اعتقال «محمد عبد الرحمن» ورفاقه.. رسالة لوأد المصالحة والحلول السياسية في مصر

فرضت أنباء القبض على 6 من أبرز قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر، نفسها على مواقع التواصل ووكالات الأنباء، لكن حتى كتابة هذه السطور لم يصدر أي بيان رسمي عن وزارة «الداخلية» المصرية بهذا الشأن، وسط مخاوف من تكرار مسلسل التصفية لقيادات الجماعة، واغتيال المقبوض عليهم بدم بارد.

وكانت قوات الأمن المصرية، اعتقلت، أمس الخميس، 6 من قيادات الإخوان المسلمين، هم «محمد عبد الرحمن المرسي (عضو مكتب الإرشاد/أعلى هيئة تنفيذية بالجماعة)، ومحمد عامر، وجلال محمود مصطفي، وعزت عبد الفتاح، وعمرو الصروي، وأحمد جاب الله، وآخرين»، وفق «عبد المنعم عبد المقصود»، رئيس هيئة الدفاع عن قيادات الإخوان.

وتشير المعلومات الأولية إلى أن الاعتقالات تمت بمنطقة القاهرة الجديدة، شرق العاصمة المصرية، دون أن يكون «محمود عزت» القائم بأعمال مرشد الجماعة، من بين من تم اعتقالهم، بحسب وكالة أنباء «الأناضول».

المثير والمقلق ما نشرته صحيفة «الشروق» المصرية الخاصة، أمس الخميس، تحت عنوان «مصادر إخوانية ترجح القبض على «عزت» و«عبد الرحمن».. والأمن ينفي»، وتضمن تصريحات من مصادر أمنية مجهولة الهوية تنفي أنباء القبض على «عزت»، و«عبدالرحمن»، مؤكدة أنه فى حالة نجاح الأجهزة الأمنية في ذلك سيتم إعلان الأمر رسميا.

النفي السابق أثار قلق عدد من مؤيدي الجماعة وأعضاءها على مواقع التواصل الاجتماعي، معربين عن تخوفهم من أن يخفي نفي «الداخلية» نية بتصفية المقبوض عليهم، ثم صدور بيان من الوزارة يفيد بمقتل المذكورين عقب تبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن.

ضربات أمنية

اعتقال «محمد عبد الرحمن» عضو مكتب إرشاد الجماعة منذ عام 2008، عن قطاع شرق الدلتا (دمياط والدقهلية وبورسعيد)، وهو حاليا مسؤول اللجنة الإدارية العليا المؤقتة للإخوان، والقيادة الثانية بالجماعة بعد «محمود عزت» القائم بأعمال المرشد، يمثل ضربة جديدة للجماعة، بعد سلسلة اعتقالات طالت عددا من رموزها في الأسابيع الأخيرة.

ففي محافظة المنيا، جنوب البلاد، شنت قوات الأمن حملة مداهمات للعديد من منازل كوادر الجماعة، بمركز سمالوط، أسفرت عن اعتقال 12 من بينهم المهندس «عبد الرحيم عبد السلام»، عضو مجلس الشورى السابق ونجله الطالب بكلية الهندسة.

وكانت وزارة الداخلية المصرية أعلنت في 18 يناير/كانون ثان الماضي، تمكنها من ضبط 8 قيادات بارزة بجماعة الإخوان المسلمين تابعين لمحافظات (الإسماعيلية، والسويس، والشرقية)، بينهم «حاتم راشد» مستشار وزير التموين خلال عهد الرئيس «محمد مرسى»، أول رئيس مدني منتخب في البلاد، والذي أطاح به الجيش في انقلاب عسكري في 3 يوليو/تموز 2013.

سيناريوهان

إزاء ضبابية المشهد، وتجاهل وزارة الداخلية المصرية إصدار أي بيان رسمي حتى الآن يؤكد أو ينفي الواقعة، تتجه المؤشرات نحو استقراء سيناريوهين لا ثالث لهما.

السيناريو الأول، وهو الأقرب للاستراتيجيات الأمنية، هو أن قوات الداخلية ألقت القبض بالفعل على «مرافقي عزت»، لكنها لم تصل إلى مكان القائم بأعمال المرشد، وتقوم حاليا أجهزة التحقيق بالوزارة بالضغط على المقبوض عليهم للوصول إلى مكانه، للتأكد من كونه داخل مصر أم خارجها، باعتباره سيكون صيدا ثمينا لها وإنجازا لوزيرها اللواء «مجدي عبدالغفار».

لكن التجاهل الرسمي، وما تزامن معه من تجاهل أبدته صحف مصرية مقربة من أجهزة أمنية في البلاد، ونسب خبر إلقاء القبض على «المرسي» ورفاقه إلى مصادر إخوانية، ربما يعزز السيناريو المحتمل بتصفية قيادات الإخوان المقبوض عليهم، وهو الأمر الذي فطنت إليه الجماعة، وسارعت إلى إصدار بيان يحمل السلطات المصرية مسؤولية سلامة «عبدالرحمن» وجميع مرافقيه.

