الإسلاميون البراغماتيون: التوازنات الدقيقة لعمل جماعة الإخوان المسلمين في الكويت

بعد مقاطعة الانتخابات عام 2012 و2013، دخل الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين بالكويت، حدس، الانتخابات البرلمانية المبكّرة الأخيرة. ونجح 4 من بين 5 مرشحين للحزب، الأمر الذي أعاد حدس من جديد لمجلس الأمّة الكويتي البالغ عدده 50 عضوًا. وأكّدت الانتصارات الانتخابية النظام الفريد شبه الديمقراطي في عضو مجلس التعاون الخليجي، حيث حظر قادة بلدان أخرى الإخوان المسلمين وصنّفوا الحركة الإسلامية السنّية كمنظّمة إرهابية.

وتعدّ حدس العائدة للحياة البرلمانية حديثًا تصويرًا لتسامح آل الصبّاح مع الانتقادات الإسلامية والليبرالية أيضًا، وإن كان بحدود، للحكومة الكويتية. أمّا باقي دول مجلس التعاون الخليجي، والإمارات على وجه الخصوص، فإنها لا تملك مثل هذا التسامح تجاه قوى الإسلام السياسي. فهي ترى الإخوان كتهديد أمني، ولا تسمح أبوظبي لفرع الجماعة في البلاد، الإصلاح، بالمشاركة في الحياة السياسية. ومع أحداث عام 2011 التي هزّت استقرار المنطقة، رأى المسؤولون في الإمارات ودول خليجية أخرى أنّ الإخوان يمثّلون تحدّيًا للمشيخات والأسر الحاكمة.

ومنذ أحداث الربيع العربي، سعت الإمارات إلى جعل مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي منطقة خالية من جماعة الإخوان المسلمين. وفي الماضي، ضغطت الإمارات، بجانب مصر ودولًا خليجية أخرى، على قطر لقطع علاقاتها مع الحركات الإسلامية والإسلاميين. لكن حتّى الآن لم تغيّر الإمارات من علاقتها بالكويت رغم الدور السياسي الذي تلعبه حدس ومشاركتها الانتخابية الأخيرة. وعلى الرغم من أنّ المسؤولين الإماراتيين قد طالبوا نظراءهم في الكويت بالمشاركة في تصنيف جماعة الإخوان كمنظّمة إرهابية، يوافق غالبية الزعماء في مجلس التعاون الخليجي أنّ الحياة السياسية في الكويت ديمقراطية وشفافة بشكلٍ فريد، ويقرّون أنّ حكّام الكويت يبقون الإسلاميّين في البلاد «قيد السيطرة». وبالنسبة للجزء الأكبر، يبدو أنّ هناك تفاهم مشترك داخل مجلس التعاون الخليجي، أنّه طالما ظلّ الإسلاميّون في الكويت محدودين في أهدافهم في القضايا الداخلية، يتحدّثون عن الفساد والإصلاحات الاقتصادية ورفع القيود عن حرية التعبير والترويج للأجندة الاجتماعية المحافظة مثل استمرار حظر الكحول والنوادي الليلية، يبقى الحضور البرلماني لأعضاء حدس مقبولًا ولا يمثّل تهديدًا للأمن الجماعي لمجلس التعاون الخليجي.

لكن الجدير بالذكر أنّ أعضاء حدس قد تناولوا في الماضي قضايا دولية، الأمر الذي ضغط على العائلة المالكة في الكويت لإحداث توازن بين تلبية مطالب الدائرة الانتخابية الإسلامية والحفاظ على تحالفاتها الإقليمية القوية. على سبيل المثال، بعدما دعمت دول الخليج الإطاحة بالرئيس المصري «محمد مرسي» عام 2013، أدان أعضاء حدس الجيش المصري والدعم الذي حصل عليه من آل الصبّاح، وهو ما خلق توتّرات بين حدس والأسرة الحاكمة وجعل منتقدي الحزب يتّهمونه بعدم الولاء والتآمر والصلة بالمنظّمات الإرهابية. وفي عام 2015، أهان «ناصر الدويلة»، الذي كان عضوًا عن جماعة الإخوان في مجلس الأمّة منذ عام 1985 حتّى عام 2003، ولي عرش أبو ظبي في قناة المجلس التلفزيونية، مؤكّدًا على أنّ الشيخ «محمد بن زايد» قد اعتنق موقفًا شخصيًا وعدائيًا تجاه جماعة الإخوان المسلمين. وتسبّب هذا الموقف في استدعاء الدويلة للمثول أمام المحكمة الاتّحادية العليا في الإمارات، والتي لم يحضر إليها مطلقًا، بتهمة إهانة القيادة الإماراتية. وتلقّى الدويلة حكمًا غيابيًا بالسجن خمس سنوات.

