إيمان القويفلي تكتب: تجنيس الرياضي ونفي السياسي

تحاول الدعاية الرومانسية للرياضات الأولمبية تسويقها، بوصفها مجالاً متجاوزاً للسياسة ومقتضياتها، حفياً بإنسانية شاملة، ومُنجزٍ جماعيّ، وأخلاقياتٍ كونية. كلّ افتتاحٍ أولمبيّ ينطلق من هذه الفكرة، لكن المنافسات الفعلية عندما تبدأ، تؤكد فوراً أن الرياضة تقف على كتفيّ السياسة، تمارس نسخةً غير مُسلّحة منها، تحمل صراعاتها وتراتبيتها، واعترافاتها وإنكاراتها. البعثة الأولمبية تعبيرٌ سياسيّ، قبل أن يكون رياضياً.

ولأنها كذلك، تحرص البعثات على التنوع العرقي، وعلى كوتا النساء، وتوجد بعثةٌ للاجئين، وتُهيمن على الرياضة الدول التي تُهيمن على السياسية والاقتصاد، وتحتدم المنافسة رياضياً بين الدول المتصارعة سياسياً، ويُعبّر عن الفوز برفع أعلامها وأناشيدها الوطنية.

البعثة الأولمبية تعبيرٌ سياسيّ، وعلى هذا الأساس أيضاً، يجب فهم البعثات الأولمبية الخليجية، وما يعكسه مكونها البشريّ من حقائق رياضية وتنموية وسياسية. تعكس النتائج الرياضية المتواضعة للبعثة السعودية حالة المجال الرياضي السعودي، والفشل القديم في إحداث بيئةٍ صحّية للألعاب الرياضية المتنوعة، ومراكمة الخبرات البشرية، على الرغم من الكثافة والتنوّع السكاني للدولة، وتقديم الحضور النسائي، أول مرة، ضمن البعثة مُنجزاً رياضياً بحدّ ذاته، يُذكّر بعمق التمييز الاجتماعي الجندري وتاريخيته ومأسسته في السعودية، وراهنيّة هذه القضية سياسياً.

وتعكس مشاركة رياضيي الكويت، بصفتهم الشخصية تحت العلم الأولمبي، متشابهين في هذا مع الرياضيين اللاجئين الذين فقدوا أوطانهم، وأفقدتهم السياسية الحقّ في تمثيلها، تعكس هذه المشاركة واقع التردّي الشامل للبيئة السياسية الكويتية التي أصبحت تفتك بمكتسبات المواطنين، وبرصيد الدولة في كل مجال، وتضحي به من أجل التغلب على الخصوم السياسيين المحليين في صراعاتٍ شخصية تافهة. لكن إحدى أكبر المرايا التي يضعها الأولمبياد أمام الإقليم الخليجي وأعمقها انعكاساً هي التي تعرض مفاهيم الجنسية والتجنيس المواطنة في الدول الخليجية.

تواظب بعض الاتحادات الرياضية الخليجية، منذ خمسة عشر عاماً أو أكثر، على شراء تشكيلة من اللاعبين قُبيل الألعاب الدولية، بهدف قنص الميداليات والبطولات، وتسجيلها نظرياً في رصيد الدولة. يعرض الاتحاد على اللاعب راتباً مرتفعاً، مقابل تجنسيه مؤقتاً، ليُشارك باسم الدولة الخليجية في ألعاب القوى أو الجودو أو كرة اليد. وغالباً ما يستعيد اللاعب جنسيته الأصلية بعد أداء المهمة.

منذ أكثر من 15 عاماً، يواظب الإعلام والمواطنون على انتقاد هذه العملية، ويواظب المسؤولون الخليجيون على الدفاع عنها. ويحاول الدفاع الأكثر سطحيةً أن يماثل الحالة الخليجية بالحالة الأميركية، حيث يمثل المهاجرون نسبة كبيرة من رياضييها، أما الدفاع الأعمق نبرةً، فيشكو من ضعف الكثافة السكانية، وضعف الإقبال على احتراف الرياضة، ورغبة دول الخليج في جذب المواطنين إلى اللعبة ووضع الدولة على خريطة العالم رياضياً. وكلاهما، الدفاع السطحي والعميق، غير مقنعٍ.

