إلياس سـحاب يكتب: نكـبة فـلسطـين في ذروتها

في منتصف هذا الشهر، منذ تسعة وستين عاماً (في العام 1948)، اتخذت نكبة فلسطين المؤسسة على المشروع الاستعماري- الصهيوني قاعدتها الأولى على ثلاثة أرباع أرض فلسطين التاريخية، لتؤدي المهمة الاستعمارية في الفصل الجغرافي والسكاني بين المشرق العربي والمغرب العربي، تعطيلاً لاحتمالات وحدة أقطار العالم العربي، وتعطيلاً بشكل خاص لاحتمالات دور مصر في بلدان المشرق العربي، الذي أرعب الدول الاستعمارية (وخاصة بريطانيا وفرنسا)، عندما اقترب زحف جيش محمد علي (بقيادة ولده إبراهيم باشا)، من السيطرة على الأستانة، عاصمة الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر.

لقد تطلب الإعداد العملي لهذا المشروع قبل استكمال قاعدته الأولى في العام 1948، خمسين عاماً كاملاً، بعد قيام المؤتمر الأول للحركة الصهيونية في سويسرا، في العام 1897.

إن جردة دقيقة لمفاعيل نكبة العرب في فلسطين، وقد شارفت على السبعين من عمرها، تؤكد بالتفاصيل العامة، كما بالمشهد العام، أن كل أهداف اغتصاب فلسطين أوشكت على التحقق الكامل، وأن نكبة فلسطين تبدو في هذه الأيام، في ذروتها.

فلقد استكملت الإدارة الأمريكية في عدوان «إسرائيل» على مصر وسوريا وبقية فلسطين، في العام 1967، ما بدأته وأسسته في العام 1948.

ومع أن سلطة فلسطينية تقيم منذ تسعينات القرن العشرين في رام الله، بعد اتفاقيات أوسلو، فإن الواقع العملي يؤكد بما لا يقبل أي شك أو تأويل، أن المشروع الصهيوني، يبدو الآن، ومنذ سنوات، باسطاً نفوذه السياسي بالكامل على جميع أرض فلسطين التاريخية (إضافة إلى الجولان السوري)، وأن «إسرائيل» لا تكتفي بمجرد الاحتلال العسكري والسياسي، بل تعمل بدأب غير منقطع، على تهويد كل ما يقع تحت أيديها من أراضٍ عربية محتلة.

وقبل ذلك نجحت «إسرائيل»، في حرب العام 1967، في ضرب مشروع النهوض القومي العربي الوحدوي، الذي كان يقوده الزعيم العربي التاريخي جمال عبدالناصر.

ولأن حرب العبور (الرد على هزيمة 1967)، قد تمت تحت القيادة السياسية لأنور السادات (وليس جمال عبدالناصر)، فإن النتائج السياسية بعيدة المدى لهذه الحرب لم تأتِ رداً على كل المفاعيل السياسية لهزيمة 1967، بل أتت استسلاماً كاملاً لكل الشروط الأمريكية — «الإسرائيلية» في هذه الحرب، في اتفاقيات كامب ديفيد، ثم وادي عربة، بعد ذلك.

اليوم، ونحن على مشارف العام السبعين لنكبة عام 1948، فإن «إسرائيل» تجد نفسها في وضع عربي هو في غاية الإيجابية بالنسبة لطموحاتها، وفي جردة حساب نجاح «إسرائيل» في أداء الدور الذي أقيمت لأجله.

ولعل المرحلة الحالية من عمر النكبة قد وصلت إلى حدود تصفية قضية فلسطين تصفية كاملة، عن طريق تبني مجلس النواب «الإسرائيلي» قانون يهودية دولة «إسرائيل»، ما يعني التبني الكامل لما قامت به في العام 1948، أي إلغاء حق العودة، بما يعني إلغاء شعب فلسطين نهائياً، بعد إلغاء عروبة أرض فلسطين التاريخية.

أما المجتمع الدولي، فيكفي للدلالة على تواطئه الكامل مع طموحات المشروع الصهيوني وأغراضه، يكفي لقياس موقفه التأمل في الموقف الأخير للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) الذي رفض اعتبار الفرق الرياضية «الإسرائيلية» في مستوطنات الضفة الغربية، أنها مخالفة للقانون الدولي، عكس ما سبق وطبقته على روسيا بالنسبة للفرق الرياضية لجزيرة القرم.

نكبة فلسطين تبدو في ذروتها، بعد سبعين عاماً، ولا يبدو في الأفق من احتمالات تحول هذا الموقف إلى عكسه، سوى استمرار وجود وحيوية وتمسك شعب فلسطين، بكل فئاته المشتتة بين أراضي 48، وأراضي 67، وأراضي الشتات العربي والعالمي. إن شعب فلسطين وفي طليعته آلاف الأسرى المضربين عن الطعام، هو الضمانة الوحيدة الباقية لعدم وصول نكبة 1948، إلى استكمال أغراضها التاريخية.

* إلياس سحاب كاتب وناقد لبناني/ فلسطيني مخضرم.