أيمن الصياد يكتب: «الشرعية» البديل.. حديث سياسي في الاقتصاد

السطور القادمة ليست مقالا، أو مبحثا في الاقتصاد، فللموضوع متخصصوه، كما أنها لا تناقش مدى حتمية أو خطورة اقتراض 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. ولا العوامل والسياسات التي أدت إلى قبول أو الاحتياج إلى هذا القرض اليوم، رغم أننا رفضنا في 2011 قرضا من الصندوق بثلاثة مليارات فقط «بدعوى الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وعلى سيادة مصر». وإنما هو حديث عن «المتغيرات»، التي أخشى أن هناك من لم ينتبه إلى ما تستوجبه من «متغيرات».

* * *

هي «الشيزوفرينيا»، عندما تعتقد أن الاقتصاد لا علاقة له بالسياسة. أو عندما تتصور أن بإمكانك أن تحكم سياسيا بطريقة «السوفيت» الستينية، في حين تطبق اقتصاديا سياسات الصندوق «النيوليبرالية» عشية الحديث عن «إنجازات اقتصادية» غير مسبوقة، واكبها ما تابعه رواد شبكات التواصل الاجتماعى من إطلاق مفاجئ لهاشتاج (#مصر_بتفرح_من_تاني) أعلن المسؤولون في مصر عن اتفاقيات مختلفة لقروض قد تصل قيمتها «غير المسبوقة أيضا» إلى 20 مليارا من الدولارات (أى ما قد يقترب من 250 مليارا من الجنيهات بسعر السوق الحرة الموازية).

بغض النظر عن العلاقة «غير المسبوقة» لإنجازات اقتصادية بالحاجة «لاستدانة» كل هذا المبلغ، وبغض النظر عن «حتمية» هذا القرار، وبالتالي حتمية «الإجراءات المترتبة عليه»، يبقى المسكوت عنه، أو بالأحرى، ما لم يلتفت إليه أحد هو مدى تأثير هذه الإجراءات على «العقد الاجتماعي» الذي كان حاكما (ولو نظريا) للنظام السياسي في مصر لأكثر من ستين عاما. والذي أعطى واقعيا هذا النظام «شرعيته» السياسية. كنظام ينتظر منه الناس أن يلتزم بتوفير حاجاتهم من مأكل وملبس ودواء وغير ذلك من السلع والخدمات فضلا عن الوظائف «التي هي حق لكل مواطن» مقابل احتكار (واقعي) للجماعة الحاكمة للسلطة والقرار.

* * *

يعرف دارسو العلوم السياسية أن «الدولة الريعية»، وفي منطقتنا المثال النموذجي لها ــ لم تكن مجبرة على تطبيق مبادئ الحوكمة اللازمة لرشادة اقتصاد السوق. والقائمة على سيادة القانون، والحريات السياسية، والشفافية، والمحاسبة، والفصل الحقيقى بين السلطات. واللازمة لخلق بيئة مواتية للنمو الاقتصادي، والاستقرار السياسي والمجتمعي. وذلك ببساطة لأن كفاية الموارد الطبيعية تمكن الدولة من تقديم جميع الخدمات لمواطنيها دون الحاجة إلى فرض ضرائب.

وبالتالي يتنازل المواطنون طواعية أو (بحكم ما جرت عليه العادة) عن المشاركة الحقيقية في الموارد، واتخاذ القرارات، ورسم السياسات. وبغض النظر عن مدى «صحة وحيوية» هذا النموذج، وقابليته للعيش المستدام في عالم شاب زالت فيه حدود «المعرفة» والطموح، فغني عن القول أننا في مصر أبعد ما يكون ــ موارد وخدمات ــ عن هذا النموذج وعن الاستناد إلى أنماط «الشرعية» القائم عليها / أنماط القائم عليها؛ «الرفاه مقابل الحرية».

كما يعرف دارسو التاريخ، كيف قدمت «الدولة الاشتراكية» في النصف الثاني من القرن العشرين نموذجا لـ«الشرعية» يقوم على الالتزام (أكرر: الالتزام) بتوفير كل حاجات المواطنين من سلع وخدمات ووظائف حكومية. مقابل «احتكار» واقعي من الجماعة الحاكمة (الحزب / أو الفرد في معظم الحالات) للسلطة والقرار.

