أسامة أبو ارشيد يكتب: الإخوان المسلمون .. التجديد أو الاضمحلال

لا نأتي بجديد إذا قلنا إن جماعة الإخوان المسلمين، على مشارف عقدها التاسع، تعيش أزمة فكرية وتنظيمية حقيقية، وإنها تَمُرُّ بمنعطف خطير، يكاد يكون وجودياً. واضح أن ثمّة من لا يزال يعيش حالة إنكار إزاء ذلك داخل صفوف الجماعة، حتى في مستوياتها العليا، وكثير منهم، إنْ لم يكن الغالب بينهم، يُحيلُ الأزمة إلى تآمر الأنظمة العربية على الجماعة وقمعها، بكل تفريعاتها، بعد الثورات العربية. أيضاً، فإن الغالبية في “الإخوان” يُقارِبونَ الانشقاقات في صفوفهم على أنها جزء من تلك المؤامرة التي حيكت بإحكام ضدهم. وبالتالي، فإنها تصبح نوعاً من “التَطَهُّرِ” الذاتي في مرحلة الغربلة، أو ما يلخصه بعضهم بعبارة: “إن الجماعة تنفث خبثها”.

بدايةً، لا أنكر أنني ممن يرون أن الجماعة مستهدفة، وسبق وأن كتبت غير مرة في ذلك، وقلت إنها مستهدفة، ولكن ليس لذاتها فحسب، بل لما تمثله من قوةٍ منظمةٍ مؤثرةٍ أبانت عنها وقائع الثورات العربية وتطوراتها. صحيح أن الجماعة ارتكبت أخطاء تكتيكية واستراتيجية كثيرة، غير أن هذا لا يعني أن استهدافها يتم بسبب تلك الأخطاء، بقدر ما أنها وظفت مسوّغات ضدها، حيث إن استهدافها يجيء في سياق ضربات استباقية لكسر عمود فقري أساسي في أي ثورةٍ تصحيحيةٍ قادمة، أو انفجار شعبي غير منظم، وهو الأكثر ترجيحاً. لكن حقيقة موضوعة استهداف الجماعة لا تعني أن عوامل اضمحلالها ذاتيا غير قائمة، بل هي موجودة، منذ عقود، وَيَخْتَزِنُها تنظيمها، وبدأت بالتبلور بشكل أكثر وضوحاً مع مطلع الألفية الثانية، خصوصاً فيما يتعلق بِالتَكَلُّسِ الفكري والتنظيمي المزمنين اللذين تعاني منهما، والأدهى من ذلك إضفاء صبغة من القداسة عليهما. وإذا كانت الجماعة، بسطوتها التنظيمية، نجحت، في الماضي، في كبت أي حراك داخلي ناقم على ذلك التَكَلُّسِ، فإنها اليوم، في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، وانهيار البنى الاجتماعية والسياسية التقليدية في مرحلة الثورات العربية، وفشل، أو إفشال الإخوان (لا فرق) خلالها، أعجز من أن تمارس ذلك مجدّداً أو تحدّد سقوفه.

التجديد المطلوب في فكر الإخوان المسلمين وهياكلهم التنظيمية لن يأتي من دون اعتراف، أولاً، بحقيقة الأزمة، حجمها، وعمقها. لا تتعلق المسألة بانشقاقات “مُهَنْدَّسَةٍ” فحسب، ولا ببعض كوادر اتضح أنها “تريد الدنيا” أكثر، بقدر ما أنها متعلقة بجمود فكر وانكفاء عليه وإنزاله منزلة “المُقَدَّس”. كان حسن البنا، مؤسس “الإخوان” ومرشدهم الأول، ابن عصره، ولم يكن كَلّاً على فكر غيره. كان فكر البنا حركياً، ولم يكن جامداً، كما أنه كان يُنَظِّرُ لعالمية الفكرة، انطلاقا من محلية بيئتها. أيضا، كان البنا مرناً، ولم يكن متشنجاً إلى الحد الذي يمكن فيه وصفه بـ”الذرائعي” أو “البرغماتي”، في سبيل ما كان يؤمن به. ففي الوقت الذي كان يُنَظِّرُ فيه لمفهوم “الدولة الإسلامية”، كان ينافح عن شرعية النظام الدستوري الملكي النيابي المصري. وعندما كان يؤسس خلايا لمقاومة الاحتلال البريطاني، كان “الإخوان”، تحت قيادته يترشحون للانتخابات البرلمانية، ومصر لا زالت تحت الانتداب. لم يكن البنا يستدعي معارك ليس مضطرا لها، ويعرف أنه لن يكسبها، دع عنك أنه لم ينشغل في مناكفة من انشقوا عن جماعته، بل إنه سعى ما وسعه الجهد أن يمضي في مشروعه. هل يعني هذا أن البنا كان شخصاً من دون أخطاء، وأن أطروحاته كانت مثاليةً دوما؟ قطعا لا، وما تحاول هذه السطور قوله إن سعة أفق البنا ومرونته وانفتاحه في زمانه سابقٌ على ما وصل “الإخوان” إليه اليوم. ويكفي أن نذكر هنا أنهم لا زالوا، حتى اليوم، كَلّاً في مناهجهم وفكرهم وبناهم التنظيمية على أغلب ما قدمه البنا قبل قرابة تسعين عاما. هل يعقل ذلك؟ وهل كان البنا ذلك الكَلّ؟ أبداً.

