الاكتئاب قد يكون طريقة مخك لقول: توقف.. هناك مشكلة يجب حلها!

خمسة في المائة من الأمريكيين يبلغون عن وجود أعراض اكتئاب متوسط أو شديد، اضطراب الاكتئاب الحاد منتشر جداً، لدرجة أن واحداً من كل ستة أمريكيين يصاب به في فترة ما من حياته.

انتشار الاكتئاب ينعكس في مشاكل اقتصادية كذلك، فهو واحد من أكثر أسباب الإعاقة شيوعاً، وله آثار في مكان العمل، كما إنه مسؤول عن التكاليف المرتبطة بعمليات الانتحار، وقد قدر العبء الاقتصادي الذي يسببه الاكتئاب على الولايات المتحدة، بـ210.5 مليار دولار في عام 2010.

إذن، لماذا يؤثر مرض مستهلك هكذا على هذا العدد من الناس؟

الفهم التقليدي هو أن الاكتئاب عملية تداعي في الطريقة التي يفترض أن يعمل بها المخ، فيحدث اختلال في المواد الكيميائية، وهو الشئ الذي يمكن تصحيحه من خلال خليط من الأدوية والتحولات السلوكية.

ولكن، هناك أيضاً نظرية تقول أن الاكتئاب ليس خللاً بنسبة مائة في المائة، وإنما قد يعد استراتيجية تصرف معينة، قمنا بتطويرها، كتكيف بيولوجي يخدم غرضاً ما.

نظرية جديدة.. الاكتئاب ليس خللاً

الكاتب «ماثيو هوتسون»، تحدث في مجلة نوتيلوس، عن الجذور التطورية المحتملة للاكتئاب، والسلوك الانتحاري، قائلاً إنه قد يكون آلية طورها المخ، كي يخبرنا أن علينا التوقف، والتعامل مع مشكلة مهمة.

«هوتسون» قال إن عالم النفس التطوري، السيد «بول أندروز»، بالإضافة إلى عالم النفس، «جي أندرسون طومسون»، شرحا هذه الفكرة لأول مرة، مطلقين عليها «نظرية التأمل التحليلية»، وذلك في مقال نشر لهما في دورية «سايكولوجيكال ريفيو»، في 2009.

المفهوم الأساسي هو أن ما نراه كخلل، هو في الحقيقة طريقة يقوم بها دماغنا لتحليل مشكلة والتفكير فيها، على أمل أن يصل لطريقة يحل بها الأمر.

الباحثون أشاروا إلى إنه من الممكن أن المشاكل الصعبة أو المعقدة، تقوم بحث رد فعل «اكتئابي»، في بعض الناس، وهو ما يحيلهم إلى نوع من وضع تحليلي.

فمع الاكتئاب، يصبح هناك زيادة في التأمل والهوس بمصدر ألم الشخص، جنباً إلى جنب مع الزيادة في النشاط التحليلي في الدماغ ونوم حركة العين السريعة، والذي يساعد على معالجة الذاكرة.

أحد أعراض الاكتئاب الكبرى، هو انعدام التلذذ، أو عدم القدرة على حصد المتعة من الأنشطة العادية، وإذا نظرنا للأمر من المنظور الذي تم شرحه، فإن هذه تصبح آلية مفهومة من المخ، لأن هذه الأشياء قد تشتت عملية «المعالجة».

هذه الفرضية تفسر حقيقة أن معظم نوبات الاكتئاب تحدث بعد حدث حياتي هام، مثل الموت، أو نهاية علاقة ما.

لماذا يأتي القلق مع الاكتئاب؟

في الورقة البحثية التي نشرت في 2009، أشار «طومسون» و«أندروز» إلى أن هذه الفكرة يمكن أن تشرح لماذا يحدث الاكتئاب والقلق معاً.

فقد كتبا «نحن نفترض أن الاكتئاب والقلق يحدثان غالباً بشكل متزامن، وذلك لأن بعض المشاكل تتطلب كلاً من التحليل (الذي يستحثه الاكتئاب)، واليقظة (التي يستحثها التوتر)، فالتحليل يسمح للشخص بفهم العامل المحرّض، أما اليقظة، فهي تجعله يتلافى حدوث ذلك مرة ثانية.

بالرغم من روعة التفسيرات التطورية، فمن الصعب إثبات إنها صحيحة، خاصة إن لم يكن هناك أبحاث أخرى تعززها، وفكرة إن الاكتئاب قد يكون تكيفاً بيولوجياً بدلا من أن يكون اضطراباً عقلياً، هو شئ لا يجمع عليه العاملون في الصحة العقلية.

حتى لو كانت الفرضية صحيحة، فهي غير كاملة، وهي لا تشرح كل الحقائق عن الاكتئاب.

الجينات وعدم وضوح السبب.. فجوات في النظرية الجديدة

المشاكل المعقدة عادة ما يكون لها أسباب عديدة، فـ20% من حالات الاكتئاب، لا تكون مسبوقة بحدث حياتيّ كبير، قد يكون هناك سبب في الماضي، لكننا ما زلنا لا نعرف ذلك على وجه التأكيد.

نحن نعلم أيضاً أن الجينات، يمكنها أن تلعب دوراً في مدى قابلية الشخص للتعرض للاكتئاب، وكما أشار الباحثان، فهناك أنواع مختلفة من الاكتئاب، بعضها لديه أسباب مختلفة، هم يقولون أيضاً أن هناك نظريات تطورية بديلة، يمكن أن تتصالح مع نظريتهم.

قد يصنع فرقاً في العلاج

ولكن، إذا تم تأكيد صحة نظرية التحريض العقلي على التأمل، فإن هذا سيكون له آثار كبيرة على علاجنا من هذا النوع من الاضطرابات في المستقبل.

وفي هذه الحالة، فإن علاج الاكتئاب يجب أن يركز على السبب المثير، وليس على معالجة الأعراض. أحد علماء الأنثروبولوجيا، قال للسيد «هوتسون»، أنه إذا ما كانت النظرية صحيحة، فإن معالجة الاكتئاب بمضادات الاكتئاب، سوف يصبح مثل معالجة العظام المكسورة بالمسكنات قاتلة الألم، بدلاً من توفير جبيرة.

وهكذا، يصبح العلاج النفسي السلوكي، جزء هاماً من العلاج، بما إنه يساعد الناس على فهم ما سبب نوبات اكتئابهم بشكل أفضل، ويساعدهم على التكيف.

مضادات الاكتئاب التقليدية كانت فعالة جداً، وحتى إنها منعطف يغير الحياة للبعض، لكن هذه الطرق لا تعمل على المدى الطويل لكل الناس، وهو ما يجعل الباحثين يبحثون في طرق مختلفة.

هذا الأسلوب في تفسير الاكتئاب، قد لا يساعد بالضرورة على حل المشكلة، لكن النظريات الجديدة تساعدنا في التفكير بطرق جديدة للعلاج.

المصدر | بيزنس إنسايدر