التجارة البحرية كمفتاح للتنويع الاقتصادي في دول الخليج وإيران .. هل انتهى زمن النفط؟

http://www.thenewkhalij.org/ar/node/45151

دفع الانخفاض المستمر في أسعار النفط دول الخليج إلى السعي نحو تنويع اقتصاداتها بعيدا عن الاعتماد الكامل على النفط. تجبر هذه التحولات الدول الغنية بالنفط على الاستثمار في توسيع إمكاناتها كمراكز للتجارة الدولية بدلا من قنبلة الاعتماد على سلعة واحدة. كما أوضحت العديد من دول الخليج في خططها الاقتصادية، وبدأت بوادره في الظهور على الأرض، فإن التجارة البحرية تعد حلقة أساسية في ربط الشرق الأوسط بالاقتصاد العالمي. وقد أدى التوسع المستمر في جميع أنحاء المنطقة في التجارة البحرية إلى سباق لتأمين مركز المهيمن في هذه الصناعة. تلك المدن التي كانت يوما ما مجرد قرى صغيرة للصيد تتحول اليوم إلى مراكز تجارية كبيرة تلعب دورا متزايدا في الاقتصاد العالمي.

المملكة العربية السعودية

هذا التوسع السريع يبدو أكثر وضوحا في المملكة العربية السعودية. مع إنشاء العديد من المدن الاقتصادية بمليارات الدولارات، فإن المملكة العربية السعودية عازمة على أن تصبح واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم. وقد وضعت الرياض هدفا طموحا لزيادة الصادرات غير النفطية من 16% إلى 50% خلال السنوات الـ15 المقبلة. تظهر هذه الطموحات بشكل واضح في عمليات التطوير المستمر لمدينة جازان الاقتصادية، حيث تعاقدت الحكومة السعودية مع مجموعة «جامون» الهندية لتطوير الاقتصاد الصناعي في المدينة بحزمة استثمارات تصل إلى 20 مليار دولار. ميناء جازان يحفز اقتصاد المدينة أيضا، ويسمح بتسهيل وصول البضائع السعودية إلى الأسواق العالمية. . وتأمل المملكة أيضا في زيادة مكانتها في مؤشر الأداء اللوجستي، وفي ترتيب البلدان التي تحظى بأفضل بنية تحتية لوجستية من الترتيب 49 إلى المركز 25، مما يؤكد على الأهمية التي توليها القيادة السعودية للتحول إلى مركز تجاري عالمي.

هناك مثال مشابه هو ميناء ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية. شهد ميناء الملك عبد الله توسعا سريعا وتم افتتاح رصيف رابع، لتزيد سعة الميناء من 2 مليون حاوية نمطية في عام 2014 إلى 3 ملايين في عام 2015. وبالإضافة إلى ذلك، يخطط الميناء للانتهاء من تشييد رصيفين للمركبات بحلول عام 2017.

وعلى الرغم من التوسع السريع في الميناء، فإن المصدر الرئيسي للدخل فيه لا تزال هي خدمة سفن الشحن العابرة، والي تمثل حوالي 73% من إجمالي أعمال الميناء. تكمن الميزة الجيوسياسية للميناء في موقعه على الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية متجاوزا نقطة الاختناق في مضيق هرمز الذي تستخدمه إيران في بسط نفوذها، مما يزيد من التكلفة الإجمالية للنقل البحري في المنطقة. يستفيد ميناء الملك عبد الله أيضا من ميزة قربه من قناة السويس والتي تستقطب ما بين 24–30% من إجمالي نشاط الشحن البحري سنويا بإجمالي حوالي 11 ألف سفينة سنويا. تسبب هذه الموقع الجذاب والتسهيلات الجديدة في اجتذاب عقد مع «ميرسك لاين» لخدمة بعض من أكبر سفنها التي تشق طريقها منن آسيا إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. هذا النوع من التوسع في التجارة الدولية يوفر مصدرا ممتازا للتنويع الاقتصادي والنمو المستدام الذي يأمل السعوديون في تحقيقه خلال السنوات الـ15 المقبلة.