في سياق النقطة السابقة، لن يستطيع الإخوان المسلمون أن يخطوا خطوة واحدة إلى الأمام، من دون التخفف من “فكر المحنة” الذي أنتجته سجون الإرهاب الناصرية. لا يعقل أنه لا زال ثمة في “الإخوان” من لا يرى فارقاً بين فكري البنا وسيد قطب، فأطروحات البنا لا تستوعب أبدا أطروحات “الحاكمية” و”الجاهلية” و”المفاصلة” التي أسّس لها قطب. صحيح أن الأمانة والموضوعية تقتضيان الإقرار، هنا، بأن “فكر المحنة” نتيجة مترتبة على حقبة القمع الناصرية، وليس سببا لها، غير أنه من الصحيح أيضاً أن رواسبها في البنية التنظيمية والفكرية للإخوان أوجدت حالة من “الاستعلاء” في العلاقة مع “الآخر”، حتى المتديّن، بل، وفي حالات كثيرة، مع بعض أعضاء التنظيم الآخرين من غير ذوي “السابقة” أو “الانتماء الراسخ”، استناداً إلى معيار مفاضلة صارم، شخصي، وغير موضوعي.

المسألة الأخيرة أسست لمستويات تنظيمية متفاوتة داخل الجماعة، بشكل أقرب إلى تنظيماتٍ داخل التنظيم الواحد، وهو ما حرم الجماعة من الاستفادة من خبراتٍ وكفاءاتٍ كثيرة، فضلا عن أنه استنزفها بمراراتٍ شخصيةٍ وصراعاتٍ داخلية. فمن شعر بالغبن داخل صفوفهم قام هو الآخر بالانخراط في مجموعاتٍ داخل الجماعة، فكان البأس البَيْنِيُ شديد، وهو ما أفرز نماذج شاذّة في العداء والشراسة في صفوفهم، كما نرى اليوم في مصر والأردن، من دون أن ننكر دور أطرافٍ خارجية في إغراء العداوة بينهم، لكن ذلك ما كان ليكون لولا انهيار مناعة الجسم الذاتية أولا.

اليوم، انفجرت في وجه “الإخوان”، داخليا، ملفاتٌ حسّاسة، كان يُظَنُّ أنها من “المُسَلَّماتِ” عندهم، بل وتدخل في سياق “المُقَدَّس”. فثمة تيار إخواني عالي الصوت اليوم يطالب بـ”فصل الدعوي عن السياسي”، بل يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، إلى حد المطالبة بـ”الفصل بين الديني والسياسي”. طبعاً، لا نحتاج إلى التذكير، هنا، أن مدرسة “الإخوان” لا ترى فواصل بين الديني والسياسي، فالإسلام، حسب أطروحاتهم التأسيسية، يَنْتَظِمُ كل نواحي الحياة، فهو “دين ودولة..”، إلخ. ملف آخر انفجر في وجه “الإخوان”، وهو جدلية السلمية والعنف، خصوصا بعد فشل الثورات العربية، والانقلاب على شرعية الصناديق الانتخابية التي شارك فيها “الإخوان”، والقمع المسلط عليهم. فعلى الرغم من أن مدرسة “الإخوان”، في نسختها الأصلية، لا تقبل استخدام العنف سبيلاً في العلاقة مع مجتمعاتها وأنظمتها السياسية، غير أن هذه “المُسَلَّمَةِ” تتعرّض اليوم لامتحان عسير داخل بعض دوائرهم، خصوصاً في السياق المصري، نتيجة للإرهاب الممارس ضدهم.

هنالك قناعات أخرى كثيرة تتعرّض اليوم للمساءلة والتشكيك داخل المدرسة الإخوانية، غير أن هذا المقال لا يتسع لها. وعلى الرغم من أن ثمة نقاشات تجري حولها، إلا أنها جانبية وهامشية، وكثير منها يتم على مواقع التواصل الاجتماعي، ويخوض فيها أغرارٌ بخفة، ما يجعل جُلَّها ضحلا، وضررها أكبر من نفعها. “الإخوان” مطالبون اليوم بأن يفتحوا نقاشاتٍ مركزية، حقيقية وعميقة، حول هذه القضايا، يساهم فيها خبراء، بما في ذلك من خارج الصف الإخواني، والبحث عن صيغ معاصرة جديدة لكثيرٍ من “مُسَلَّماتِهِم”. بغير ذلك، فإن “الإخوان” يتجهون نحو الاضمحلال، ذلك أن هذه سنن كونية لا تخضع لمنطق التمنيات، ولا لغلواء الإخلاص المُنْبَتِّ عن الواقع. الأخطر أن تناول هذه القضايا بخفةٍ ورعونةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، أو عبر تيارات انشقاقية، أثبتت التجربة أنها معنيةٌ بالمناكفات ولعن الظلام أكثر من إضاءة شمعة فيه.. تناولها هكذا، من دون حسم مركزي فكري تأطيري عميق ومتماسك، قد ينتج عنه تفسخات في جدران الجماعة، قد تقود إلى موجة تطرّف خطيرة بين الحانقين والغاضبين في صفوفها الذين تُركوا دون توجيه ولا أجوبة.

كلمة أخيرة، وأريد أن أتقمص هنا منطق من يتحدّث من داخل المنظومة المرجعية الإخوانية: “رَبانِيَّةٌ الدعوة” لا تعني أن عوامل الزمن والسنن الكونية لا تجري عليها، ذلك أنها لن تكون أكثر “رَبانِيَّةً” من “الخلافة الراشدة”. ومع ذلك، جرت السنن الكونية على تلك الأخيرة عندما حدث خلل وأخطاء. هذه نصيحة من محبّ لا خصم، وأعرف أن نيتي الحسنة ومحبتي للإخوان المسلمين، ودفاعي عنهم، لن يشفعوا لي عند بعض منهم بعد هذا المقال، ولعل هذه فرصة جيدة لتذكير هؤلاء أن الحَدِّيَةَ في الأحكام والمواقف تضر بـ”الإخوان” ولا تفيدهم.

المصدر | العربي الجديد