الجيش المصري.. لعبة الدم والكنز

على مدى السنوات العديدة الماضية، أجريت مقابلات مع السكان المحليين في سيناء الذين قالوا إن الرجال المكلفين بحمايتهم كانوا بدلا من ذلك يقتلونهم. وحتى الأسبوع الماضي، كان الدليل الوحيد هو الفيديو الذي أظهر مجندين مصريين يسيئون معاملة سكان سيناء جسديا ولفظيا.

كل ذلك تغير في 19 نيسان /أبريل، عندما عرض شريط فيديو بثته قناة مكملين،وهي قناة تلفزيونية مؤيدة للإخوان المسلمين مقرها في تركيا. وحوى الشريط مشاهد مروعة للجنود الذين يعدمون عددا من المصريين بدم بارد.

في الأيام التي تلت ذلك، أشارت تقارير صحفية وتقارير عن مؤسسات حقوق الإنسان إلى أن الرجال الذين أعدموا بالرصاص قد يكونون نفس الرجال الذين ظهروا في فيديو في ديسمبر/كانون الأول 2016، أصدرته وزارة الدفاع. وادعى مسؤولون مصريون أن الفيديو أظهر «إرهابيين» قتلوا خلال عملية لمكافحة الإرهاب في شمال سيناء.

لم تكن الجرائم المروعة و الفظائع التي ظهرت في شريط الفيديو سوى بعض الجرائم التي يقوم بها الجيش ضد المصريين. وبوضوح، فإن الجيش، الذي يجب أن يكون واجبه الأساسي حماية مصر من جميع الأعداء، يتهم بالاستفادة من المليارات من الدولارات بسبب الهيمنة الاقتصادية التي لا يستطيع كثير من الناس تفهمها.

ويعيش الكثيرون من قيادة هذا الجيش في مستوى رفاهية عالية مستغلين اقتصاد البلاد، بينما يعيش عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر أو فوقه بقليل. هذه هو حكاية شعب للجيش وليس جيش للشعب.

آخر هدية للجيش

مثل عبد الناصر، أنور السادات، وحسني مبارك قبله فإن «عبد الفتاح السيسي» هو أحدث هدية من المؤسسة المصرية العسكرية للمصريين.

في مؤسسة للجيش، تعد الأسرار هي أساس اللعبة: فميزانية الجيش المصري لا تخضع للتدقيق ولا تخضع للضريبة. وتتراوح تقديرات مؤسسة الجيش لنفوذها الاقتصادي بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني ولكنها تصل في الحقيقة إلى 40%. ومن خلال الاستماع إلى «السيسي» فإن هذا الرقم هو أقرب إلى 1.5%، وإذا كانت نسبة 1.5 في المائة صحيحة، فإن الميزانية ستتراوح ما بين 20 إلى 30 مليار جنيه مصري (1.66 مليار دولار — 2.77 مليار دولار)، استنادا إلى إجمالي الناتج المحلي للعام 2015–2016.

ومع ذلك، خلال تلك السنة، تعاقدت مصر مع ألمانيا لشراء أربع غواصات هجومية. وتفيد التقارير أن ثمن اثنتين فقط منها أكثر بقليل من مليار دولار، وهو ما يفند ادعاءات الرئيس.

يرى «السيسي» أنه من أجل تحقيق الاستقرار في البلاد لابد أن يضمن سيطرة القوات المسلحة المصرية على الاقتصاد، وذلك من أجل الحصول على دعمها السياسي ومكافأتها على ما يعتقد بعمق أنها كفاءة لا مثيل لها.

وقالت «ميشيل دن»، وهي متخصصة في الشؤون المصرية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، للجنة فرعية في مجلس الشيوخ الأمريكي هذا الأسبوع إن هذه التكتيكات التي يعتقد «السيسي» أنها تعززه قد تأتي بنتائج عكسية. هذه الحكومة التي «تتبنى هذه السياسات تعد بعدم الاستقرار المزمن … ويمكن أن تتجه بالبلاد نحو الاضطرابات».

ويعترف «السيسي» بسياساته التي تسبب الغضب .ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، خلال خطاب غير رسمي ، أوضح «السيسي» أنه يدرك غضب الطبقة الوسطى على ارتفاع الأسعار. وإذا ألقي اللوم عليه، فإنه مستعد للمغادرة. وفي اليوم التالي، كان الوسم رقم واحد بين المصريين على تويتر «مش عايزين السيسي».

وعلى الرغم من أن «السيسي» هو المسؤول عن فوضى الاقتصاد المصري، فقد أوضح أن القادة السابقين، الذين يفتقرون إلى الشجاعة قد فشلوا في إجراء الإصلاحات الضرورية، وهم من يجب أن يلقى عليهم اللوم. وفي الشهر الماضي، ومع استمرار الانهيار الاقتصادي، بلغ معدل التضخم 30.9 % للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود.

ولكن إذا كان المسؤول رقم واحد وراء الجرائم الاقتصادية في مصر هو «السيسي»، فإن المشتبه الثاني هو الجيش.

توسع هائل

القوات المسلحة المصرية هي «البوابة الرئيسية» للاقتصاد المصري وللوصول إلى قلب القضية، يجب فتح قبوها السري. ومع ذلك، فإن الجيش لن يفتح هذا الباب أبدا.

