«أسد»..فيلم أمريكي ينتصر للأمومة في مواجهة بوهيمية وانحلال الحضارة الغربية

10 من سبتمبر/أيلول الماضي في الولايات المتحدة، على أن يتم طرحه في ألمانيا في يوم الجمعة بعد المقبل (23 من فبراير/شباط)، والفيلم تدور أحداثه في 127 دقيقة من إخراج «غارث ديفيس»، سيناريو وحوار «لوك ديفيس»، وإن ذكرتْ بعض المواقع أن العمل الدرامي عن قصة لشخص يحمل اسم البطل «سارو بريارلاي» (قام بالدور في الفيلم ديف باتل)، وهو ما حاول المُخرج في استطراد عجيب إثباته في نهاية الفيلم لإقناع المشاهد أنه مقتبس عن أحداث حقيقية، وهو ما لم يكن له داعٍ على الإطلاق، بل قلل إلى حد ضئيل من جمال وألق الفيلم ككل، والأخير ظهر كإحدى حسنات «هوليود» القليلة، بخاصة بعد ترشيحه إلى جائزة «الأوسكار» المُعلنة يوم الأحد بعد المقبل (26 من فبراير/شباط المقبل).

للفيلسوف والكاتب البريطاني الإيرلندي «برناردشو» (26 من يوليو/تموز 1856–2 من نوفمبر/تشرين الثاني 1950م) مقولة تُلخص عبقرية النص الأدبي، مثلما تُلخص المقولة عبقرية الفيلم السينمائي، وهي تقول: الأدب هو ما تشعر فور انتهائك من قرائته أنك صرتْ أكثر نبلاً من قبله.

وفيلم «Lion» تماماً يُشعر المشاهد فور الانتهاء من مشاهدته، (عدا آخر مشاهد التي تقول أن بطل الفيلم شخص حقيقي له وجود بالفعل واثنتان من الأمهات، يأتي بهما في مواجهة بعضيهما)..

فور فراغك من مشاهدة الفيلم تشعر بأنك أكثر نبلاً من قبل مشاهدته، هذه حقيقة يتلاشى أمامها فيلم (لا لا لاند) بتفاهته وحصده عشرات الجوائز، وما يزال حتى الأسبوع الجاري، وكذلك يظهر فيلم (ضوء القمر) وقحاً أمام «Lion»، وهما الفيلمان اللذان تناولهما هنا على مدار أسبوعين مضيا..من الأفلام المرشحة للأوسكار في دورته الـ89 لـ2017م، على أنه لا يفوتنا أن فيلم (سبلايت) هو الآخر (مرشح لأوسكار لهذه الدورة) يبدو بالغ التعقيد ..عديم المنطقية أمام فيلم الليلة.

القصة ببساطة

يبدو الفيلم كمونولوج طويل جداً، أو حوار داخلي بين واقع الحياة في جهتين بالغتيّ التناقض من عالم اليوم الحقيقي، وفي قراءة الفيلم البسيطة جداً، تبدو (كالكتا) من الهند، وبخاصة (غلانستلاي)، كما ينطق بها (سارو) الصغير في مشاهد عميقة مؤثرة لمدة 53 دقيقة متوالية، فالأسرة التي لا يُعرف، ولا يتوقف مخرج الفيلم أمام مصير عائلها، ليخبرنا أنه مات أو اختفى، بل يتركنا لإدراك حقيقة عدم وجوده، وتفسيرها، كلٌّ على هواه، والأسرة مكونة من الآخ «غودو»، والأخت «شاكيلا»، وللاسم الأول منهما مدلوله، نفد إليه لما يحين دوره، مع الأم، التي بلا اسم، وكونها أماً يكفيها في إنسانية منسابة من مخرج الفيلم.

وفي بيئة غاية في الفقر، (يتم خطف طفل فيها كل 4 دقائق تقريباً، بحسب إحصائيات 2015م، ليبلغ مجموع المخطوفين من الصغار مائة ألف سنوياً حينها)، بالإضافة إلى قرابة 8 أضعافهم من التائهين، يغيب «سارو» الصغيرعن أخيه أو منه، ليطيح به قطار إلى (بنغال الغربية) في شمال الهند عام 1987م، وعبثاً يحاول الصغير الوصول بنفسه السوية المحبة لأمه العاملة في جمع ما يشبه الأصداف.

