«إيكونوميست»: وفاة «رفسنجاني» تميل ميزان القوى في إيران

دائمًا ما تأتي الدموع بسهولة لأعين «رجل الدين» سريع البكاء. لكنّ الدموع التي خرجت في تجمّع في 13 ديسمبر/ كانون الأول كانت محمّلة أكثر بالمشاعر وتمسّ القلب. كان يقرأ في السيرة الذاتية لـ«أمير كبير»، رئيس وزراء الشاه في منتصف القرن الـ 19، عندما بدأ النحيب. «حاول كبير فتح الإمبراطورية الفارسية على الغرب»، وبكى، «لكنّ محاولاته قد توقّفت على يد قاتلٍ متشدّد». قال واحد من الحضور:«أعتقد أنّه كان يفكر في محاولاته الفاشلة للإصلاح».

مع اقتراب وفاته، كان لـ«أكبر هاشمي رفسنجاني»، الذي توفي في 8 يناير/ كانون الثاني في عمر 82 عام، ربما أيضًا عين على الأجيال القادمة. وفد أشاد به المادحون في الفترة التي قضاها من حياته في رئاسة إيران محاولًا فتح إيران وثورتها الإسلامية على الغرب. وكان مسؤولو (إسرائيل) أول من وصفه بالمعتدل. وفي وسط حرب إيران والعراق، باعوه السلاح. وفي المقابل، حوّل المبالغ بموافقة الإدارة الأمريكية إلى متمردي الكونترا المناهضين للشيوعية في نيكاراغوا. وأوضح: «إذا كان الناس يعتقدون أنّه يمكننا العيش خلف أبواب مغلقة، فهم مخطئون. نحن في حاجة إلى أصدقاء وحلفاء حول العالم». وقد أقنع «آية الله الخميني» بإنهاء الحرب مع العراق، ولم يكد يصل إلى الرئاسة حتّى دقَّ باب «عبد الله» ولي عهد السعودية عدوة إيران، وأعاد العلاقات سريعًا. وتلقّت شركات النفط الأمريكية الدعوات للعودة إلى إيران، لكن كان فيتو الرئيس «بيل كلينتون» كان بالمرصاد.

ومع ذلك، كان الرئيس «رفسنجاني» أيضًا مناصرًا للنظام، وليس متحديا له، وهي أفضل طريقة وجدها لمواجهة الضغوط الخارجية. وفور أن أصبح «آية الله الخميني» مرشدًا أعلى لإيران، شرع «رفسنجاني» في القضاء على الحلفاء الذين ساعدوه في الإطاحة بالشاه من الماركسيين والقوميين الدينيين والإسلاميين المنافسين. وخارج الديار، دبّر الاغتيالات ومنها تفجير مركز الجالية اليهودية في بيونس آيرس، كما قال ممثلو الادّعاء في ألمانيا والأرجنتين. وتعويضًا عن نقص القوّة الجوية والبحرية، بدأ البرنامج النووي للبلاد. لكنّه أصرّ دائمًا أنّه للأغراض السلمية. لكنّ اللغة الفارسية معروفة بمرونتها وكان هو سيد الغموض. وكان يطلق عليه لقب القرش، ليس فقط لأنّه كان قادرًا على اكتساب دعم أصحاب اللحى في إيران، ولكن لأنّه أيضًا كان يلتهم من يقف في طريقه.

ولم يكن «رفسنجاني» من بيئة ثورية. فبينما كان أقرانه في الثورة من المضطهدين، كان هو ابنًا لأحد المزارعين الأرستقراطيين. ودرس «رفسنجاني» على يد «الخميني» لفترة في مدينة قم الإيرانية المقدّسة، لكنّه كان معروفًا بكثرة تغيّبه. وعندما خاطب «آية الله الخميني» أتباعه بعد نجاح الثورة، خاطبهم من موضع متواضع في مسجده. بينما عندما عقد «رفسنجاني» المحكمة، جلس على منصة في قاعة العرش في أحد قصور الشاه الزمردية وسط المدينة.