في عام 2012، وفي مناخ سياسي مختلف تماما كانت تغذيه الثقة الثورية، أجبر الجيش على الإفراج عن الأرقام التي أظهرت الإيرادات السنوية للشركات التي يسيطر عليها الجيش وهي حوالي 198 مليون دولار. وإذا كنت لا تجد هذا الرقم منخفضا بشكل مثير للضحك، فإنك تحتاج فقط أن تنظر إلى رقم الإيرادات البالغ 345 مليون دولار للسنة المالية 2009–2010 التي استشهد بها «سيد مشعل»، وزير الإنتاج العسكري السابق، لإثبات نجاح الأعمال التجارية الخاصة بالجيش.

ومن الواضح أن أرقام الجيش التي تم الإفراج عنها علنا كانت أقل بكثير. ولكن كيف يمكن للباحثين والمحللين على حد سواء الالتفاف على الخداع العسكري للحصول على صورة أكثر دقة؟

كثيرا ما تؤدي محاولات عديدة للحصول على معلومات مستقلة، أو حتى تفاصيل مالية للجيش، إلى روابط ميتة أو صفحات محذوفة من المقالات التي كانت موجودة في السابق. إذا كان الجيش ليس لديه ما يخفيه، فلماذا نجد هذه الطرق المسدودة؟

منذ عهد «جمال عبد الناصر»، توسع الجيش ليصبح مزود الخدمات الأول في مصر، مما جعل رفاه الاقتصاد يعتمد عليه. وساعد السادات في الخروج من هذا النموذج إلى حد ما، لكن «مبارك» أعاد الأمر بالكامل كهدية خلف الكواليس إلى المجمع العسكري، لكي يغض الطرف عما كان سيفعله في نهاية المطاف: وهو النقل غير المشروع للسلطة إلى ابنه «جمال».

ومع ذلك، وفي ظل «السيسي»، توسعت الأدوار المزدوجة للجيش بما يشمل تقديم الخدمات وتضخم الجيش في القطاع الصناعي على نطاق واسع.

كان لمشروع قناة السويس الجديدة على رأس قائمة طويلة من المشاريع التي تم تسليمها إلى الجيش الذي تمتد أعماله إلى تعبئة المياه والمخابز ومحطات الوقود ومعاملات الأراضي والفنادق وبعض من أكبر تكتلات الشحن في العالم و العمل البنكي.

ومن مظاهر تعقيد الإمبراطورية الاقتصادية للجيش، امتداده في العديد من الصناعات الأخرى مثل تغليف المواد الغذائية، ومصانع الصلب، ومصائد الأسماك، ومصانع المستحضرات الصيدلانية، حيث يغذي ذلك بمورد هائل وهي: العمالة الرخيصة التي يوفرها المجندون البالغ عددهم 500 ألف شخص.

لذلك يمكن للقوات المسلحة المصرية تقديم العطاءات على أي مشروع متوسط أو كبير أو ضخم ويمكن أن تفوز بشكل كبير في ظل أي مسابقات تنافسية، على الرغم من أن هذه المنافسة هنا بالكاد موجودة. والأخطر هو ارتباط ذلك بالخطط العسكرية وهو ما يشكل ضغوطا كبيرة ويضع الجيش كشريك صامت.

كان هناك سرا معروفا من قبل الكثيرين ولا يعترف به أحد تماما وهو أن عائلة مبارك التي يرأسها أبناءه «جمال» و«علاء» كان يتم إدراجهم كشركاء، بدون رأس مال، كتكلفة لممارسة الأعمال التجارية. ويقال إن الجيش، خلال حكم «السيسي»، يتمتع بميزة مماثلة.

العرق والدم

في عام 2011، عندما ثار المصريون، لم يكن ذلك مجرد تمرد ضد «مبارك»، ولكن، في نظر المراقبين كان ذلك أيضا ضد نظام كان فيه الجيش هو الحاكم الفعال.

ولتحقيق النجاح، كانت الثورة ستحتاج إلى إحداث تغييرات هيكلية لتهميش الجيش، اقتصاديا وسياسيا.

بدلا من ذلك، ومنذ تلك الأيام المليئة بالاضطرابات الشعبية، قاد الجيش الثورة المضادة التي كانت أهدافها الأولية لا شيء سوى السيطرة الكاملة على كل من الاقتصاد والسياسة، مدفوعا بالنهم المالي والمصالح الشخصية لمجموعة النخبة التي تقوده.

لكن الجيش لم يتعلم من التاريخ: فالمكاسب القصيرة والمتوسطة، مهما كانت كبيرة، يمكن أن تؤدي إلى خسائر طويلة الأجل. إن الظلم المتأصل في الهيمنة الاقتصادية والسياسية يمكن، في حد ذاته، أن يكون سببا للاضطرابات التي سعى الرجال الذين يحملون أسلحتهم إلى إبطالها منذ عام 2011.

كنت قد حذرت بعد الثورة بثمانية أيام بأن من يملك خمس الكعكة لن يذهب بهدوء. لكنه سيقمع المحاولات كلها للحفاظ على تلك السيطرة الاقتصادية، وهذا ما حصل فعلا.

إن تحليل الحالة الراهنة للاقتصاد العسكري لا ينذر سوى بعدم الاستقرار بالنسبة لأولئك الذين يسيطرون. وبغض النظر عن الكيفية التي تتم بها الأمور فإن كلمات الجنرال المسؤول عن الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية ستظل حاضرة: الإمبراطورية العسكرية الاقتصادية هي «عرقنا، وسوف نحميها بدمائنا».

المصدر | عمرو خليفة — ميدل إيست آي