الجولة الأفريقية لأمير قطر .. تفعيل دبلوماسية «الجسور» بعد الحضور

أنهى أمير دولة قطر الشيخ «تميم بن حمد آل ثاني»، الأربعاء، جولة أفريقية شملت ثلاث دول «مؤثرة» سياسيا واقتصاديا في القارة، ولها حضورها القوي على مستوى محيطها الإقليمي والدولي أيضا.

الجولة، التي بدأت بأديس أبابا، تميزت باهتمام إثيوبي لافت، قابله اهتمام قطري مماثل، بهذا البلد الغني بثرواته ومياهه وأراضيه الشاسعة والخصبة، ما جعلها قبلة لرجال الأعمال والمستثمرين الخليجيين وخاصة القطريين في السنوات القليلة الماضية، حين دشن الأمير الوالد «حمد بن خليفة» العلاقات الثنائية بين البلدين في أبريل/ نيسان 2013.

محطة الأمير القطري الثانية كانت نيروبي، عاصمة كينيا، وهي دولة ذات نفوذ مؤثر في محيطها الإقليمي بشرق ووسط أفريقيا (جيو/ سياسياً) للتداخل الجغرافي الحدودي والقبلي بين هذه الدول.

كما أن كينيا تحظى بحضور قوي في منظومة الاتحاد الأفريقي ضمن مجموعة دول «إيغاد» (تجمع لدول شرقي القارة) التي تتولى مهمة نزع فتيل النزاعات والصراعات التي تمزق بعض دول هذا الإقليم، مثل الصومال وجنوب السودان، وتلعب دورا لافتا في «حلحلة» تلك الصراعات التي تقلق دول المنطقة نظرا للتداخل الجغرافي والقبلي عبر الحدود، وما ينتج عنه من احتكاكات وبؤر للمشكلات.

وبحسب الرئيس الكيني «أوهورو كينياتا»، في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، فإن زيارة الشيخ «تميم» دفعة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين نحو فاق أوسع، على جانب ترسيخ العلاقات السياسية لخدمة الطرفين.

وأشار الرئيس الكيني إلى إمكانية الاستفادة من خبرات قطر وإمكاناتها لتفعيل اتفاقيات التعاون بينهما، والتي تضع قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والزراعة والتعدين والتعليم والتعليم العالي والثقافة على رأس أولويات بلاده.

ولا يغيب عن المتابع، حرص كينيا على فتح المجال لرجال الأعمال والمستثمرين القطريين لإقامة مشاريع حيوية حيث تعمل حكومتها على تسهيل إجراءات الاستثمارات القطرية.

وخلال المباحثات، التي جرت بين الوفدين القطري والكيني، أشار الأمير تميم إلى العلاقات، التي تربط المنطقة بالقارة الأفريقية ووصفها بأنها «تاريخية»، داعياً إلى أهمية السعي لتطويرها وتعزيزها باستمرار.

ومن الجانب الثاني، فإن سواحل كينيا القريبة من مواقع الصراع في اليمن، جعل ملف هذه القضايا حاضراً في مباحثات الأمير القطري والرئيس «أوهورو كينياتا»، حسبما ذكرت وسائل الإعلام الكينية.

اقتصاديا، تمثل كينيا إحدى أهم الدول، التي تعتمد على السياحة عالميا، كما تعتبر وجهة للسياح من كل أنحاء العالم، وتشكل السياحة مصدرا مهما للدخل القومي، ما يجعلها هدفا لاستقطاب وتشجيع رؤوس الأموال القطرية للدخول في هذا المجال المزدهر.

المحطة الأخيرة

أما جنوب أفريقيا، التي كانت المحطة الأخيرة في الجولة، فهي دولة ذات «وزن ثقيل» في القارة السمراء، بثرائها وقوتها الاقتصادية، وبمواقفها الثابتة والواضحة في كثير من القضايا السياسية الأفريقية، وبتميز علاقاتها الدبلوماسية بالتوازن وعدم الشطط أو التدخل في شؤون الغير.