وبالرّغم من الحلقات الماضية، تبدو حدس حاليًا في وضعٍ أفضل للحفاظ على دورها في الحياة البرلمانية الحيوية والملوّنة في الكويت، ويرجع الفضل في ذلك للبراغماتية التي أظهرتها مناورات الإخوان الكويتيين. وبإدراكها افتقارها لوسائل إحراز الأغلبية البرلمانية، تعمل حدس مع النوّاب غير الإسلاميين بالمجلس لتحقيق المصالح المشتركة مثل تحرير النظام السياسي. ولتجنّب مصير جماعة الإخوان في البلاد العربية الأخرى، يتطلّب بقاء حدس كقوّة شرعية ونشطة في الحياة السياسية في الكويت احترام شرعية حكم آل الصبّاح. واستنادًا إلى تجربة الإخوان المسلمين الكويتيين، يفهم أعضاء حدس خطورة الظهور أكثر ولاءً للجماعة العابرة للحدود من الأمير. ومنذ حرب الخليج الأولى (1990–91)، والتي حصل فيها «صدّام حسين» على دعم الإخوان المسلمين في عدد من دول الشرق الأوسط، كافح أعضاء حدس، والذي تأسّس في أعقاب التحرير، لإثبات أنّ ولاءهم للمصالح الوطنية الكويتية فوق أيّ موقفٍ دولي.

ليس تصنيفا حقيقيا

ومع رؤية الملك «سلمان» في السعودية لإيران على رأس قائمة التهديدات لأمن مجلس التعاون الخليجي، من المرجّح أن ترحّب السعودية والبحرين بالحصول على دعم حدس في الجهود العربية السنّية لمواجهة أجندة إيران الإقليمية. ووفقًا لمحاوري «الخليج العربي»، فإنّ تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية في السعودية ليس حقيقيًا تمامًا، حيث يسمح لأعضاء حدس بالسفر من وإلى السعودية بحرية تامّة.

ونظرًا لمواقف حدس المعادية لإيران، يؤكّد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين على أنّ قدرة مجلس التعاون الخليجي في توحيد المسلمين السنّة في مواجهة إيران ستتوسّع ويصبح لها تأثيرًا إذا ما سمح للجماعة بالعمل بحرية داخل دول المجلس. ويبدو أنّ القيادة الحالية في السعودية توافق على ذلك، كما يتّضح من العلاقات الدافئة بين المملكة وفروع لجماعة الإخوان في أنحاء المنطقة مثل حماس في فلسطين وجبهة العمل الإسلامي في الأردن والنهضة في تونس.

يبقى أن نرى كيف ستتعامل إدارة «ترامب» مع تسامح قيادة الكويت مع الفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين، في الوقت الذي تعتبر الدائرة الداخلية لإدارته الجماعة منظّمة إرهابية متطرّفة. ولا يتوقّع الكويتيون تغيّرًا جذريًا في العلاقة بين البلدين مع وجود إدارة «ترامب»، على الرغم من إصرار الرئيس «ترامب» على دفع الدول الإسلامية المتحالفة مع الولايات المتّحدة، ومن بينها الكويت، مقابل درع الأمن التي تحصل عليه من الجيش الأمريكي.

وعلى الرغم من أنّ مسؤولين بارزين بحكومة «ترامب» مثل وزير الخارجية «ريكس تيلرسون» ورئيس المخابرات «مايك بومبيو»، يعارضون جماعة الإخوان بقوّة، من غير المرجّح أنّ حريّة حدس في الكويت ستخضع لأي تغيير نتيجة أيّ ضغوط من البيت الأبيض. وبعد 26 عامًا من المشاركة الأمريكية في تحرير الكويت، تبقى كل الألوان السياسية في الكويت، ومن بينها حدس، يشعرون بالامتنان تجاه الولايات المتّحدة للدفاع عن الكويت في أخطر أزماتها في حقبة ما بعد الاستقلال. ومنذ إجلاء القوّات العراقية عام 1991، لم تسع حدس أبدًا للحشد ضدّ تواجد الجيش الأمريكي على الأراضي الكويتية.

ومع تركيز إدارة «ترامب» في مواجهة إيران والعمل عن قرب مع السعوديين أكثر من الإدارة السابقة لتحقيق هذا الهدف، فمن المرجّح أن تلعب الكويت دورًا هامًا في سياسة واشنطن الخارجية في الشرق الأوسط. ومثل فرع جماعة الإخوان المسلمين في البحرين، المنبر الإسلامي، والذي يتلقّى دعمًا من حكّام آل خليفة في المنامة في سياق حشد السنّة في المملكة ضدّ المعارضة السنّية وأجندة إيران الإقليمية، من المرجّح أن يستفيد حدس من التطوّرات في المنطقة وكذلك فيما يتعلّق بالساحة السياسية الكويتية. وما دامت الإخوان المسلمين في الكويت تمارس البراغماتية السياسية، ينبغي أن يحافظ حدس على حريّة المشاركة البرلمانية وانتقاد الحكومة دون تجاوز الخطوط الحمراء.

المصدر | معهد الشرق الأوسط