غير مقنعةٍ مماثلة حالة تجنيس العدّاءات في الخليج الذي تنخفض فيه نسب ممارسة الرياضة بين النساء إلى أدنى حدّ، مع حظر اجتماعي على احتراف المرأة الرياضة، وتخلّف عامٍ في بيئة ألعاب القوى عموماً، إلى درجة عجز البيئة الرياضية في هذه الدولة عن تدريب عدّاء واحد وبنائه. غير مقنعةٍ مماثلة هذه الحالة مع حالة الولايات المتحدة الأميركية التي تحتضن واحدةً من أقوى البيئات الرياضية في العالم، وتختزن خبرات هائلة في تدريب الرياضيين وصناعتهم، ويهاجر إليها الرياضيون، لتتغذى مواهبهم على هذه البيئة، هل من المقبول المقارنة بين الحالتين؟

إذا كان هدف المشاركات الدولية في الأولمبياد والبطولات التعبير عن قدرة الدولة على احتضان بيئة رياضية متفوقة ورعايتها، فإن البعثة الأميركية تعبّر عن أميركا، وعن بيئتها الرياضية بصدق، مهما امتلأت بالمهاجرين. أما البعثات الرياضية الخليجية الممتلئة بالمجنّسين مؤقتاً فلا تعكس إلا قدرة اتّحاداتها الرياضية على استئجار الرياضيين المرتزقة، لتغطية الفشل الذريع في إحداث بيئةٍ رياضيةٍ طبيعيةٍ ودائمة بين المواطنين.

كما لا تسمح الشواهد بقبول الدفاع الآخر الذي يتحدّث عن تبيئة رياضةٍ معينةٍ، وجذب اهتمام المواطنين إليها، والاستفادة من خبرة اللاعبين المجنسين، لأن عملية التجنيس المؤقت تحدث بانتظام منذ 15 عاماً على الأقل، وكان حرياً بها اليوم أن تكون قد أنتجت الجيل الأول من الرياضيين المواطنين. ولأن تبيئة رياضةٍ ما هي عملية أوسع بكثير من تجنيس الرياضيين، فهي تعني تغيير المجال الرياضي الخليجي جذرياً، من كونه سوقاً للمناصب اللازمة لاستكمال البريستيج الاجتماعي عند النخبة الأوليغارشية في الخليج، ليصبح مجالاً مدنياً مُستقلاً عن منظومة الحكم، يُدار بالكفاءة، ويراكم الخبرة، ويُرحّب بإبداعات المواطنين، ويعترف بقدرتهم على التفوق، ويكافئها.

التجنيس الرياضي هو الوجه الأخفّ والأطرف، لقضيةٍ سياسيةٍ ثقيلةٍ وكئيبةٍ، هي معنى الجنسية ومغزى المواطنة في الخليج. يمكن إطلاق عشرات الطُّرف بشأن الرياضيين “الخليجيين مؤقتاً” الذين يعجزون عن تحديد موقع هذه الدولة الخليجية أو تلك على الخريطة، لكننا نعلم أن مفهوماً واحداً يوجد وراء منح الجنسية لعدّاءة أفريقية لأغراض رياضية، وسحب جنسية مواطن خليجي لأسبابٍ سياسية، كما صار يحدث بصورةٍ متفاقمة في الأعوام الماضية في الخليج.

ليست الجنسية في الحالتين أكثر من “تابعية” تمتلكها الحكومة أكثر مما يكتسبها المواطن حقّاً ثابتاً، أو هي مجرد حالة أبوية من التّبني والإلحاق، أو النكران والنفي، و في الحالتين على حدٍ سواء، التجنيس وسحب الجنسية، لا يحدث الأمر ضمن إطارٍ قانونيّ — غير شخصي، بل على أساس الاستجابة للرغبات الشخصية جداً للأبوية الحاكمة، ولمخيالها الاجتماعي، ويُحلّق بها بعيداً عن الاستجابة الاجتماعية الفعلية لسياسات هذه السلطة الأبوية وممارساتها.

على هذا الأساس، تكون استجابة السلطة الأبوية لتوسّع دائرة المعارضين لسياساتها، مشتملةً على تجريد المعارض من جنسيته، في إجبارٍ للواقع على الامتثال للمخيال السياسي الحاكم الذي يتخيل مجتمعاً بلا معارضين، خالصاً من المؤيّدين والموالين التابعين سياسياً.

أما عندما تسيطر على مخيال السلطة الأبوية رغبة المنافسة، والعلوّ والتفوّق على باقي الأمم، منفصمة عن رغبة العمل، وعن القدرة الفعلية لهذه السلطة على البناء الاجتماعي، وتلبية شروط التنمية الإنسانية؛ في هذه الحالة تستجيب منظومة التجنيس باستئجار المواطنين الذين يلبون تلك الرغبات، سواء كانت فوزاً في الميادين الرياضية، أم أداء أغنية وطنية.

يمكن اعتبار حالات التجنيس الرياضي تعبيراً مجازياً ملتوياً، ومثيراً للأسى، عن حالة العجز في تنمية الطاقات البشرية الوطنية. أما حالات التجريد من الجنسية فهي التعبير الصارخ عن قمع الاحتجاجات على ذلك العجز، وعلى السياسات التي تُنتجه.

إلى أي كيلومتر، سيصمد الوطن الذي يركض في الماراثون بأحذيةٍ مُستعارة؟

* إيمان القـويفلي كاتبة سعودية وباحثة في الاجتماع.

المصدر | العربي الجديد