إيمان القويفلي تكتب: مـفـهوم «ظـريف» للتدخـل الخـارجي

يُحدّد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في مقالته “مستعدون لإهداء السلام إلى المنطقة” في “العربي الجديد” (20/5/2017)، الدول الإقليمية التي تعاني من التدخلات الخارجية بأنها العراق وأفغانستان وليبيا، ودول أخرى لم يُسمّها تعاني من تدخلات “بعض دول المنطقة”، بهدف قمع تطلعها إلى الديموقراطية، وبثّ الفرقة ونشر حالة عدم الاستقرار وإراقة الدماء.

ومن الواضح أن مفهوم “التدخلات الخارجية” في المقالة يتحدّد ضمنياً بالتدخلات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهذا ينطبق على حالة العراق وأفغانستان وليبيا، والتدخلات العربية في الدول التي مرت بتجربة الثورة والثورة المضادة، مع مراعاة أن ظريف لا يقصد كلّ الدول الداخلة عملياً في هذا التصنيف، بل يقصد دولاً محددة، أما ما يحدث في سورية واليمن والبحرين، فيعوّمه ظريف عبر وصفهِ بـ”الأزمات المزمنة”.

والأزمة، كما هو دارج، حالة معقدة يصعب عزل عاملٍ واحدٍ فيها عن باقي العوامل، وهو توصيفٌ يقف على الضد تماماً من وضوح وتحديد توصيفه المشكلة في المجموعة الأولى من الدول.

في الأوقات العادية، كانت الدولة العربية تلجأ إلى رفع شعار “لا للتدخلات الخارجية” من أجل التحصين السياسيّ للديكتاتور، ريثما يُنجز مهمة الفتك بالمعارضة الداخلية أو تغيير وجه البلاد، أو انتهاك حقوق المواطنين. في الأوقات غير العادية، كما هو الحال منذ عام 2011، عندما تتحوّل الدولة العربية الهشة التي لا تحمل مشروعاً سوى مشروع التوريث إلى جبهة مفتوحة لكل القوى الإقليمية والدولية، يتحول رفض التدخلات الخارجية إلى أسلوبٍ لحصر الحقّ في التدخل الخارجي في جهةٍ بعينها ولصالح جهةٍ بعينها.

عندما بلغت الثورة السورية أوجها، وكانت على وشك إطاحة الأسد عام 2011، كان خطاب ظريف ومُعسكره مبنياً على رفض التدخل الخارجي الذي لم تكن تعني بهِ سوى تدخل المجتمع الدولي لصالح الثورة، أو من أجل توفير حماية للمدن والمدنيين من طيران الأسد، لم يكن رفض التدخل الخارجي ينطبق على التدخل الإيراني في سورية، ولاحقاً اتّضح أنه لا ينطبق على التدخل الروسي، ولاحقاً توسع التسامح مع التدخل الخارجي ليشمل حتى الشيطان الأكبر، الولايات المتحدة، عندما قادت التحالف الدولي ضد “داعش”، والذي نفذ، ولا يزال ينفذ، ضرباته الجوية في سورية والعراق.

ويمارس “التدخل الخارجي” كروتينٍ يوميّ مقبول بالنسبة لمعسكر ظريف، فقبول التدخل الخارجي، أو رفضه، بالنسبة له، رهنٌ باتجاهه، فالتدخل لصالح بقاء الأسد عملٌ “من أجل السلام ووقف الإرهاب”، كما يزعم ظريف في مقاله، أما التدخل لصالح حماية الشعب فجريمة وانتهاك للسيادة.

والمُثير، في هذا المنطق، أنه، وعلى الجبهات المفتوحة، حيث يتدخّل الجميع، لا تعود المشكلة في وجود التدخل الخارجي، بل إلى الافتقار إلى التدخل الخارجي في الاتجاه الصحيح، ومن أجل الغاية الصحيحة، ولحماية الأطراف الأضعف، ولوقف المجازر والتهجير والجرائم الإنسانية، وهو ما كشفت الثورة في سورية عن فشلٍ دوليّ ذريع عملياً وأخلاقياً، في القيام به.

أما بالنسبة للـمُتدخّلين، فمن الطبيعي والضروري أن يزعم كلّ منهم أن تدخلهُ كان جالباً للسلام ومحارباً للإرهاب، تماماً كما يزعم ظريف في مقالته بشأن التدخل الإيراني في الدول العربية. والطريف أنهُ لا يجد من يشهد له بهذا سوى مسؤولي الولايات المتحدة، الـمُتدخل الخارجيّ الأكبر في المنطقة.

يزعم ظريف، في مقالته، رفض الهيمنة، والإرهاب، والتدخلات الخارجية، لكنهُ يساوم في المقالة على صناعة السلام في المنطقة، وهي مساومةٌ لا قيمة لها ولا معنى، ما لم تكن إيران فاعلة على كل هذه المستويات، ومُتدخلةً في الشؤون الداخلية للدول، وتحاول أن تُهيمن على المنطقة، وداعمة لإرهاب المليشيات والأنظمة بالفعل، ويقول إن “مشروع القنبلة النووية وهم”، لكنه لا يفسر لماذا تحملت إيران سنواتٍ طويلة من العقوبات الدولية، من أجل تمسّكها المستميت بذلك “الوهم”. ويقول إن “التخويف من إيران مشروعٌ صهيوني”، على الرغم من أنهُ في حقيقتهِ مشروعٌ إيراني.

ما كان المقال ليكون غريباً لو كان منشوراً في صحيفة أميركية ليُخاطب المجال السياسيّ الغربي، غير الـمُستغرق أو غير المعنيّ بشؤون المنطقة العربية.

لكن، بما أنهُ منشورٌ في صحيفة عربية، وليُخاطب المجال العربي، فقد بدا مُنبتّاً عن السياق، ومُتمسكاً بنسختهِ الخاصة من الواقع، وغير مُستعد حتى للخوض والجدال في مناطق الخلاف العربي — الإيراني، وهو ما يضرب، بصورة جذرية، عرض السلام والحوار الدبلوماسي الذي يُفترض أن المقال مكتوبٌ لطرحه.

* إيمان القويفلي كاتبة سعودية باحثة في الاجتماع

المصدر | العربي الجديد