إيمان القويفلي تكتب: مغاوير التطبيع في الخليج

حتى “اللواء المتقاعد الذي يمثّل نفسه” لم يستطع، وربما لم يجرؤ، على تقديم القصة الحقيقية الصريحة لزيارة وفد سعودي للقدس، على الرغم من أن سيادة اللواء من أهمّ “مغاوير التطبيع”، أو الطليعة المتخصّصة في مغازلة الإسرائيليين، مهما يكن الثمن. فالرحلة التي حاول “اللواء المتقاعد الذي يمثّل نفسه” تقديمها بصفتها رحلة للصلاة في المسجد الأقصى، وحضور حفل عرس نجل الأسير الفلسطيني، مروان البرغوثي، انتهت إلى اعتراف أحد أعضاء الوفد بأنها تضمّنت لقاء الجنرال الإسرائيلي المسؤول عن العمليات في غزة.

والادّعاء المبكّر أن الرحلة كانت لتنسيق الجهود من أجل السلام مع “المعارضة الإسرائيلية” انتهت إلى الإقرار أن أهم اجتماعات الرحلة كانت مع مسؤولي وزارة الخارجية في حكومة نتنياهو. أما الزعم القديم، أن اللواء المتقاعد لا يمثّل إلا نفسه، فقد تداعى أمام تأكيدات اللواء وزملائه أنهم ذهبوا من أجل إعادة طرح مبادرة السلام العربية، وهو عملٌ لا يمكن أن يتم إلا تحت مظلة رسمية. إذا كان مغاوير التطبيع أنفسهم الذين يعلمون لمَ، وكيف تتم مثل هذه الطلعات، يعجزون عن تقديم قصةٍ متماسكةٍ، أو وضعها في سياقٍ سياسيّ مُقنع، فإنّ عجز الـمُعلّقين عن بُعد، المتحمسين للتطبيع، أكبر.

كتب بعضهم متحمساً للزيارة، لأنها ستُعيد طرح مبادرة السلام على الإسرائيليين، وتُحسّن شروط الحياة بالنسبة للفلسطينيين، وما من شيء في السياق العربي — الإسرائيلي يدلّ على صِدقية هذا التبرير، فالدول العربية تطرح مبادرة السلام منذ عام 2002، وإسرائيل تواظب على رفضها، منذ ذلك الوقت، من خلال تصريحات نتنياهو التي تقول، إن إسرائيل لن تقبل المبادرة بلا تعديل.

والمبادرة العربية تنصّ على العودة إلى حدود 1967، والتوسّع الإسرائيلي في الاستيطان مُستمرّ، أمس واليوم وفي أثناء زيارة الوفد السعودي. ولا يُصدّق أن الدول العربية، الخليجية خصوصاً، ستُفاوض الأعداء الإسرائيليين من أجل تحسين شروط حياة الفلسطينيين، إذا كانت لم تهتمّ بالضغط على “الحكومة الانقلابية الشقيقة” في مصر، وهي التي تعتاش على التمويل الخليجي، من أجل تخفيف الحصار عن قطاع غزة.

العمل من أجل مساعدة الفلسطينيين مسارٌ عربيّ كامل، لا طلعة جوية يقوم بها “مغاوير التطبيع” بلا مقدّمات، وحين يُفقد السياق السياسي العربي الداعم لحقوق الفلسطينيين، فلا يمكن، على الإطلاق، القيام فجأة بزيارةٍ كهذه، ثمّ تبريرها أنها “من أجل الفلسطينيين”.

أما التبرير الآخر للمغازلات الخليجية — الإسرائيلية، بوصفها عملاً سياسياً لمواجهة إيران ما بعد الاتفاق النووي، فلا يمكن قبوله من ناحيتين. الأولى، هل يمكن لدول الخليج أن تراكم رصيداً سياسياً، من خلال تناول القضية الفلسطينية بطريقةٍ هي على النقيض تماماً من المقاربة الإيرانية لها؟

أو بصيغة أخرى: هل ستستعيد دول الخليج، عبر التطبيع مع إسرائيل، ما خسرته بسبب تخليها عن الفلسطينيين، وتركهم للدعم الإيراني، منذ “أوسلو”؟

فهم الإيرانيون ومُلحقاتهم العربية أن القضية الفلسطينية، في عُمقها وتاريخها وعدالتها، تمثل أحد أهمّ مصادر الشرعية السياسية عربياً وعالمياً، وأجادوا استخدام المواجهة ضد إسرائيل شعاراً دعائيّاً لكثير من تحركاتهم، بما فيها الـمُدمّرة للمجال العربي، كما في سورية ولبنان. لا يمكن أن تتأتى المواجهة المنطقية لهذه البروباغاندا عبر التطبيع الرخيص مع الإسرائيليين، ونفض اليد من الفلسطينيين، بل عبر استعادة القضية الفلسطينية إلى مجالها العربي، ومُساندتها من أجل تسويةٍ عادلة.

الناحية الثانية، إذا كانت أحد أهم الانتقادات الأخلاقية التي يرفعها الخليجيون، مُحقّين، في وجه إيران، اعتداءاتها على سيادة الدول العربية، وتسببها، بشكلٍ مباشر وغير مباشر، في مذابح واسعة بين مواطنيها.

