«أزمة اللاجئين والدين»..كتاب يناقش قصور العلمانية الغربية في التعامل مع المهاجرين

لا يذكر التاريخ الحديث فترة كانت فيها ظاهرتا الدِّين واللاجئين تمثلان موضوعًا مُثيرًا للجدل الدائم في السياسات العامة والأُطروحات الحوارية عبر العالم كما هو الآن.

فالحرب العالمية على (الإرهاب) أسهمت في الربط بين المسلمين و(الإرهابيين) في الوعي العام العالمي، ثم ما لبثت أن خطت خطوة قصيرة فقط لتربط معهما اللاجئين في الأذهان الجمعية بالسياقات الأوروبية الأميركية، بحسب «الجزيرة».

يجمع كتاب «أزمة اللاجئين والدِّين.. بحث في العلمانية والأمن والضيافة» بين دفتيه خبرات واسعة من الأكاديميين والناشطين، فضلًا عن كثير من أصوات المُهاجرين، عبر أربعة أجزاء و16 فصلاً و21 مُشاركًا، من أجل التحقيق في الربط بين هذه القضايا.

ويوضح مؤلفا الكتاب ضرورة إعادة النظر غربياً في الفهم والنهج المُتبع لأزمة اللاجئين، والذي يمكن أن يولّد استجابات خلاقة لتلك المُعضلة العالمية المتزايدة.

سياسات ضيقة واستبعادية

في الفصلين الأول والثاني يقرر الكتاب أنه في سياق الهجرة الجماعية للنازحين بسبب الحرب المستعصية في سوريا، كان صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) -مع وجود نقاط ساخنة تنتج اللاجئين مثل إريتريا وأفغانستان- مؤديا لتزايد التشابك بين قضايا مثل الدين والصراع والعنف واللاجئين في الإعلام.

كما تشابكت في سرد الخطابات والسياسات العامة عبر مقاربات عديدة ساهمت في إنتاج سياسات ضيقة الاستجابة واستبعادية، واتجاه متزايد نحو ترسيخ الهجرة القسرية عوضًا عن مُعالجة أزمة اللاجئين العالمية باعتبارها مسألة إنسانية في المقام الأول.

ويناقش الكتاب مسألة غلق الحدود من وجهة نظر غير تعميمية، فعندما تقيد الحكومات حركة المواطنين داخل حدودها فإن ذلك يُعتبر علامة على الحكم الشمولي، لكن عندما تقيد تدفق الناس عبر حدودها يُعدّ ممارسة طبيعية للسيادة.

هذا في حين كان استخدامُ العنف القاتل لمنع الألمان الشرقيين من الهرب عبر جدار برلين من نظام قمعي علامةً على الفشل القمعي للحكم الشيوعي في أوروبا الشرقية، ودائما ما كان يُشار إليه في الدعاية الغربية كأمر مُدان ومستهجن.

واعتبرت المحكمة الدولية الجدار العازل (الإسرائيلي) المُشيد في فلسطين المحتلة غير قانوني، وأصدرت حكمها بتفكيكه، وأعلنت أحقية الفلسطينيين في التعويض عن الأضرار التي لحقت بهم؛ لكن غلق الأبواب في وجه الفارين من الجحيم السوري يراه كثيرون حقًا مُباحًا.

وعندما وعد «دونالد ترامب» الأميركيين بأن يبني جدارا عاليًا مُكهربًا على الحدود مع المكسيك، شكك الكثيرون في عقله ولكن لم يشكك أحد في ضرورة الحفاظ على الحدود، رغم أن بناء الجدار سيؤدي بلا شك لتوتر العلاقات الدبلوماسية، وسيؤثر سلبًا على التجارة والسياحة.

ثم يستخلص الجزء الأول في فصوله الثلاثة مسألة الهوية الاجتماعية، التي تمثل سيفًا ذا حدين في السياسات الأوروبية المُعاصرة عند استجابتها لأزمة اللاجئين. فمن ناحية يتعين على هذه السياسات أن تتقاسم القواعد والقيم اللازمة لتحديد هوية اجتماعية معينة، ومن ناحية أخرى يجب التعامل مع ما يصاحب ذلك التحديد الجماعي غالبًا من تهميش واستبعاد.