ووصف رئيس جنوب أفريقيا «جاكوب زوما» زيارة أمير قطر بـ«التاريخية»، مشيدا بجهود أمير دولة قطر في حل النزاعات في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

ورأت وسائل إعلام محلية أن الزيارة «تفتح آفاقا جديدة وواسعة بين البلدين»، معتبرة أنها وضعت رؤية واضحة لحل كل القضايا العالقة في محيطهما خاصة التطورات السياسية في أفريقيا والشرق الأوسط، والتحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه هاتين المنطقتين، بما في ذلك الصراعات.

وأضافت أن البلدين جددا دعمهما لعدالة القضية الفلسطينية، وأكدا على أهمية تحقيق الاستقرار في ليبيا، والاتفاق على حل النزاعات في الشرق الأوسط وأفريقيا.

دبلوماسية الجسور

ولا يخفى على المتابع لخارطة المناطق الملتهبة، الدور الذي لعبته — ولا تزال — قطر بقيادة الأمير الشاب، عبر دبلوماسية نشطة وفاعلة يقودها وزير الخارجية الشيخ «محمد بن عبد الرحمن آل ثاني»، في تقريب وجهات النظر بين القوى المتصارعة بغية الوصول إلى حلول ترضي تلك الأطراف.

وبعد أن ظلت المساعي القطرية تمثل حضورا فاعلا في شمال القارة الأفريقية، في محاولات لوضع حد للنزاعات المسلحة والصراع في ليبيا ومالي والنيجر والسودان، انتقلت حالياً لممارسة دبلوماسية «بناء الجسور» مع دول شرق وجنوب القارة وشرقها.

فكانت لها أياد بيضاء في مكافحة الجفاف والمجاعة في عدد من دول تلك المنطقة، والتي عانت منها دول أفريقية عديدة ضربتها موجاتها، فكانت الجمعيات الخيرية القطرية من أوائل الحاضرين لتقديم يد العون.

الجانب الاقتصادي، الذي يمثل البلدان فيه ثقلاً إقليماً كان حاضراً بدوره أثناء المباحثات، حيث حرصت الدولة المضيفة على عقد منتدى للأعمال يجمع رجال الأعمال في البلدين، لإجراء مزيد من المناقشات حول استراتيجية تجمع بين القطاعات الخاصة في البلدين.

ووضعت جنوب أفريقيا نصب أعينهم إتاحة الفرصة لجهاز «قطر للاستثمار وصندوق قطر للتنمية» (حكومي)، لتقييم بعض الفرص المتاحة للاستثمار في البلاد ووضعها ضمن خططها المستقبلية.

وبلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين، خلال 2016، نحو 517 مليون دولار أمريكي، ما يعتبر رقماً متواضعاً بين بلدين يملكان هذ النفوذ وتلك الثورة، وبينهما علاقات متميزة منذ تأسيسها العام 1994.

وكان البلدان قررا، خلال زيارة الشيخ «محمد بن عبد الرحمن آل ثاني»، وزير الخارجية القطري لجنوب أفريقيا، مارس/آذار الماضي، زيادة حجم التجارة الثنائية إلى مليار دولار بحلول عام 2020.

كما درسا وضع خطة مشتركة، على مدى خمس سنوات، تركز على التعاون السياسي وتعزيز التواصل بين شعبي البلدين من خلال الفن والثقافة والرياضة والدبلوماسية الاقتصادية.

وتعد الزيارة هي الأولى للشيخ تميم إلى الدول الأفريقية الثلاثة، منذ توليه السلطة في 25 يونيو/حزيران 2013، ودشنت عهدا جديدا لدولة قطر بقيادتها الشابة ونظرتها الشاملة لتوسيع دائرة وحجم العلاقات بينها، وبين مختلف دول العالم.

اتجاه «البوصلة» القطرية، في علاقاتها نحو القارة الأفريقية بإمكانياتها وثرواتها وعدد سكانها الضخم، يلقي بمزيد من الأضواء على ما يمكن أن تلعبه قطر خلال العقد القادم، وهي مسيرة طموحة وطويلة نحو آفاق عالمية تسعى إلى تحقيقها عبر شراكات وتفاهمات مع الآخرين، دون من أو أذى.