«الحشد الشعبي»..هل يؤجل «تحرير الموصل»؟

تكاد قرية «بشير» الواقعة في شمال العراق، أن تكون قد سويت بالأرض، بسبب الحرب. والقرية الآن عبارة عن منازل مهجورة محاطة بأكوام من القمامة، تقوم على امتداد شوارع هادئة بشكل مخيف. للوهلة الأولى، تبدو القرية وكأنها غير مسكونة، ولكن من حين لآخر، يظهر طفل جاد الملامح في مدخل أحد الأبواب. وعندما سرت في أحد الأزقة المتربة، رأيت طفلاً يلهو بسلك كهربائي ممتد على الأرض، ويخرج منه شرر كثيف، يتراقص عبر الزقاق.

يبرز رجل من مبنى قريب، وهو يدفع عربة يد، مليئة بالأحجار المتكسرة. هذا الرجل كان قد عاد إلى قرية «بشير» بعد أن حررتها قوات «البشمركة» الكردية في شهر مايو من أيدي «داعش» بعد معارك شرسة بمساعدة من «قوات الحشد الشعبي»، وهي عبارة عن مجموعة من المليشيات الشيعية، المكونة من مقاتلين متطوعين، وترتبط بعلاقات مختلفة الدرجة مع إيران.

ولكن البشمركة تخلت، عقب تحرير«بشير»، عن سيطرتها على القرية التي يسكنها تركمان شيعة، وعهدت بها إلى قوات «الحشد الشعبي»، المسؤولة بشكل تام الآن عن شؤون الإدارة، والأمن في القرية.

توقف الرجل الذي يدفع عربة اليد ليقول لي:«لست خائفاً.. داعش قد تهاجمنا في بعض الأحيان، ولكن قوات«الحشد الشعبي» موجودة هنا من أجل حمايتنا. بالإضافة لذلك، كان قد مضى علينا عامان منذ أن هربنا من القرية، ولم نعد قادرين على دفع إيجار المسكن الذي كنا نقيم فيه في كركوك، ولم يكن أمامنا مفر سوى العودة لديارنا مرة أخرى».

مظاهر وجود قوات «الحشد الشعبي» في القرية، لا يمكن أن تخطئها العين. فالعلم المكون من ثلاثة ألوان هي الأصفر والأخضر والأسود المميز لـ«منظمة بدر»، إحدى أبرز المجموعات التي تتشكل منها قوات الحشد الشعبي، يرفرف على الكثير من المباني هنا. وهذا العلم يشبه علم «حزب الله»، المنظمة الشيعية اللبنانية القوية، التي يتحدث عنها رجال «منظمة بدر» بمزيج من الإعجاب والحسد.

وكما هو الحال مع «حزب الله»، يبرز نفوذ إيران على «الحشد الشعبي» بشكل واضح في «بشير» أيضاً، وهو ما يتضح من البوسترات العديدة لآية الله الخميني، وعلي خامنئي المرشدين الأعليين السابق والحالي للثورة الإسلامية، التي تنتشر في مختلف أنحاء القرية.

«الحشد» وتجربة «بشير»

في الوقت الذي تستعد فيه القوات العراقية لعملية تحرير الموصل، معقل«داعش الأخير» في العراق، تهدد الصلاحيات الآخذة في التزايد لقوات «الحشد الشعبي»، بالإضرار بالعلاقات بين واشنطن وبغداد. فالمسؤولون الأميركيون مازالوا يشكون في قوات «الحشد الشعبي»، التي تشكلت بناء على فتوى دينية، من قبل رجل الدين الشيعي العراقي الأبرز «آية الله على السيستاني».

سبب هذا الشك أن معظم الهجمات التي قامت بها ميليشيات هذه القوات، ترافقت مع تقارير، تفيد أنها قد تورطت في عمليات تطهير عرقي في المناطق السنية، فضلاً عن حقيقة أن الكثير من المجموعات الشيعية المدعومة من قبل إيران، لا تتردد في إظهار عدائها العلني للولايات المتحدة.

كنتيجة لذلك، بذل التحالف المضاد لـ«داعش»، الذي تقوده الولايات المتحدة، قصارى جهده، من أجل منع المليشيات الشيعية من الاستفادة من أي مساعدة يقدمها. ففي المعركة من أجل استرداد قرية «بشير» على سبيل المثال، رفض التحالف، تقديم أي إسناد جوي لقوات الحشد الشعبي، وقام بدلاً من ذلك بطلعات لتغطية مواقع قوات البشمركة الكردية فقط.

نفوذ يتزايد

بيد أنه تبين بجلاء للمسؤولين الأميركيين، أن الحديث عن عزل قوات الحشد الشعبي، أسهل كثيراً من القيام بذلك على أرض الواقع. فالمنظمة التي ينضوي تحت لوائها مجموعات أخرى أصغر حجماً، باتت الآن تابعة بشكل رسمي للجيش العراقي، بسبب قرار اتخذه رئيس الوزراء حيدر العبادي خلال الصيف الماضي.

وهذه الخطوة، من جانب رئيس الوزراء العراقي، وفرت للحشد الشعبي قدرة كبيرة على الحصول على ما تحتاج إليه من موارد، من خزينة الحكومة العراقية (بموجب مستندات، حصلت تلك الميلشيات على حوالي مليار دولار من الميزانية الاتحادية).