الإمارات العربية المتحدة

الإمارات العربية المتحدة صارت بالفعل دولة محنكة في الاستفادة من فوائد التجارة الدولية. المركز التاريخي للتجارة في الشرق الأوسط، موانئ دبي العالمية في جبل علي، هو المنفذ الوحيد في الشرق الأوسط الذي يحتل مركزا ضمن أفضل 10 موانئ عالمية. إمارة دبي هي مثال ساطع لدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى على صعيد النجاح في التنويع الاقتصادي من خلال لوجستيات التجارة والقطاع الصناعي كقطاعات مساهمة بقوة في الناتج المحلي الإجمالي. تسعى دبي إلى ضمان سيطرتها على التجارة في المنطقة، حيث قامت مؤخرا بتحديث صالتها الثانية بهدف زيادة السعة الكلية للميناء إلى 15 مليون حاوية نمطية. بالإضافة إلى زيادة قدراتها، تستفيد دبي من هيمنتها السابقة في هذا المجال من أجل التفرع نحو بعض الصناعات الفرعية المرتبطة بالشحن البحري مثل الأدوية والمعادن المصنعة والسلع الاستهلاكية الآلات والمعدات. وقد وسعت دبي نشاطها إلى خارج حدودها مستثمرة أكثر من مليار دولار في الهند إضافة إلى ملياري دولار آخرين في مشروع مشترك مرتقب مع روسيا. هذه الاستثمارات الأجنبية تساعد موانئ دبي العالمية للوصول بطاقتها الاستيعابية إلى 100 مليون حاوية نمطية وهو الهدف الذي وضعته لحجم عملياتها بحلول عام 2020، وهو ما يضمن لها أن تظل رائدة في الصناعة البحرية العالمية.

وبالمثل، تسعى أبوظبي لتنويع اقتصادها لتحسين المتانة الاقتصادية، على الرغم من أن الإمارة الغنية بالنفط لا تزال تقتفي خطى دبي في هذا الصدد. تمتلك أبوظبي اثنين من الموانئ الرئيسية، كيزاد وميناء زايد، وهما يشهدان الآن توسعات ضخمة، بهدف زيادة سعتهما الإجمالية بحوالي 400 ألف حاوية نمطية. وصلت تلك السعة إلى حوالي 1.5 مليون حاوية نمطية بين عامي 2014 و2015. وبالإضافة إلى الأرصفة، جمعت أبوظبي بالفعل 50 من كبار المستثمرين للمساعدة على تهيئة منطقة خليفة الصناعية في كيزاد، وهي منطقة صناعية خاصة بمساحة 420 كم مربع.

على الجانب الآخر من البلاد هناك إمارة الفجيرة الفقيرة من حيث محتواها من النفط والغاز. ولكن موقع الإمارة إلى الجنوب من مضيق هرمز يجعلها ذات أهمية متزايدة في تصدير النفط من أبو ظبي، مع تقديرات تشير إلى أن نصف النفط من أبوظبي سوف يتم شحنه عبر الفجيرة في المستقبل القريب.

لدى الفجيرة بالفعل قدرات بحرية كبيرة. جعلت طرق التجارة التي تربط بين آسيا إلى أوروبا من الفجيرة ثاني أكبر محطة للتزود بالوقود في العالم خلف سنغافورة. يعتني الإماراتيون بشكل كبير بتطوير هذا الميناء. وتشمل هذه الجهود بناء استثمارات بترولية وعلى وجه الخصوص شبكة أنابيب دولية تضخ نحو 1.5 مليون برميل يوميا من خلال الميناء. وعلى الرغم من أن بناء هذه الشبكة واجه صعوبات مالية، فإن اندماج صندوق الاستثمارات التابع للدولة مع صندوق مبادلة الضخم قد دفع وكالة «ستاندارد آند بورز» إلى رفع التصنيف الائتماني للبلاد إلى (AA) بما يعني أن الدائنين سوف يستمرون في تقديم الأموال.

