الإخفاء القسري.. سوريا في الصدارة عربيا ومصر والإمارات يتبعانها بخطى متسارعة

في الـ30 من أغسطس/ آب كل عام، يحيي العالم «اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري».

«المنظمة العربية لحقوق الإنسان» في بريطانيا، قالت في بيان لها اليوم، إنه «لم يعد كافيا تضامن المجتمع الدولي بالبيانات والتصريحات مع ضحايا جريمة الاختفاء القسري والاحتفاء بيوم دولي لضحايا هذا الانتهاك».

ودعت المنظمة في تقرير لها، اليوم، الجمعية العمومية للأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والاتحاد الأفريقي ترجمة هذا التضامن إلى عمل جاد يمكن أن يوقف هذا الإنتهاك ويمنع تكراره مجددا ويضمن عدم إفلات مرتكبه من العقاب.

وشددت المنظمة على «أن تصاعد تلك الجريمة الخطيرة راجع إلى استمرار تعامي المجتمع الدولي وامتناعه عن اتخاذ أي إجراء جاد يمنع أنظمة تلك الدول إلى التوقف عن انتهاج الاختفاء القسري».

وأكدت المنظمة أن «الاختفاء القسري يُعتبر من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان»، وأنه يتفشى في المنطقة العربية على يد الحكومات بشكل رئيس وكذلك على يد التنظيمات المسلحة، حيث يتم الاكثار من استخدام الإختفاء القسري كاستراتيجية لبث الرعب داخل المجتمعات، ولقمع المعارضة.

ولفت التقرير الانتباه إلى أن انتشار وباء تعريض الأشخاص للاختفاء القسري في دول العالم العربي يثير القلق حول مصير شعوب تلك الدول.

وفيما يلي عرضا لأهم الدول التي تشهد جريمة الاختفاء القسري في الوطن العربي..

سوريا

في سوريا، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اختفاء 71 ألف شخص خلال السنوات الأربع الأخيرة في البلاد التي تشهد حربا ضروسا.

جاء ذلك في تقرير للشبكة اليوم، حمل عنوان «الألم الممتد»، وقال إن «النظام السوري مارس أسوأ مظاهر الإخفاء القسري التي عرفتها سوريا منذ أحداث حماة عام 1982، التي اختفى فيها نحو 17 ألفا»، بحسب «الجزيرة نت».

ووفق التقرير، فإن النظام السوري متفوق على بقية الأطراف السورية فيما يتعلق بممارسة الإخفاء القسري بنسبة تصل إلى 96% من مجمل المختفين قسريا في سوريا، وعددهم نحو 71 ألفا وخمسمئة متوزعين على جميع المحافظات السورية، ومنهم 4100 طفل، و2377 سيدة.

وأضاف التقرير: «تتحمل المسؤولية عن النسبة الباقية (4%) أطراف أخرى من قبيل تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام (النصرة سابقا)، وقوات الإدارة الذاتية الكردية، وفصائل أخرى من المعارضة السورية».

وبحسب مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان «فضل عبد الغني»، فإن من السهول في سوريا «أن يتحول المعتقل إلى مختفٍ قسريا، لأن عمليات الاعتقال جميعها لا تتم بمذكرة قضائية، بل هي أشبه بعمليات الخطف».

وقال إن «السلطات تنكر وترفض بشكل مطلق الاعتراف بأنها من قامت باعتقال الأشخاص أو تعذيبهم، وإن الأهالي يخشون السؤال عنهم، ويدخل الضحايا في ثقب أسود يزداد توسعا مع الزمن».

وأشار التقرير إلى أن «النظام السوري استخدم سلاح الإخفاء القسري لبثّ الإرهاب والخوف بين جميع قطاعات المجتمع، ولم تقتصر عمليات الاعتقال والإخفاء القسري على النشطاء السياسيين أو المعارضين بل كان هناك حملات عشوائية كثيرة، طالت كبار السن والأطفال، ضمن عملية تحطيم لركائز المجتمع السوري».

في الوقت الذي قدرت رئيسة المجلس الأمني القومي في البيت الأبيض السفيرة «سوزن رايس»، حالات الاختفاء القسري، في سوريا منذ بدء الثورة في مارس/ آذار 2011، بنحو 65 ألف شخص.

وأضافت أنه وفقا لنشطاء لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا، تضمن الاختفاء القسري نشطاء معارضون، أو من يعتبرهم نظام «بشار الأسد» ليس لهم ولاء كاف للحكومة.