أين نحن (واقعيا) من هذا أو ذاك؟ أو كيف سنصير (واقعيا) بعد الالتزام «الضروري» بمتطلبات القرض «الضروري»؟

سؤال الشرعية الغائب سيظل (واقعيا) كامنا، ومقلقًا، وضاغطا وإن تجاهلناه أو أنكرناه.

سؤال الشرعية الغائب سيظل (واقعيا) كامنا، ومقلقا وإن تجاهلناه أو أنكرناه. فلا نموذج الخليج النفطي صالح لبلد يعيش 27% من مواطنيه تحت خط الفقر، ولا نموذج «دولة ماو تسي تونغ» الطوباوية (أو الشمولية) الذي تتكفل فيه الدولة بتقديم كل الخدمات مجانا لمواطنيها يمكن أن نتصور وجوده في دولة ترفع الدعم وتفرض مزيدا من الضرائب كل يوم.

يمكن لذوي الأمر في «الدولة الريعية» اعتماد شرعية «الرفاه مقابل الصمت»، كما يمكن في «الدولة الشمولية» اعتماد شرعية أن تتكفل الدولة أو الحزب بجميع احتياجات المواطنين «مجانا» مقابل «تفويض» النخبة الحاكمة في إدارة شئون البلاد.

وفي الحالتين، قد تسمح مساحة «الرضا المجتمعي» باستقرار المعادلة. أما حين يكون هناك من يطلب من مواطنيه التقشف، دون أن يكون «دافعو الضرائب» شركاء «حقيقيين» في إدارة أمور بلدهم، فذلك مما لم تثبت تجارب التاريخ أنه أدى إلى استقرار من أي نوع. ناهيك عن أي معالجة للمشكلات الاقتصادية باعتماد روشتات الاقتصاد «الحر» في غياب «حرية» السياسة ومعاييرها المعروفة.

هو باختصار ضرب من «الشيزوفرينيا» الفكرية، عندما تعتقد أن الاقتصاد لا علاقة له بالسياسة. أو عندما تتصور أن بإمكانك أن تحكم بطريقة «السوفيت» الستينية، في حين لا تقدم للناس (كل الناس) ما يكفي من غذاء ومسكن ودواء وفرص عمل. «من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته» حسب قولة كارل ماركس الشهيرة.

* * *

عندما يختفي التحليل العلمي، ليفسح مجاله لحديث ميتافزيقي عن «أهل الشر» والمؤامرات الكونية، لا تتوقع غير دوران في «حلقة زار» مفرغة.

عندما يقف المتحدث باسم «صندوق النقد الدولي» في مؤتمره الصحفي بجوار كبار المسؤولين المصريين ليطلب ــ هكذا دون حرج ــ من أصدقاء مصر أن «يمدوا لها يد العون». فلابد أنه يعلم، كما «تَعَلّم» الاقتصاديون الذين رحبوا به، أنه إن كان يقصد الاستثمار «لا الهبات»..

ولذلك متطلباته كما قرأنا في الكتب: دولة قانون تقوم على ضمان عدالة «حقيقية»، وبيئة تنافسية نظيفة شريفة، ونظام ديموقراطي يكفل الشفافية، والمحاسبة، وحرية تداول للمعلومات. لا نظام يؤسس بسياساته وإعلامه على ترسيخ مفهوم دولة الرجل الواحد التي هي بالتعريف تتناقض مع كل ذلك. وتفتح الباب واسعا لما عرفته التجارب التاريخية السابقة من سيطرة للأوليجاركيا التي تقتات تقليديا على النفوذ والسلطة.. والفساد.

يعرف كل الذين شاركوا في المؤتمر الصحفي لصندوق النقد، كما يعلم كل الاقتصاديين على اختلاف مدارسهم (حتى أولئك الذين يتولون مواقع القرار في الدولة) أن هيمنة إحدى مؤسسات الدولة (أيا كانت تلك المؤسسة، وأيا ما كان التبرير) على النشاط الاقتصادي، حتى ولو كانت له نتائج «براقة دعائيا» أو حتى نافعة، أو مُسكنة على المدى القصير، فمن شأنه أن يكون «مدمرا» للعملية الاقتصادية على المدى الطويل. وأنه أشبه بإعطاء حقن الكورتيزون «الذهبية»، التي يلجأ إليها بعض الأطباء ليصفق لهم المرضى، لا ليتم شفاؤهم.