سلطنة عمان

إلى الجنوب من دولة الإمارات العربية المتحدة، تستفيد عمان من وجود العديد من الشركات غير الراغبة في قطع مسافات أطول من أجل المرور عبر مضيق هرمز. يلعب ميناء الدقم دورا رئيسيا في حركة المرور الكثيفة التي تمر عبر المنطقة. ويعد الميناء واحدا من أكبر أحواض إصلاح السفن في المنطقة مع كميات هامشية من حركة الشحن وسعة تصل فقط إلى 250 ألف حاوية نمطية سنويا. تحرص عمان على إنشاء مركز للشحن الدولي حيث طرحت مؤخرا مناقصة لبناء صيف تجاري من شأنه أن يزيد سعة ميناء الدقم إلى 3.5 مليون حاوية نمطية.

يأمل الجدول الزمني الطموح للبنية التحتية أن خط الأنابيب الممتد من حقل غاز سيح نهيدة سيكتمل بحلول نهاية عام 2018. ومع نهايته، سوف يكون الحقل قادا على تصدير 25 مليون متر مكعب من الغاز يوميا إلى الدقم. هناك مصفاة يجري تشييدها بقيمة 6 مليارات دولار في المنطقة الاقتصادية الحرة من المنتظر أن تبلغ طاقتها 230 ألف برميل يوميا. وفي حين أنه لا المصفاة ولا خط الأنابيب هما الأكبر في المنطقة، إلا أنهما سيكونان الوجهة الأولى للسعودية وسائر دول الخليج حال قامت إيران بإغلاق مضيق هرمز لأي سبب.

إيران

تسعى الجمهورية الإسلامية إلى توسيع قدراتها التصديرية بشكل سريع مع عودتها إلى الأسواق العالمية. تسعى الشركات الغربية العالمية مثل «رويال داتش شيل» إلى اغتنام الفرص الناشئة في إيران آخر مناجم الذهب غير المستغلة في الاقتصاد العالمي. تشهد مصفاة ميناء بندر عباس تحسينات كثيرة. تهدف التحسينات إلى زيادة الطاقة الإنتاجية اليومية للمصفاة إلى 6 ملايين لتر وتحسين الجودة الشاملة للمنتج. وفي جهد منسق، يجري بناء خطوط أنابيب بين محطة رفسنجان ومصفاة نجمة الخليج تربط بين محطات الضخ الثلاثة التي يجري إعادة تطويرها في بندر عباس وغوتاباد ومهراران من أجل نقل الإنتاج إلى وسط إيران. كما أن بناء 18 خزانا جديدا بسعة 600 ألف متر مكعب سوف يربط بين مصفاة نجمة الخليج ومحطة نفط بندر عباس القائمة، كما سيسهم في توسيع قدرات تخزين المصفاة.

مع النزول جنوبا مع الساحل، يسهد ميناء شاباهار أيضا تطويرا كبيرا بدعم مالي هندي. ومع تصممه لمنافسة الموانئ الخليجية، فإن شاباهار يمثل أحد موانئ المياة العميقة الذي يمتلك سعة حمولة أكبر من بندر عباس. وقد استثمرت موانئ الهند 85 مليون دولار في بناء رصيفين جديدين ليبلغ إجمالي استثماراتها في الميناء حوالي 500 مليون دولار بهدف إيجاد مؤطأ قدم لها في منطقة الخليج يمكن أن يقلل وقت الشحن من الهند إلى أوروبا إلى النصف تقريبا. يعكس ميناء شاباهار الاتجاه المتزايد من قبل الصين والهند للاستثمار في توثيق العلاقات مع دول الخليج من أجل تأمين إمدادات الطاقة لاقتصادياتهما الآخذة في التوسع.