مصر

وفي مصر، تفشت ظاهرة الاختفاء القسري بعد الانقلاب العسكري في يوليو/ تموز 2013، حيث تعرض أكثر من 65 ألف مواطن مصري للاعتقال بصورة تعسفية على خلفية آرائهم السياسية المعارضة للسلطات تعرض أغلبهم للاختفاء القسري لمدد تزيد عن الـ 24 ساعة، بحسب «المنظمة العربية لحقوق الإنسان».

وقالت المنظمة إنه «لم يتم عرض المعتقلين على النيابة في أغلب الأحيان، ولم يتم السماح لهم بالتواصل مع المحامي الخاص بهم أو اطلاع ذويهم عن أية معلومات حول أماكن أو سبب احتجازهم إلا بعد تلفيق اتهامات جنائية لهم وتعريض بعضهم للتعذيب والتصوير التلفزيوني أثناء الاعتراف بتلك الاتهامات».

وأضافت: «من بين جملة من تعرضوا لتك الجريمة فإن 37 شخصا على الأقل مفقودين بشكل كامل من أكثر من 3 سنوات وحتى الآن، حيث تعرضوا للاعتقال في الأحداث التي تلت الانقلاب مباشرة، دون أن يجلى مصيرهم حتى الآن».

رئيسة المجلس الأمني القومي في البيت الأبيض السفيرة «سوزن رايس»، قالت في تقرير لها، إن مصر شهدت طفرة غير مسبوقة في حالات الاختفاء القسري، مع اعتماد قوات الأمن المصرية على نحو متزايد على هذا التكتيك لإسكات وتخويف منتقدي الحكومة.

وأشارت إلى أن مجموعة عمل مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري، رصدت زيادة نسبة الاختفاء القسري 100% عن العام السابق.

من جانبها، وثقت «التنسيقية المصرية للحقوق والحريات»، ١٠٠١ حالة اختفاء قسري خلال النصف الأول من العام الجاري، بمعدل خمس حالات يوميا.

وذكرت «التنسيقية» في تقريرها «ضحايا الاختفاء القسري» أن العديد من تلك الحالات «تظهر في وقت لاحق داخل أماكن الاحتجاز، ولكن بعد مدد زمنية طويلة، فيما يتم تصفية آخرين تم توثيق حالات منهم» وهي اتهامات عادة ما تنفيها وزارة الداخلية المصرية.

وقالت «التنسيقية»، إنها رصدت منذ أحداث الانقلاب العسكري في مصر، وحتى نهاية يونيو/ حزيران الماضي، 2811 حالة اختفاء قسري من قبل الأجهزة الأمنية في مصر.

وفي رده على التقرير الحقوقي، قال «صلاح سلامعضو «المجلس القومي لحقوق الإنسان» (حكومي) إنه لا يعترف «بأي أرقام غير التي ترد إلى المجلس».

وأوضح «سلام» أن «المجلس تلقى خلال العام الجاري 321 شكوى من أهالي عن اختفاء ذويهم قسريا»، مضيفًا «وبالتواصل مع وزارة الداخلية، تبين أن 261 حالة تم القبض عليها بمعرفة الوزارة، من بينها حالات تم إخلاء سبيلها، أو من هو محبوس على ذمة قضية بعد عرضه على النيابة»، وبالتالي بات معروفا مكان احتجازه.

الإمارات

وفي الإمارات، رصدت منظمة «العفو الدولية»، حالات لرعايا أجانب ومواطنين إماراتيين، تم اعتقالهم واحتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي لمدة أسابيع أو أشهر قبل محاكمتهم، وهذه الاعتقالات تجري عادة من قبل أمن الدولة، التي تتعامل مع قضايا الأمن القومي.

ويقوم جهاز أمن الدولة بالقبض على الأشخاص دون أوامر، ثم نقلهم الى مراكز اعتقال سرية غير رسمية حيث يتم التحفظ عليهم لأسابيع أو أشهر دون توجيه إليهم أي تهمة أو الحصول على تمثيل قانونيـ وفي كثير من الأحيان يتم تعذيب المعتقلين.

وبحسب مصادر سابقة لـ«الخليج الجديد»، فإن سجل الإمارات في الإبعاد القسري يتخذ عدة أشكال، أبرزها تقوم الأجهزة الأمنية باعتقال الشخص وإخفائه قسريا فترة من الزمن في أحد السجون ومراكز التوقيف والاحتجاز للتحقيق معه، وتعذيبه بكل صور الأدوات الحاطة للكرامة والمخالفة للقوانين الدولية، ثم تحيله بعد فترة إلى نيابة أمن الدولة، ومن ثم المحكمة الاتحادية ذات الدرجة الأولى لتصدر بحقه أحكاما في قضايا ملفقة ترديه سنوات خلف القضبان تنتهي بالإبعاد القسري.