الهوية والتقسيم الديني العلماني

هذان الجانبان من الهوية الاجتماعية يكمنان في الاستجابات التي قد تبدو متناقضة في مجالات السياسات المتعلقة بالهجرة والاندماج في أزمة اللاجئين الحالية، عبر التقسيم الديني/العلماني في أوروبا. وتهدف تلك السياسات إلى الحفاظ على مسافة بين طالبي اللجوء والمواطنين الأوروبيين.

ولكن سياسة الإدماج تطورت بشكل متزايد إلى محاولات لاستيعاب المهاجرين ثقافيًا، وأظهرت الوقائع ضيق الفهم لمسألة الهوية، فكان النظر في معظم الأحوال إلى اللاجئين المسلمين على أنهم مجموعة غريبة خارجة عن المجتمع.

ويتبنى الكتاب تطبيق نظرية الهوية الاجتماعية التي تهدف إلى محاولة تخطي التقسيم الصارم لما هو ديني وما هو علماني، ويشكك في أن ما يعوق تدفق مجموعات كبيرة من اللاجئين ليس هو العلمانية أو الدينية، بل مجرد تفسيرات خاطئة للهوية تقود إلى ردود استبعادية.

فعوضًا عن المُصطلحات الدينية العلمانية هناك مصطلحات أخرى تقوم على الجنس والعرق والتعليم. أدت إلى مأزق سياسي وسّع الهوة بين الهوية الأوروبية وهوية اللاجئين والمهاجرين المسلمين. ويقترح الكتاب إعادة بناء الهويتين الأوروبية والمهاجرة باعتبارهما متعددتيْ الأوجه وليستا مجرد علمانية أو دينية.

الجزء الثاني وبناء وتفكيك اللجوء

الجزء الثاني من الكتاب يبحث في بناء وتفكيك اللجوء المسلم، ويتناول الدور الذي لعبه الدين في الاستجابة لأزمة اللاجئين السوريين.

في سبتمبر/أيلول 2015 كانت صورة الفتى «ألان الكردي» -وقد لفظ البحر جسده الصغير إلى الشاطئ التركي- مُحفزًا على التحرك خاصة في كندا، البلد الذي حلم الطفل الغارق -مع أمه وأخيه- في أن يلجؤوا إليه.

أصبحت مسألة قبول اللاجئين سببًا رئيسيًا في سقوط حكومة كندية ونجاح أخرى بعد أسابيع فقط من غرق «ألان». لكن في يناير/كانون الثاني 2016 اتجهت الحكومة لتفضيل قوائم اللاجئين من المسيحيين عوضًا عن المُسلمين، المقدمة من المنظمات الخاصة التي ترعى اللاجئين.

ويلفت الكتاب النظر إلى دور الدين في هيمنة الجماعات الدينية على قوائم الرعاية الرسمية، والحياة اليومية للاجئين، ومحاولة إعادة تشكيل هوية هؤلاء دينيًا، وغرس صورة تربط بين اللاجئين والدين في الوعي العام.

الجزء الثالث..الدين والضيافة

تقاليد الضيافة الدينية بين الممارسة والتطبيق، يطرحها الجزء الثالث الذي يبدأ بكلمة للبابا «فرانسيس» رأس الكنيسة الكاثوليكية، ويعرض فيها بكلمات متألمة واقع موت النازحين في البحر، وتحوّل مركبات الأمل إلى آلات للموت، ويدعو إلى اتخاذ قرارات اجتماعية واقتصادية تفتح الأبواب أمام اللاجئين.

يستعرض الكتاب تراثيات النزوح واللجوء وهجرة الحجيج عبر التاريخ، وتطور النظرة للوافدين في المجتمعات الأوروبية منذ انحسار الإمبراطورية الرومانية وصولًا إلى عصر الهجرة الحالي، والأصوات المُخيفة المُتصاعدة التي تتنبأ بانهيار الغرب في أيامنا هذه.