ربما لا يعجب البعض (أو ربما لم يقرأ البعض) تقارير “الإيكونومست” أو “بلومبرغ”، أو حتى “نيويورك تايمز”، أو ربما يكتفي البعض ببيان الخارجية الذي لم يتجاوز أثره واقعيا صفحة “فيسبوك” التي نشر عليها، ولكن لا اقتصادي (ليبراليا كان أو اشتراكيا)، ولا خبير في تحليل المخاطر الاقتصادية إلا ويعلم أن «التصنيف الاقتصادي» لدولة ما يرتبط بالوضع السياسي بذات القدر الذي يرتبط فيه بالأداء الاقتصادي. كما يعلم أن السمعة الاقتصادية الحسنة، هي قرين الديموقراطية بضوابطها المعروفة في أغلب الأحوال.

لا اقتصادي إلا ويعرف أن الشفافية كآلية لمكافحة الفساد هي ضمن معايير التصنيف الاقتصادى للدولة. وللأسف يعرف أن مصر تحتل المركز الـ٨٨ على سلم الدول الأكثر شفافية وأقل فسادا.

لا اقتصادي إلا ويعرف أن حرية التعبير والصحافة لازمة لمكافحة الفساد وتحقيق العدالة (التي هي ضمن معايير التصنيف الاقتصادي للدولة)، وللأسف يعرف أن ترتيب مصر على المؤشر العالمي لحرية الصحافة الـ١٥٩ من بين ١٨٠ دولة.

لا اقتصادي إلا ويعرف أن الحق في الحصول على المعلومات وحرية تداولها (هي ضمن معايير التصنيف الاقتصادي للدولة)، وللأسف يعرف أن مصر ليس لديها حتى اللحظة قانون يقنن هذا الحق رغم أن هناك ١٠٢ دولة لديها مثل هذا القانون.

لا اقتصادي إلا ويعرف الأثر السلبي لما جرى مع رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات (على الهامش، يبقى دالا أن القانون الذي يحد واقعيا من استقلالية «رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية»، والذي يحمل رقم 89 لسنة 2015، وأسماه البعض يومها «بقانون جنينة» صدر قبل ستة أشهر كاملة من تصريحات رئيس جهاز المحاسبات تلك التي أثارت الجدل!)

نضحك على أنفسنا، أو بالأحرى نكذب عليها حين نتصور أن هذا مناخ جاذب للمستثمرين «الجادين» أو للاستثمار «النظيف».

في نظام لا يعرف «الشفافية»، تتضارب الأرقام «الرسمية»، ولا يعرف «دافعو الضرائب» الحقيقة أبدا. ففي حين يقول تقرير البنك المركزي المقدم إلى مجلس النواب أوائل هذ الشهر أن مجموع المساعدات المالية الخليجية التي «دخلت البنك المركزي» عامي 2013 و2014 هو بالضبط 10 مليار دولار (13 مليارا إذا أضفنا قطر)، يقول الرئيس في حديث تلفزيوني في منتصف 2014 (6 مايو) أن تلك المساعدات تتجاوز الـ20 مليارا من الدولارات. وبغض النظر عن أن من المفهوم أن بعض تلك المساعدات لم يكن في صورة نقدية، إلا أن كثيرا من التفاصيل لا يعرفها أحد.

عندما يغالط أكبر مسؤولي الدولة في أرقام إيرادات قناة السويس (وهي أرقام معروفة للكافة بحكم الطبيعة الدولية للقناة) لا تتوقع أن يشعر المستثمرون بالثقة اللازمة لبناء اقتصاد حقيقي شفاف ونظيف.