وفيما يتعلق بالمواطنين الأصليين في الدولة ممن لا يرضى عنهم جهاز أمن الدولة، فإنهم يوصمون بكونهم «عناصر» تهدد الأمن والسلم الاجتماعي، حيث يعرض عليهم سحب جنسياتهم، كما حدث مع دعاة الإصلاح السبعة، والحصول على جنسية جزر القمر، فإذا وافقوا فإنه يتم ترحيلهم.

أما في حال الرفض، فإنهم يتعرضون إلى الإخفاء القسري وتلفيق القضايا، ثم الإيداع في السجون ومصادرة الأموال والممتلكات. ومؤخرا، فقد امتدت يد الفمع إلى أبنائهم وبناتهم وبعض أقاربهم لنشر الخوف والفزع والترقب.

العراق

وفي العراق، أشارت إحصاءات غير رسمية، لمنظمات حقوقية، أنّ عدد المختفين قسريًا فيها بلغ خلال السنوات الـ13 الماضية التي أعقبت الغزو الأمريكي للبلاد نحو 150 ألف شخص، معظمهم فقد خلال حكم رئيس الوزراء السابق «نوري المالكي».

وتشير التقارير إلى أن عدد المختفين خلال العامين الماضيين فقط بعد اجتياح تنظيم «الدولة الإسلامية» العراق، نحو 41 ألف شخص يتقاسم التنظيم مسئولية اختفائهم مع «الحشد الشعبي»، بحسب بيان لـ«المنظمة العربية لحقوق الإنسان».

الاختفاء القسري، في العراق، كان أحد نتائج الصراعات الطائفية والمليشيات، ما دفع مسؤولين عراقيين للمطالبة بتشريع قانون «حماية الأشخاص من الاختفاء القسري».

اليمن

في أبريل/ نيسان الماضي، قالت منظمة «مواطنة» المعنية بحقوق الإنسان، إن اليمن شهدت خلال الحرب «طفرة غير مسبوقة» في ارتكاب جرائم الاختفاء القسري، داعية جميع الأطراف إلى إطلاق سراحهم بشكل عاجل.

وكشفت «مواطنة»، أنها وثقت العشرات من وقائع الاختفاء القسري في معظم المحافظات اليمنية البعض منها لا تزال مستمرة حتى الآن، داعية في هذا الصدد إلى ضرورة أن تكون من أولويات هذه مفاوضات بين طرفي الصراع، «التزام الجميع بكشف مصير المختفيين قسرياً وإطلاق سراحهم بشكل عاجل دون أي تردد ومحاسبة كافة المسؤولين عن هذه الانتهاكات».

وعلى الرغم من عدم إعلان المنظمة لرقم محدد للمختفين قسريا، إلا أن «المنظمة العربية لحقوق الإنسان»، قدرت عددهم بـ4011 مدنياً على الأقل منذ ديسمبر/ كانون الثاني 2014، إلى الآن، على أيدي الحوثيين والقوات المسلحة التابعة للرئيس اليمني المخلوع «علي عبد الله صالح»، منهم 1234 مدنياً خلال العام الجاري فقط.

منظمة «هيومن رايتس ووتش»، تحدثت في تقارير سابقة، عن الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة، والاختفاء القسري على يد الحوثيين في العاصمة صنعاء، وغيرها من المناطق التي يسيطرون عليها منذ أواخر 2014.

وشملت هذه الممارسات العديد من الشخصيات السياسية المعارضة والنشطاء والصحفيين، وكثير منهم اعتُقل بسبب صلاته بالتجمع اليمني للإصلاح.

يوم عالمي

واختارت الأمم المتحدة الـ30 من أغسطس/ آب من كل عام، يوما دوليا لضحايا الاختفاء القسري، وذلك استجابة لمطالبة منظمة أمريكا اللاتينية لرابطات أقرباء المعتقلين المختفين، لإعلان التضامن مع المختفين قسرياً وللفت انتباه العالم أجمع للمأساة التي يعيشها الشخص المختفي قسرياً وذويه.

وعرفت الإتفاقية المتعلقة بحماية جميع الأشخاص من الإختفاء القسري، والتي اعتمدتها الجمعية العامة في قرارها رقم 133/47 المؤرخ في 18 ديسمبر/ كانون الأول 1992 بـ«القبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغما عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أي نحو آخر على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعة منظمة، أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الإعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون».

يشار إلى أن «الإخفاء القسري» مجرّم بموجب «الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري» التي اعتمدت عام 2006.

حيث نصت المادة الأولى من الاتفاقية على أنّه «لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري، ولا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأيّ حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري».

المصدر | الخليج الجديد