الدروس المستقاة من التاريخ توضح أن الهجرة واللجوء والحج هي مواقف افتراضية للبشر، وأن المُمتلكات على الأرض مشتركة ومؤقتة ومحدودة أيضًا، وليس هناك عذر في عدم التسامح، وأن المجتمعات المفتوحة المزدهرة ليست حقًا حصريا للسكان المقيمين فيها.

وفي فصل يناقش الضيافة كنوع من الاستجابة الروحية والسياسية، يستعرض الكتاب تجربة الهجرة في الخطاب الديني سواء المسلم أو المسيحي أو اليهودي، ويحاول إعادة تفسير تلك الهجرة في ضوء المفاهيم الإنسانية وتقاسم المساواة والحرية بين الشعوب.

قد يبدو اللاجئون والمهاجرون أثناء تحركهم وتنقلهم بلا حقوق، بسبب انقطاع صلات الجنسية والمواطنة بالبلد الأم، وعدم نشوء صلات بالبلد الذي يرجون حمايته. لكن يبقى لهم حق الضيافة، ويصر الكتاب على أن الضيافة هي فضيلة خاصة وعامة بالمعنى الأخلاقي.

وهو موقف يقود إلى فتح الأبواب وخلق مساحة في الأسرة التي يكوّنها الوطن؛ لدخول شخص آخر طالب للجوء إلى ذلك الفضاء العام. وأن واجب الدولة هو الانشغال بتسجيل الوافدين وليس خلق العقبات التمييزية أمامهم.

الإيمان واللجوء والفصل الأخير

أما الجزء الأخير من الكتاب فيناقش في فصلين جدلية العلاقة بين الإيمان والنوع واللجوء، ويصف حال طالبي اللجوء الذين ينتمون إلى مجموعات أو أقليات ضعيفة من المسلمين ويحرمون من الحماية الدولية، بسبب مجموعة من الجهات الفاعلة في الشمال العالمي، تحاول فرض مفاهيمها وإسلاموفوبيتها لتعيد استنساخ ما تعرض له هؤلاء النازحين من اضطهاد.

يلفت الكتاب النظر لأحد الآثار الجانبية للبيروقراطية الغربية في التعامل مع اللاجئين، فالتمييز بين اللاجئ السيئ واللاجئ الجيد يكون على أساس من لديه القدرة على الانتظار بصبر في معسكرات اللجوء التي تنشئها الأمم المتحدة، والموجودة في أماكن أخرى بعيدًا عن الشمال الأوروبي، حتى يصل دورهم في قائمة الانتظار لتأمين مكان إعادة التوطين بصورة شرعية في الشمال.

أما الآخرون الذين يحاولون النجاة والبحث عن عمل لكسب الرزق ولا يستطيعون البقاء في مخيمات اللاجئين، فإنهم يصنفون باعتبارهم لاجئين سيئين يتخطون الصفوف وغير ملتزمين. رغم أن هؤلاء هم أصحاب الحق الحقيقي في اللجوء والحماية الدولية، فهم ممن خرجوا من بلادهم هربا من الموت، ولا يملكون ما يستطيعون العيش به في المخيمات الرسمية.

لكن الرسميين -أمثال «ديفيد كاميرون» عندما كان رئيسا لوزراء بريطانيا- رفضوا تقديم الحماية الدولية للاجئين الموجودين بالفعل داخل أوروبا، بما في ذلك الأطفال غير المصحوبين بذويهم في مخيمات كاليه في فرنسا.

وتم بشكل متكرر التمييز المعنوي بين اللاجئين في أوروبا باعتبارهم غير جديرين بالحماية، بينما يقام بإعادة توطين هؤلاء الموجودين في مخيمات داخل الشرق الأوسط، ويُضفى عليهم وصف اللاجئين الجيدين.

ويضيف الكتاب أن التمييز كثيرًا ما كان يتجاوز الهويات العرقية والإثنية والإقليمية؛ ليمنح الأسبقية بناءً على الهويات الدينية للاجئين الحقيقيين، وكثيرا ما كان يتم النظر للاجئين المسلمين الشرق أوسطيين بوصفهم تهديدًا للأمن الوطني والدولي والشخصي الغربي، رغم قبول مهاجرين شرق أوسطيين آخرين من ديانات أخرى.

المصدر | الجزيرة نت