الجنرال يحمّل المزارعين فشله

بدت الحكومة المصرية مرتبكة بعد أن كشفت صور القمر الصناعي الروسي انتهاء إثيوبيا من بناء سد النهضة بالكامل منذ شهر، وأن سعة الخزان تفوق 90 مليار متر مكعب، بحسب مستشار وكالة الفضاء الروسية في مصر، الذي أكد أن الحكومة كانت على علم كامل بكل ما يدور، وكان يرسل الصور إلى مجلس الوزراء بصفة دورية منذ بداية 2015 ولكن دون استجابة!

ونشر موقع “رئاسة الجمهورية” على شبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، السبت الموافق 30 من يوليو/ تموز الماضي، خبرا يفيد باجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالمهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء، وكل من الدكتور عصام فايد وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، والدكتور محمد عبد العاطي وزير الموارد المائية والري.

وجاء في الخبر “وقد تم خلال اللقاء استعراض الموقف المائي في مصر، حيث أشار وزير الموارد المائية والري إلى الإجراءات الخاصة بترشيد استهلاك المياه، سواء بالنسبة لاستهلاك المنازل أو لأغراض الزراعة والري من خلال تحديث أساليب الري التقليدية التي تهدر كثيرا من المياه، مثل الري بالغمر، واستبدالها بوسائل الري الحديثة، مثل الري بالرش والتنقيط، وذلك بهدف تعظيم الاستفادة من موارد مصر المائية المتاحة”.

جاء في الخبر أيضا “ومن جانب آخر، شدد الرئيس على ضرورة الالتزام بمساحات الأراضي المخصصة لزراعة الأرز وحظر تصديره حفاظاً على أسعاره للمواطن المصري، ولا سيما محدودي الدخل، فضلاً عن التوجيه بتحديد مساحات زراعة الأرز للعام القادم طبقاً للقواعد المعمول بها، وأهمية فرض وتحصيل الغرامات على المخالفين لتلك القواعد”.

بعد يومين من هذا الاجتماع، نشرت صحيفة “المصري اليوم”، الداعمة لنظام الجنرال السيسي، خبرا قالت فيه إن “خطة حكومية استعداداً لتشغيل سد النهضة” تقوم على الحد من زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، خاصة زراعات الأرز مع حظر تصديره نهائياً، والحد من زراعات الموز، وقصره على الأصناف قليلة الاستهلاك للمياه، والاتجاه للتوسع في زراعة الصوب لترشيد استهلاك مياه الري، وزيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية.

وتشمل الخطة، وفقاً لما تم نشره، تخفيض المساحات المقرر زراعتها بالأرز لتصل إلى 700 ألف فدان، بدلاً من مليون و100 ألف فدان، بنسبة تخفيض تصل إلى 28%، على أن يتم مضاعفة غرامات الأرز وإنشاء 100 ألف صوبة وإعادة تدوير ومعالجة مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي. وأوردت الجريدة على لسان وزير الري، أن السيسي يؤيد تغليظ العقوبات على زراعات الأرز المخالفة، لأنها تهدد الأمن المائي لمصر.

كارثة سد النهضة

على وقع هذه الحقائق الجديدة، شدد الجنرال السيسي على ضرورة الالتزام بمساحات الأراضي المخصصة لزراعة الأرز، وكذلك تحديد مساحات زراعته العام القادم مبكرا وقبل حصاد محصول هذا العام، بحجة تهديد الأمن المائي لمصر، رغم أنها تنطوي على مغالطات فنية عديدة، فإنها تؤكد على فشل الجنرال في معالجة كارثة سد النهضة باعتبارها أكبر كارثة تهدد الأمن المائي لمصر.

وعلى مدار 20 شهرا كاملة، سوّقت الأذرع الإعلامية للسيسي على أنه “الدكر” الذي سيحل أزمة السد.

واجتمع السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبي هيلا ماريام ديسالين، أثناء القمة الأفريقية في مالابو في أواخر يونيو/ حزيران 2014، وأصدر إعلانا مشتركا لإنجاز دراسات فنية حول آثار سد النهضة على مصر في ستة أشهر وقبل استكمال بناء السد.

ورغم التداعيات الخطيرة لبناء السد على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر والتي وردت في تقرير اللجنة الفنية في يونيو 2013، وفي جرأة لا يحسد عليها، فاجأ السيسي المصريين بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ مع إثيوبيا، في مارس/ آذار 2015، في ما يشبه اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها السادات مع إسرائيل، وقبل أن تبدأ الدراسات الفنية التي اقترحها بنفسه.

التوقيع حضره مسؤول مبادرة حوض النيل وممثل البنك الدولي، لتفوز إثيوبيا باعتراف مصر بالسد الذي ظل عملا غير شرعي وممنوع من التمويل الدولي قبل التوقيع على الاتفاقية، وبدون أي اعتراف منها بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل.