كما ــ والحال هكذا ــ لا يصح أن نندهش لفشل مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي (مارس 2015) الذي جرى فيه توقيع مذكرات تفاهم / نوايا مبدئية بالمليارات لم تجد طريقها للتنفيذ الفعلى الذي مجاله أرض «الواقع» بكل تفاصيله، لا أوراق المذكرات اللامعة أمام عدسات التصوير. ألم يكن من الواجب والنتيجة هكذا أن نسأل أنفسنا: أين ذهب مستثمرو شرم الشيخ؟ أو بالأحرى، لماذا غيروا رأيهم؟

عندما يختفي التحليل العلمي لأسباب ما نحن فيه، ليفسح مجاله لحديث ميتافيزيقي عن «أهل الشر» والمؤامرات الكونية، لا تتوقع حلا أو علاجا، بل دورانا في «حلقة زار» مفرغة.

* * *

في دراسة مهمة كنا قد نشرناها في «وجهات نظر» قبل ما يقرب من عشر سنوات للباحث والأكاديمي (قبل أن يكون وزيرا) دكتور محمود محيى الدين عرض لكتاب بالغ الأهمية للاقتصادى الأميركي الفذ غريغوري كلارك، أستاذ التاريخ والاقتصاد بجامعة كاليفورنيا بمدينة “ديفيز”.

الكتاب الذي احتاج من البروفيسور الأمريكي 20 عاما لكتابته يحمل غلافه ذو التصميم المميز عنوان: A Farewell to Alms أى «وداعا للهبات»، ويدور حول فكرة جوهرية تتلخص في أن «النمو الاقتصادي» وحده، (والذي يبشرنا به المراهنون على هبة الطبيعة في حقول غاز البحر المتوسط) لا يكفي لاستقرار المجتمعات، ولا لتقدمها ونهوضها. «فغنى الأمم ونجاحها في مكافحة الفقر وتحقيقها للتقدم مرهون بإرساء العدالة بين الناس.. وفي المضمار الاقتصادي لا تتحقق هذه العدالة إلا بتكافؤ الفرص للناس جميع دون تمييز.. تكافؤ في فرص التعلم والتدريب والرعاية الصحية. تكافؤ في فرص الحصول على الموارد التي تمكنهم من المنافسة»

* * *

وبعد.. فقد يكون مثيرا، أو لافتا أن كل من قرأت أو سمعت لهم في الموضوع بمن فيهم وزراء ومسؤولون حاليون إلا ويعتقد ــ وإن اختلفت التعبيرات تلميحا أو تصريحا ــ بأن المناخ السياسي الذي تغيب عنه الحرية والعدالة والديموقراطية «الحقيقية» وتسيطر عليه أجواء الحديث الميتافيزيقي عن المؤامرات «وأهل الشر»، ولا تتوافر فيه الظروف الطبيعية للمشاركة السياسية والأهلية هو بطبيعته مناخ طارد للاستثمار، ومشجع للفساد. ولذلك فلن يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي أو مالي دون أن ديموقراطية حقيقية وإطلاق للحريات واحترام للدستور والقانون.

ثم قد يكون الأهم من كل ذلك أن ندرك أن تنفيذ السياسات التقشفية التي يراها الصندوق لازمة «للإصلاح الاقتصادى»، والتي يجرى التمهيد والترويج لها إعلاميا، يستلزم منا أن ننتبه إلى أن ذلك يعنى واقعيا إنهاء العقد الاجتماعي للدولة الشمولية «الدولة الأم» القائمة على الالتزام بتوفير الوظائف ودعم السلع والخدمات الأساسية، والذي منه تستمد شرعيتها «انفرادا بالقرار والسلطة».

بالتالى فربما قد آن الأوان أن يدرك، من فاته أن يدرك منذ زمن طويل أننا، والحال هكذا بحاجة إلى «الشرعية البديل»: دولة دستورية حقيقية، قائمة على المواطنة والمشاركة واحترام «حقيقي» للعدالة والقانون. دولة تعرف الشفافية والمحاسبة وحرية التعبير. باختصار «الدولة» التي طالب بها من نزلوا إلى الشوارع في يناير 2011 مدركين أن لا مكان لغيرها في المستقبل. مطالبين «بإسقاط نظام» لم يعد لثقافته «السلطوية» مكان في هذا المستقبل.