الدول والشعوب في الحصول على حريتها وتحقيق استقلالها، وتأسيس دول جديدة ذات سيادة. وعلى مدار تاريخها، لعبت حركة دول عدم الانحياز دوراً أساسياً في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

وإذا كانت بعض الاجتماعات عُقدت في إطار العالم الثالث، قبل 1955، فإن المؤرخين يعتبرون أن «مؤتمر باندونغ» الأفروآسيوي هو الحدث السابق مباشرة على قيام حركة عدم الانحياز، وكان هذا المؤتمر عقد في مدينة باندونغ خلال الفترة من 18–24 نيسان (أبريل) 1955، وشهد تجمع 29 رئيس دولة ينتمون إلى الجيل الأول من قيادات ما بعد الحقبة الاستعمارية من قارتي أفريقيا وآسيا بغرض بحث القضايا العالمية في ذلك الوقت وتقويمها، وانتهاج سياسات مشتركة في العلاقات الدولية.

المملكة كانت إحدى هذه الدول المشاركة، وهو ما يعني أن هناك كثيراً من الهامش تستطيع السعودية أن تعمله في ظل ضغوط كبيرة تحدث من دول الخارج بعيداً عن الخطأ أو الصواب في سياستها الخارجية.

من المفهوم أن العالم الآن قرية واحدة كبيرة بحسب مارشال ماكلوهان، وذلك بسبب تطور الوسائل الإلكترونية التي جمعت البعيد بالقريب، والمثير أن هذا العالِم (بكسر اللام) ذكر نظريته قبل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وإلا لربما قال «منزل واحد» لا قرية فحسب.

هذا المفهوم استغله الأميركيون أحسن استغلال، واعتبروا دولتهم هي الحارس و«الأب الروحي» لهذه القرية، مهددة كل من يخرج عن طوعها بالغضب والهجران، وغضبهم كما نعرف ليس سهلاً، كما يتجنب الكل صدهم.

قانون «جاستا» مثال «صارخ» على هذه الهيمنة التي لم يُصغِ فيها المشرعون الأميركيون إلى مناشدات كل دول العالم، ومن ضمنهم حلفائه الأوروبيين، فهم أصروا على تمريره ضاربين بعرض المحيطات كل الأسس والأطر الديبلوماسية.

المملكة ليست معنية بالقرار بشكل مباشر ولم يتم ذكرها، إلا أنها بالمحصلة قد تتعرض لدعاوى أمام المحاكم الأميركية من عوائل الضحايا الأميركيين في أحداث الـ11 من سبتمبر.

طبعاً لن نستبق الأحداث فرفع الدعاوى لا يعني بالضرورة أن يربحها الأهالي ومن المنطق ألا يربحوها فلا دليل واحد يدين السعودية ولا أي دولة أخرى، لكن المؤسف هو هذا السلوك الاستعماري من الأميركيين الذين قذفوا بمعاهدة فيينا إلى «أقرب سهلة مهملات».

كل ما ذكرناه يعيدنا إلى مقدمة المقالة التي طالبت بها في أن نفعل حركة «عدم الانحياز»، وهي تتكون من دول محايدة فعلاً أو ستضطر للحياد هذه الأيام، فأميركا تجبرك على أحد أمرين، إما أن تصبح «تابعاً» أو أن تكون «جدار صلب»، فهي لا تؤمن بـ«أمور وسط».

الأمر الآخر هو أن دول عدم الانحياز تستطيع إضافة دول أو قد يخرج منها دول، لكنها إجمالاً تتكامل في ما بينها بثرواتها وقوتها وأهميتها، وستفكر أميركا وغير أميركا ألف مرة في أن تجابه وحدة متكاملة من 29 دولة.

ربما يرى البعض أن الحركة ماتت أو تحتضر أو أن الأمر صعب تحقيقه وهذا صحيح، لكن باعتقادي أن علينا طرق كل السبل خصوصاً أن هناك دولاً كثيرة لديها الرغبة في تمريغ الأنف الأميركي، فمن يقرع الجرس؟

* أحمد الحناكي كاتب صحفي سعودي

المصدر | الحياة