وكشفت وثيقة مسربة أرسلها وزير الري والموارد المائية، حسام المغازي، إلى رئيس مجلس الوزراء، إبراهيم محلب، بتاريخ 18 مارس قبل التوقيع بخمسة أيام، أنه لم يطلّع على تفاصيل وثيقة مبادئ سد النهضة، التي وقعها الرئيس مع نظيره السوداني ورئيس الوزراء الإثيوبي، ولا يعلم شيئا عن بنودها! والوثيقة صحيحة طالما لم يطعن فيها الوزير لدى القضاء.

وأصبح سد النهضة عملا مشروعا يحظى بالتمويل الدولي والدعم الفني، وتسارعت خطوات البناء حتى أصبح أمرا واقعا يهدد أمن مصر المائي على هذا النحو الكارثي وينتقص من حصة مصر في مياه النيل التي ظلت معتبرة ومستقرة عبر التاريخ ولا تحتاج لتوقيع اتفاقيات إضافية!

بعد التوقيع على هذا الاتفاق الغامض، استسلم السيسي لسياسة الاسترخاء التفاوضي واستنزاف الوقت، التي انتهجها المفاوض الإثيوبي، ليفوز الأخير بسياسة الأمر الواقع بدون أي مكاسب مصرية في ظل ماكينة إعلامية تطبّل للجنرال وتخدع الشعب المنكوب.

وظل يمارس سياسة التخدير طوال عشر جولات من المفاوضات العقيمة حتى خرج على الشعب في ديسمبر/ كانون الأول 2015 ليقول في حزم “سد النهضة مسألة حياة أو موت”، ثم يعقب في استهتار “ويجب الالتزام بالمفاوضات وقبول سعي إثيوبيا لتحقيق مصلحتها”، ثم يخاطب الشعب بهزل “اطمئنوا يا مصريين، الأمور تسير بشكل جيد ومطمئن، وأنا مضيعتكوش قبل كده عشان أضيعكم تاني”، وبعدها يعد المصريين بمعالجة مياه الصرف الصحي معالجة ثلاثية لتكون صالحة ليس للزراعة فقط ولكن للشرب أيضاً!!

وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، الدكتور محمد نصر الدين علام، وهو من أنصار الجنرال السيسي، أكد في جريدة اليوم السابع، في 12 ديسمبر 2015، أن المفاوض المصري في ملف سد النهضة الإثيوبي ارتكب أخطاء فنية وسياسية جسيمة على طول مسار المباحثات الثلاثية الفاشلة، وتنازلت مصر عن النص على الحصة المائية فى إعلان المبادئ، وتنازلت عن النص على التفاوض على سعة السد، فلم يتبق إلا الإقالة الفورية لكل من شارك في هذا التهريج ومحاكمتهم وتغيير مسار المفاوضات قبل حلول الخراب! لكن كان هذا التهريج من خلف ظهر الجنرال السيسي! بالطبع لا بل هو مسؤول مسؤولية سياسية ومشارك في هذه المفاوضات التي يسميها الدكتور علام تهريجاً.

الإجراءات التي أعلنها وزير الموارد المائية والري الخاصة بترشيد استهلاك المياه لأغراض الزراعة والري من خلال تحديث أساليب الري التقليدية، مثل الري بالغمر، واستبدالها بوسائل الري الحديثة، مثل الري بالرش والتنقيط، غير علمية، لأن أراضي الوادي القديم والدلتا لا يناسبها سوى الري بالغمر! أما الري بالرش والتنقيط فيؤدي إلى تملّحها وتدهور إنتاجيتها ولا يناسب إلا الأراضي الرملية، وهي معلومة يعرفها المزارع البسيط والمهندس الزراعي ولا أظن أن الوزير يجهلها!

محاربة الجنرال للأرز

تشدد الجنرال السيسي تجاه مزارعي الأرز وفرض الغرامات عليهم رغم أنه المحصول الاستراتيجي الوحيد الذي تكتفي مصر منه ذاتياً ويزيد سعره في السوق العالمي عن الألف دولار للطن، هي سياسة قديمة ابتكرها الدكتور يوسف والي وزير الزراعة في حقبة مبارك، لإرضاء الأميركان على حساب الأرز المصري، المنافس الأكبر للأرز الأميركي قصير الحبة.

وأصناف الأرز المصرية المحسنة بواسطة علماء مركز البحوث الزراعية هي الأقل استهلاكاً للمياه والأقصر عمراً في الحقل، ومع ذلك لا تسمح الحكومة بزراعة الأصناف الأقل استهلاكا للمياه كما سمحت لمزارعي الموز الذي يستهلك ستة أضعاف الأرز من المياه! ورغم أن زراعة الأرز ضرورة في أراضي الدلتا القريبة من البحر المتوسط بسبب محتواها العالي من الملوحة والتي لا يعالجها إلا محصول الأرز، يحارب النظام زراعته.