روسيا بدورها تمثل عاملا في المعادلة. خلال محادثات ثلاثية في باكو يوم 8 أغسطس/آب، انضم الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» إلى نظيريه الإيراني والأذربيجاني لمناقشة مشروع ممر الشحن بين الشمال والجنوب، وهو شبكة تجارية بين روسيا وأذربيجان وإيران والهند تربط بين شبه القارة وبين الشرق الأوسط والقوقاز ووسط آسيا وأوروبا. هذه الشبكة التجارية الواعدة متعددة الوسائط، والتي تشمل السكك الحديدية والطرق والشحن البحري، ترتكز على ميناء بندر عباس. الآثار الجيوسياسية للعلاقات بين الشمال والجنوب والشرق والغرب كبيرة جدا بالنظر إلى أن الممر الجديد يمد روسيا بطريق تجاري إلى مومباي وبالتبعية إلى بقية شبه القارة الهندية وشرق أفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي متجاوزا قناة السويس. بالنسبة إلى الهند، فإن الممر الجديد يمثل طريقا تجاريا أقل تكلفة إلى أوروبا وآسيا وآسيا الوسطى مع ميناء شاباهار الإيراني كنقطة محورية، متجاوزا ميناء جوادر الباكستاني الذي يبعد 45 ميلا عن الحدود الباكستانية الإيرانية. وفي نهاية المطاف، فإنه يضع إيران في قلب المشروع كمركز عبور رئيسي للتجارة بين اثنين من الاقتصادات العالمية الكبرى.

الحاجة إلى الاستقرار

يعكس تنامي الاتجاه نحو التنمية في الخليج، سواء من قبل دول مجلس التعاون الخليجي أو من قبل إيران سعي تلك الدول إلى تأمين استقرارها الاقتصادي مع تقلص عائدات النفط. مع زيادة المنافسة من قبل إيران المتحررة من العقوبات، فإن دول الخليج من غير المرجح أن تخفض إنتاجها، وبالتالي فإن الأسعار سوف تظل منخفضة نسبيا على المدى المنظور مؤكدة على أهمية التنويع الاقتصادي. التوسع السريع في القدرات التجارية بين جميع دول الخليج يؤكد تفاني هذه الدول في الاتجاه نحو الإصلاح ودخولها إلى عصر جديد محتمل من المنافسة على الهيمنة البحرية.

ومع وقوع هذه الدول بين عدة قارات وعلى مقربة من أهم الممرات المائية في العالم، فإن هذه المنافذ الكبرى تمثل فرصا ثمينة لهذه الدول للحصول على نفوذ أكبر في الاقتصاد العالمي كمراكز تجارية دولية بين الشرق والغرب. واستنادا إلى الرؤى الاستراتيجية المنصوص عليها في العديد من دول مجلس التعاون، فإن تلك المنافذ سوف تمثل حجر الزاوية في استراتيجية تهدف إلى تنويع اقتصادياتها بعيدا عن النفط عن طريق تنمية قطاع الخدمات اللوجستية، وبالتبعية بعض القطاعات الأخرى مثل الطيران والطرق والسكك الحديدية والشحن والتخزين.

تتشارك دول مجلس التعاون الخليجي وإيران في رؤى متشابهة للتوسع في تجارتها البحرية كوسيلة إلى تنويع اقتصادياتها. هذا قد يدفع إلى البحث عن المزيد من الاستقرار في علاقاتها. تعتمد آفاق التجارة الحرة في العقد المقبل على تقديرات العرض والطلب، بالإضافة إلى قدرات الشحن. التأمين هو أيضا جزء من حساب التفاضل والتكامل وشركات الشحن على اطلاع على المخاطر التي تنطوي ليس فقط على إدارة الموانئ والمنافسة بينها، ولكن أيضا أي تهديد بحري ناشي يزيد من كلفة العملية. هكذا، فإنه في مصلحة جميع دول الخليج، بما فيها إيران، للحفاظ على الاستقرار في مياه الخليج إذا كانوا يراهنون حقا على تأمين مستقبلهم المالي من خلال التجارة البحرية.

المصدر | معهد الشرق الأوسط