فما الذي تفعله إيران، ولم تقم إسرائيل بفعل ما يوازيه في الأعوام الماضية، وفي مقدمتها المذابح المتكرّرة في غزة والحصار المتواصل؟

هل يستقيم أن تُبنى مواجهة العدوان الإيراني على التطبيع مع العدوان الإسرائيلي؟

أخيراً هناك التوّاقون إلى بلوغ مشهد التطبيع الخليجي — الإسرائيلي، منطلقين من بواعث في غاية التقزّم، تتعلق بتوقهم الشخصيّ الشديد إلى القضاء على التيارات الإسلامية والقومية التي يتأسس جزء كبير من خطابها حول القضية الفلسطينية. وحسب افتراضهم، فإن تسوية القضية الفلسطينية سيُفرغ خطابات هذه التيارات من معناها، وسيُفقدها جمهورها.

تخللت هذه الفكرة مقالاتٍ كثيرةً لكُتّاب التيار العلماني في الخليج، وطرحها، أخيراً، بعضهم بصراحةٍ فجّة. ثمة مأساة وملهاة في هذا.

تتمثل المأساة في أن يكون هذا نمط أفكار النخبة العلمانية في الخليج، بما تنطوي عليه من خلط للقضايا المحلية والإقليمية، بلا وعي لمستوياتها المختلفة، وسيطرة شهوة إقصاء الإسلاميين بأيّ ثمن، حتى لو كان التطبيع الأهوج.

أما الملهاة فهي أن هؤلاء هم من يتكلم ويكتب بتكرارٍ إلى حدّ الابتذال، في هجاء التحزّب ومنظور الحزبيين الضيق، وتعطيل الأيديولوجيا للعقل، بينما يعجزون، هم أنفسهم، وبسبب منظورهم الأيديولوجي الضيق، عن رؤية الشرخ السياسي المتجاوز للتيارات وللإسلاميين والقوميين، الذي يمكن أن يتسبّب فيه التطبيع الأهوج مع إسرائيل، في مجتمعٍ كالمجتمع السعودي.

التطبيع بلا اتفاقيات عادلة ومُقنعة للوعي العربي فشلت، وستفشل في اختراق المجتمعات وإقناعها، فشلت في مصر وفي الأردن، وساهمت في إنتاج حكوماتٍ ضعيفةٍ تقتات على المتاجرة بالتطبيع مع أميركا وأوروبا.

لا يمثل اللجوء إلى مغازلة إسرائيل، في هذه المرحلة، على الإطلاق، حركةً من حركات الدهاء السياسيّ أو الحنكة الاستراتيجية، بل هو تتويج حالةٍ شاملة وعريقة من الفشل في إدارة ملفات السياستين، الخارجية والداخلية. الفشل في مساندة الفلسطينيين من أجل حلٍ عادل، وترك القضية الفلسطينية متاحةً لاستغلال النظام الإيراني.

الفشل في فكّ حزام التوتر الطائفي داخل دول الخليج، والتوصل إلى نموذج حقيقي وشامل للمواطنة، واحتواء الأقليات المذهبية ضمن هذا النموذج وداخل الدولة. الفشل في مواجهة تمدّد النفوذ الإيراني، سياسياً وثقافياً، منذ وقتٍ مبكّر، والفشل الأحدث في إهمال التمدّد الحوثي في اليمن، ثم إدخال البلاد فجأة في حربٍ مُكلفة ومتعذّرة الحسم.

هل التطبيع الأهوج مع إسرائيل هو الحلّ؟ هل سيحلّ التطبيع الأزمة الطائفية، ويستبدل انحياز المجتمعات الخليجية للفلسطينيين، وحِسّهم العامّ بانعدام العدالة في القضية الفلسطينية، وارتباطهم الوجداني بالقدس، هل سيتمكّن التطبيع من محو هذه الـمُدركات فجأةً، وبلا ضجيج أو أزمات؟ هل يمحو حِسّ الناس بالعدالة وقدرتهم على إدراكها؟

هل سيحلّ التطبيع أزمة المواطنة في الخليج، أم سيُعمّقها؟ التطبيع مع إسرائيل، والنخب التي تؤيده، وكتيبة مغاوير التطبيع الانتحارية التي لا تعبأ بأيّ شيء، في سبيل مغازلة الإسرائيليين، هؤلاء جميعاً، وهذه الحقبة كلها، لا تمثل حلاً للفشل التاريخي المتراكم، بل قمّة تتويج الفشل، وافتتاحاً لفصلٍ جديدٍ منه، حيث نجد أنفسنا قد أضفنا إلى أزمات الطائفية والمواطنة وإيران وفلسطين، صداقةً غير مقنعة مع إسرائيل، وهزّات سياسيةً داخلية، وتعميقاً للفجوات بين الحكومات والمواطنين.

يقترح بعضهم تسمية هذا التطبيع بـ”التطبيع المجّاني”. أيمكن أن يكون مجانياً حقاً؟ مُستحيل. لا بُدّ أن يكون له ثمن، فورقة التطبيع مع الخليج ثمينةٌ للغاية، ومن يلعبون بها لا بدّ أنهم عازمون على تحصيل ثمنها، وما عساه يكون؟ هل يكون محدوداً وضئيلاً وشخصياً، إلى درجة تجعله أسوأ من “التطبيع المجّاني”.

* إيمان القويفلي كاتبة سعودية وباحثة في الاجتماع.

المصدر | العربي الجديد