في المقابل، لا يهتم النظام بتخفيض مساحة الزراعات الشرهة لاستهلاك المياه، مثل الموز، الذي يزرعه كبار المستثمرين، والبرسيم الحجازي الذي تزرعه القوات المسلحة ثم تصدره لدولة الإمارات المؤيدة للجنرال السيسي في انقلاب الثالث من يوليو. كما لا ينزعج النظام من منتجعات الطريق الصحراوي المملوكة لرجال الأعمال والمسؤولين النافذين، وهي الأشد استهلاكاً للمياه في حمامات السباحة ومسطحات النجيل بالمخالفة للأغراض الزراعية لهذه الأراضي بعد أن حرموا منها المزارعين البسطاء.

وتشديد الجنرال السيسي على عدم تصدير الأرز قبل الموسم بشهر واحد يهوي بسعر المحصول ويكبد المزارعين خسائر فادحة لصالح تجار مقربين من النظام، كما حدث العامين الماضيين، ثم سمح بتصديره بعد شراء المحصول من المزارعين بسعر بخس. وفي حين تدفع الحكومة حوافز مالية لمصدري المحاصيل غير الاستراتيجية من كبار رجال الأعمال، مثل البرتقال والفراولة والبطاطس، تفرض رسم تصدير قدره 250 دولارا عن كل طن أرز لا يعود منه دولار واحد على المزارعين الفقراء الذين أنتجوه ويعتبره حق الدولة!

تخفيض مساحة الأرز إلى مستوى 700 ألف فدان فقط يضر بالأمن الغذائي المصري ويمهد لاستيراد الأرز الرديء، ويزيد من معدلات الفقر الريفي على النحو الذي حدث في القطن. خفضت الحكومة المساحة العام الماضي فوصل سعره إلى عشرة جنيهات بعد أن كان سعره التمويني جنيه ونصف الجنيه أيام الدكتور مرسي!

لقد كان يوسف والي أكثر عطفا على المصريين من النظام الحالي، بتخفيض مساحة الأرز إلى مليون و200 ألف فدان، ولكن عام 2030، فإذا بالسيسي يخفضها إلى 700 ألف فدان في 2017، ثم يتوعدهم بالغرامة والسجن إذا هم زرعوه برغم إلغاء الحكومة نظام الزراعة الإلزامية!

لم يجد الجنرال السيسي سوى المزارعين الفقراء ليحملهم تكاليف فشله في أزمة السد ويجبرهم على إطعام الشعب الأرز التمويني رخيصا وأن يدعموا الحكومة، وهو دور هيئة السلع التموينية، ثم يحرمهم من زراعته لصالح الأرز الأميركي، وهو المحصول النقدي الوحيد الناجح لدى المزارع المصري، وقد حقق أعلى إنتاجية منه على مستوى العالم لسنوات عديدة بعد تخريب القطن والقمح وقصب السكر.

لو كان الجنرال السيسي جادا في حل أزمة نقص المياه لطبق الدورة الزراعية الإلزامية التي يرفض وزراء زراعته تطبيقها، ولو فعلوا لوفرت ربع استهلاك مياه الري ولزاد الإنتاج الزراعي بنسبة 30%. ولو كان جادا في تنمية الزراعة المصرية لبدأ بتطوير الري الحقلي ورفع كفاءته من 45% الآن إلى 75%، ما يوفر 40% من مياه الري، ما يمثل 16 مليار متر مكعب من مياه النيل، وهي ضعف الكمية المطلوبة لري كل مساحة الأرز اللازمة لاكتفاء مصر ذاتيا منه.

ولو كان الجنرال السيسي جادا بالنسبة للمزارعين لما خفض ميزانية مركز البحوث الزراعية، عقل الزراعة المصرية، إلى 3 ملايين جنيه وقد كانت 250 مليونا قبل عام 1982، ولما بدأ في خصخصة بنك التنمية الزراعي، قلب الزراعة المصرية النابض، ولما حارب زراعة الأرز ولما أوقف قرار الدكتور مرسي بإسقاط الديون عن الفلاحين.

وتقارير البنك الدولي تشهد أن 80% من الفقراء في مصر هم من صغار المزارعين، ووزارة الزراعة تعترف أن هذه الفئة من المزارعين هي من تنتج 85% من المحاصيل الأساسية، من قمح وأرز. طريق التنمية معروف لكنه بالتأكيد ليس الطريق الذي يسلكه الجنرال السيسي!

المصدر | عبد التواب بركات | العربي الجديد