وفي بيئة سينمائية اعتيادية يعرفنا الفيلم على واقع أطفال الشوارع في بنغاليا، والمتاجرين بالبشر من أديان عدة، وفشل الشرطة في إعادة طفل يعرف عنوانه إلى أهله، لأن الشرطي لا يريد تكليف نفسه بالبحث عن اسم قرية على الخارطة، وهكذا يغني الطفل في الملجأ البالغ السوء مع جميع أبناء الشوارع المطحونين:

«خرجت النجمات للبحث عن القمر

خرج البائسن إلى الشوارع

خرجوا بحثاً عن اللص».

والمعنى واضح أن اللص هو الحاكم الذي يمعن في تقسيم البلاد، ويعمق من حب الذات لدى اللصوص وقطاع الطرق تحت اسم الشرطة حيناً، والنخاسة أحياناً.

ومن (بنغاليا الغربية) إلى أستراليا تتبنى الطفل (المجهول الممثل العبقري الصغير الذي قام بدوره، كما هي مجهولة السيدة التي قامت بدور الأم العبقري الصامت في أغلب المشاهد، وكذلك الآخ والأخت.. لا تحتفي المواقع بمجرد ذكر أسمائهم) تتبنى «سار»و أسرة أسترالية، «سو بريارلاي» (الممثلة نيكول كيدمان)، وزوجها «جون بريارلاي» (ديفيد وينهام)، كما تتبنى «مانتوش»، الطفل المُتخلف القادم من نفس البيئة.

ولكن «سارو» يضيق بالأسرة ودراسة الفندقة، وصديقته الأمريكية «لوسي» (رونى مارا)، ويروح في انفعالات شملت أكثر من ساعة من عمر الفيلم يبحث عن جذوره، ويلف الهند عبر رحلة تذكر لأدق التفاصيل بحثاً عن حنان الأم، مع معرفته بـ«غوغل إيرث»، مع الانفتاح على واقع يقول أنه قد يصل إلى البيت ولا يجد أمه حيّة، وهو ما يجده في النهاية حقيقة، إذ صار البيت زريبة للحيوانات، ويتركه الرجل الوحيد الذي يعرف الإنجليزية ويمضي، لينفتح الفيلم على المتاهة قرب نهايته ..ترك البطل أمه بالتبني وأسرته لأجل الوهم.

لكن الرجل يناديه ويعرفه بأسرته فيما عدا «غودو» الذي صار لدى القدير أي مُتوفى.

الفيلم في أعماقه

لا يضن علينا المخرج بقراءة موازية أكثر عمقاً وبهاء وألقاً للفيلم، فلدينا فيه 3 نساء هن البطلات الحقيقيات، لذلك نالت إحداهن جائزة «الغلوب غولدن» عن أفضل ممثلة مساعدة «نيكول كيدمان» مع بطل الفيلم «ديف باتل».(مع فوزهما بجائزتي أكتا الدولية في 8 من يناير/كانون الثاني الماضي).

أما الأولى فالأم الوالدة التي أنجبت، وحال الفقر دونها ودون الاحتفاظ بـ«سارو» لضياعه و«غودو» لالتهام القطار له، فالاختراع الإنجليزي الذي زرعه المحتل في الهند لجذب خيراتها إليها يصير مصدر هلاك لأهل البلد بعد خروج المحتل ظاهرياً، وهذه الأم الفقيرة المُعدمة التي يتخيلها البطل، وهو من وراء زجاج طوال مدة فقدها في الفيلم في تصوير بعدسات تحمل زخات وقطرات المطر للتدليل على أن الحضارة، ونظافة الشوارع في أستراليا حضارة مزيفة، وأن قذارة الشطآن في (كالكتا، المنطقة التي يعرف كل خليجي ومقيم في دول مجلس التعاون أنها أكثر طرداً لسكان الهند من غيرها، لفقرها المتقع، وإن تباينت في الديانات، واختلفت في أذواق البشر).

أما الأم الأسترالية فهي من فرط الرفاهية، وإدمان أبيها المخدرات في الصغر ندمت على أنها جاءت إلى الوجود، ولذلك رفضت واتفقت مع زوجها على عدم الإنجاب من صلبهما، وتتبنى أطفالاً من مناطق الكوارث في العالم للتخفيف عنها، (وهي أفكار رادوت الكاتب الصحفي الراحل «أنيس منصور بقسوة في مقالاته في الصفحة الأخيرة من الأهرام المصرية شبه الرسمية، وفي كتب كثيرة له منها، على سبيل المثال: يسقط الحائط الرابع، تعبيراً عن جدران البيت الذي يحتوي الأسر).