وقالت الجماعة في بيانها:« تعلن جماعة الإخوان المسلمين أن اختطاف الدكتور محمد عبدالرحمن، رئيس اللجنة الإدارية العليا وعضو مكتب الإرشاد، وإخوانه، لن يكون المحطة الأخيرة على طريق النضال الثوري لتحرير الشعب المصري من بطش وهيمنة الانقلاب؛ بل سيكون فاتحة لمرحلة جديدة على طريق الدعوة المباركة بالحكمة والموعظة الحسنة»، حسب نص البيان الذي نشر على موقعهم الرسمي.

وتابع البيان :« لقد اعتقل الدكتور محمد عبدالرحمن صاحب التاريخ الناصع في دعوة الإخوان، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحركة والعمل المضني، ومواصلة الليل بالنهار، سعيًا لتخليص مصر من هذا الانقلاب ونكباته وكوارثه».

وأضاف البيان، الصادر أمس الخميس،: «وتحمل الجماعة سلطات الانقلاب المسئولية الكاملة عن سلامة الدكتور محمد عبد الرحمن وإخوانه».

ومنذ تولي وزير الداخلية الحالي، «مجدي عبد الغفار»، مهام منصبه في مارس/آذار 2015، تكررت حوادث تصفية واغتيال طالت عناصر معارضة للانقلاب العسكري، وبينها قيادات بـ«جماعة الإخوان المسلمين»، ومعارضون من تيارات سياسية أخرى.

ومن أبرز من تم تصفيتهم من قيادات الجماعة مطلع أكتوبر/تشرين أول الماضي، «محمد كمال»، الذي كان يشغل عضوية مكتب إرشاد «جماعة الإخوان»، والذي خرجت الرواية الرسمية بشأن مصرعه تقول إنه تبادل إطلاق النار مع قوات الأمن، لكن خبر القبض على «كمال» حياً، ومعه القيادي الإخواني «ياسر شحاتة علي رجب»، شرق القاهرة، كان منسوبا إلى وزارة الداخلية قبلها بساعات، حسب صحيفة «اليوم السابع»، المعروفة بقربها من الأجهزة الأمنية في البلاد.

وقالت الجماعة في بيان رسمي وقتها، إنه قد تأكد لديها بعد البحث والتوثيق بالأدلة والشهود، إنه تم اعتقال «محمد كمال» و«ياسر شحاتة» من الشارع، ومن ثم اقتيادهم إلى مقر سكنهم، وتصفيتهم داخل المسكن.

وتعد العملية الأبرز والأخطر في انتهاج أسلوب الاغتيالات والتصفية بدم بارد، ما جرى في شقة سكنية بمدينة 6 أكتوبر مطلع يوليو/تموز 2015، والضحايا كانوا 13 من قيادات الجماعة أثناء اجتماع تنظيمي لبحث دعم أسر المعتقلين والشهداء بالجماعة، ومن أبرزهم «ناصر الحافي»، البرلماني السابق، و«عبدالفتاح محمد إبراهيم»، مسؤول لجنة دعم أسر المعتقلين، والدكتور «هشام خفاجي»، مسؤول المكتب الإداري لجماعة الإخوان في محافظة القليوبية (شمال القاهرة).

رسالة ضد المصالحة

الكاتب الصحفي المصري «جمال سلطان»، رئيس تحرير صحيفة «المصريون»، اعتبر اعتقال «محمد عبدالرحمن» ردا من النظام المصري على مبادرات المصالحة، قائلا إن هناك أكثر من جهة تدير هذا الملف في مؤسسات الدولة وأجهزتها، كما أن داخل الإخوان أكثر من توجه تجاه فكرة المصالحة وقبولها أو رفضها.

وأكد «سلطان» خلال مداخلية هاتفية مع قناة «الجزيرة مباشر»، أمس الخميس، أن «هذه الضربة الأمنية تشير إلى رفض فكرة المصالحة وأن المصالحة بعيدة عن هذه اللحظة».

ويرى مراقبون، أن التصعيد الأمني الجديد، قد يمثل حسما من النظام المصري لموقفه من مبادرات ودعوات «المصالحة» مع جماعة الإخوان المسلمين، مع الأخذ في الاعتبار مساعي إدارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بتصنيف الإخوان جماعة إرهابية، وهو ما يراه نظام الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي» ضوء أخضر أمريكي للقاهرة بقطع كافة الخيوط المتبقية مع الجماعة، وربما السعي لاستئصالها من المشهد.

وتصنف السلطات المصرية جماعة «الإخوان المسلمين» تنظيما «إرهابيا»، لكن الجماعة تؤكد على أنها سلمية، فيما تشن السلطات حملة واسعة تستهدف أعضاء وأنصار الجماعة منذ يوليو/تموز 2013 بعد انقلاب الجيش على الرئيس المنتخب «محمد مرسي».

المصدر | الخليج الجديد + متابعات