ووجدت مصلحة إيران طريقًا لتصبح مصلحته الخاصة. ولقد دافع عن فتح التعليم الجامعي للجميع. لكنّ البعض لاحظوا أنّ العديد من فروع جامعة أزاد الإسلامية التي ترأسها قد تستخدم أيضًا لبناء العقارات. وتقدّر أصولها، والتي تم الاستحواذ على العديد منها من الحكومة كأشغال عامة، بأكثر من عشرات الملايين من الدولارات. وقد دافع أيضًا عن الخصخصة، لكن مثل أغلب قادة الشرق الأوسط، استخدم ذلك في تعزيز رفاقه وأقربائه. وبعث ابنه في بعثة إلى السعودية. وتحوّل الناخبين عنه عام 2005 عندما استطاع الرئيس السابق «أحمدي نجاد» اكتساب أصوات الشباب.

مع ذلك، لم يسيطر إيراني آخر باستمرار على الثورة. وفي العقد الأول من عمر الجمهورية الإسلامية كان رئيسًا للبرلمان. وفي العقد الثاني كان رئيس البلاد. وفي الأشهر الأخيرة لـ«آية الله الخميني»، خطّط لإزاحة المرشّح الأقرب ليكون المرشد الأعلى التالي، واستبدله بما اعتقد أنّه سيكون أكثر مرونة، «علي خامنئي». وفي حفل تنصيب الرئيس الإصلاحي «حسن روحاني» عام 2013، ظهر السيد «رفسنجاني» مبتهجًا أكثر من الرئيس نفسه. فالسيد «روحاني» بعد كل شيء، كان مستشاره القديم للأمن القومي.

وساعدته الهزيمة أمام الرئيس السابق «أحمدي نجاد» في تحسين صورته في أعين الناخبين. وبعد شهر من اندلاع احتجاجات عام 2009، تحدّث عبر المنبر للمصلّين للتنديد بالرئيس «أحمدي نجاد» واتهمه بتزوير الانتخابات من أجل فترة ولاية ثانية. وصرخ في المصلّين «ارحل»، مردّدًا ما قاله الخميني للشاه. وقد تمّ القبض على ابنته «فايزة» بسبب الانضمام للاحتجاجات، وكذلك ابنه «مهدي» عام 2015. وفي انتخابات عام 2016، كافأته الطبقات المتوسّطة في طهران بالتصويت له على رأس قائمتهم. وردّ السيد «رفسنجاني» أنّ مهمته السياسية قد أنجزت. ومع تراجع نجوميته، بدأ في منافسة «آية الله علي خامنئي» بشكلٍ متزايد، والتشكيك ليس فقط في السياسة الخارجية الإيرانية، ولكن في مفهوم حكم رجل الدين الأوحد.

هلّل بعض المتشدّدين بالفعل لرحيل أقوى منافس لهم. فقد استطاع بحكم شغله منصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام منذ عام 1989 وحتّى وفاته، أن يوازن الكفّة بين المعتدلين في البرلمان والمحافظين في مجلس صيانة الدستور الذي يريد أن تتوافق كل القوانين مع الإسلام. ومع رحيل الأب الروحي له واقتراب بداية فترة الرئيس «ترامب»، يرى البعض أنّه لم يعد انتخاب «روحاني» لفترة رئاسية ثانية على المحك فقط، ولكن أيضًا تقاربه مع الغرب أصبح في موقفٍ ضعيف. لكنّ آخرين يقولون أنّه، مع ذلك، بعد تحرّره من ظل «رفسنجاني»، قد يصبح «روحاني» أقوى إذا فاز بفترته الرئاسية الثانية في مايو/ أيار. وفي كلتا الحاليتين، لقدْ فقدَ النظام براغماتيًا قويًا. وبدون مكر ودهاء السيد «رفسنجاني»، من المرجّح أن تصبح إيران أكثر استقطابًا.

المصدر | إيكونوميست