أما المرأة الثالثة فهي «لوسي/العشيقة» الامريكية التي تموت أمها لرفضها تناول العلاج الكيمياوي، وهي المُصابة بالسرطان، لأنها لم تثق في كلام الطبيب في أنها ستموت، وهو ما لم يغفره لها الأب/الزوج وغرق في المخدرات من بعدها، ولكي تنسي «لوسي» أمها تغرق في الجنس مع «سارو» الذي يعترف لها مراراً أنه لقيط تائه يريد أهله ولا يريدها.

ويتناقش الزملاء المتعددي الأعراق، في محاولة من المخرج لإيجاد حسنة لحضارة غربية دمرت الإنسان في داخل البشر، وقدمت له كأس خمر نظيفة، وامرأة يعاشرها لينسى، وأزواج يُسلمونَ شيخوختهم للعدم لما لا يقررون الإنجاب مكتفين بتربية أطفال غيرهم ليعودوا إلى الآخرين من أمهات حقيقين، (مهما كان فقرهم في النهاية)، يتناقش الزملاء الذين يدرسون الفندقة (قمة المُنتج والإقامة الحضارية) في رغبة كل منهم في العودة إلى أصوله، ولو كانت أفريقيا، وترك أستراليا الرائعة.

ولكن المخرج لا يتركنا للانتصار للجذور دون دس لصمته، فـ«سارو» الذكي الحضاري منذ الصغر يُقابله «مانتوش» المتخلف (أخوه بالتبني) الذي يضرب رأسه في الحائط حتى حين يصير شاباً، ويذهب لصيد الحيتان في نهاية الفيلم!

الجملة المحورية

لكل فيلم (جُملة) تصنع بطولته، وأخرى مساعدة، أما جملة البطولة في فيلم الليلة، فهي قول البطل إلى العشيقة حينما يختار العودة إلى النبع الصافي الأم تاركاً علاقته بها معلقة إلى ما لا نهاية:

ـ نحن نتباهى ببوهميتنا وهو ما يثير اشمئزازي!

وكان قال الكلمات لها لما أردات منه ممارسة الجنس في الطريق العام.

أما الجملة المساعدة فهي قول الأم بالحضانة لـ«سارو لما قرر العودة لأمه الحقيقة:

ـ من حقها أن ترى وسامتك!

هكذا الأمومة كما الحياة والحضارة لدى الغربيين مجرد أشكال حسنة!

أبدع «غريغ فريزر» في التصوير، وجاءت موسيقى الفيلم التصويرية بالغة التناسق لـ«داستن آل هارون»، وإن عابه الفيلم التطويل أحياناً في تصوير معاناة البطل، والمُباشرة في جرعة أن القصة حقيقية في النهاية، وهو الأمر الافتراضي، الذي ظهر كقلة ثقة من صُناع الفيلم في أنفسهم.

أما مدلول الأسماء فقد كشف الفيلم في نهايته عن جزء صغير منها فـ«سارو البطل هي «شارو» الهندية أي الأسد وكان البطل يخطىء فيقلل من أهميته، كما قلل صُنّاع الفيلم من أهميته بالنهاية المُباشرة، والقول أنه عن قصة حقيقية، أما «سو» الأم بالتبني، و«جون» الأب المُتبني، و«لوسي» العشيقة فكلها أسماء بسيطة لمشاهير لامعين، تدل على رغبة ربما غير مُدركة من صناع الفيلم أنفسهم للتقليل من الأبطال المعروفين في الحياة.

وأما «غودو» الآخ الذي تاه منه أخوه، ومات في مكان لهوهما عند شريط القطار فهو «غودو» بطل مسرحية «صمويل بيكيت»، الكاتب الإيرلندي، «في انتظار غودو»، والتي قدمت على المسرح في 5 من يناير/كانون الأول 1953م، مشيرة إلى الغائب المنقذ الذي ينتظره الجميع لحل مشاكلهم، فيما هو لدى (الله القدير)، بحسب فيلم الليلة.