إلى ذلك، تشير تقارير، إلى أن هناك مسؤولين في وزارة الداخلية العراقية، قد باتوا تحت إمرة «الحشد الشعبي» ومع تزايد عدد العمليات الناجحة التي تقوم بها هذه المليشيات ضد «داعش» في أماكن مثل بغداد، وتكريت، وبيجي، بات من الواضح بشكل كافٍ أنها تحولت إلى قوة يجب أن يُحسب حسابها.

لكن الحقيقة هي أن انتصارات «الحشد الشعبي»، قد أمكن تحقيقها بواسطة بعض أعداء أميركا اللدودين، الأكثر خطورة في العراق. فنائب رئيس قوات «الحشد الشعبي» هو «أبو مهدي المهندس» المصنف من أميركا باعتباره إرهابياً والذي يقود مليشيا «كتائب حزب الله» المدعومة من إيران.

يقول مايكل نايتس، الزميل بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى:«نحن- الولايات المتحدة- لا نستطيع العمل مع كتائب حزب الله التي لم تكتف بقتل الكثير من جنودنا في حرب العراق الأخيرة، ولكنها تستمر في العمل كوكيل يقوم بالدعم المباشر لفيلق الحرس الثوري الإسلامي المدعوم بدوره من قبل إيران». ويواصل نايتس حديثه قائلا:«هؤلاء الأشخاص يريدون تحويل العراق إلى- جمهورية العراق الإسلامية- التي لن تكون خاضعة لقيادة بعض الملالي في النجف، وإنما لقيادة علي خامنئي في إيران».

ويأمل النائب سيث مولتون (ديمقراطي- ماساتشوستس) وهو من المحاربين القدماء الذين قاتلوا في العراق، أن يتم تقليص قدرات الحشد الشعبي بدرجة كبيرة، بمجرد هزيمة داعش.

وقد قام مولتون مؤخرا، بوضع خطة لتحقيق السلام والاستقرار في العراق على المدى الطويل، تقوم على الدعوة لتكثيف العون العسكري الأميركي للعراق وربطه بالتقدم الذي يتم تحقيقه في المجال السياسي.

لتوضيح الأمر أكثر يقول:(لم يعد كافياً أن نهزم داعش، وإنما يحتاج الأمر منا إلى العمل من أجل إدامة السلام. فهذا هو الجزء الذي كان غائباً عنا بشكل مستمر، ويتعين علينا أن نجد حلاً له في الوقت الراهن. وما نحتاج لعمله في المقام الأول في هذا الشأن، هو تقليص النفوذ الطائفي للحشد الشعبي، والطرق التي يقومون بها بتهميش السنة. فلو كنا قد تجنبنا ذلك منذ البداية، لما وصلنا للوضع الذي نجد أنفسنا فيه اليوم).

انعدام الثقة

ولكن على الأرض، في شمال العراق، نجد أن مقاتلي «الحشد الشعبي» ليس لديهم النية لإطاعة إملاءات السياسيين في واشنطن. فعدم الثقة هو الشعور السائد بين الطرفين- وهو شعور ليس بالمستغرب من نواحٍ عديدة، خصوصاً إذا أخذنا في اعتبارنا التاريخ المتوتر للتورط الأميركي في العراق.

في كافتيريا عشوائية، أقيمت في نقطة متقدمة قريبة من مدينة (طوز خرماتو)، التي تقع على بعد ساعتين بالسيارة شمال العاصمة بغداد، تجمع 15 من المقاتلين التابعين لـ«منظمة بدر»، لتناول طعام الغداء. وكما هو معتاد في هذه المنطقة، قام المقاتلون بخدمة أنفسهم، وجلسوا على الأرض، لتناول الغداء المكون من أكوام من الأرز، الذي يتصاعد منه البخار، وسلطانية كبيرة تحتوي على خضار باللحم.

بعد أن انتهى هؤلاء المقاتلون من تناول الطعام، وغسلوا أيديهم، انخرطوا في مناقشة حامية، حول نظرة الولايات المتحدة إلى قوات «الحشد الشعبي». وقال أحد هؤلاء المقاتلين: (نحن لسنا في حاجة إلى دعم أميركا).وأضاف: الحشد الشعبي لم يحصل أبداً على دعم من الولايات المتحدة منذ البداية، وإنما حصل على دعم مباشر من بغداد، علاوة على أن المستشارين الإيرانيين، موجودون هنا).

ادعاءات زائفة

قابلت «عبد الحسين محمد» وهو رجل أشيب الشعر في الستين من عمره، يشغل منصب نائب «منظمة بدر» في المنطقة الواقعة قرب قرية «بشير»، في مكتبه الكائن داخل قاعدة «الحشد الشعبي». يصر الرجل على أن المجموعة لم تشارك في العنف الطائفي ضد السُنة. ويقول عن ذلك إن معظم المناطق التي دافعنا عنها كانت مناطق سُنية. لكن الدليل على عدم صحة هذا الادعاء، واضح تمام الوضوح.

فالتقارير الإخبارية التي خرجت عقب معركة استرداد الفلوجة، وطرد قوات «داعش» منها في نهاية المطاف، تصف المعاملة الوحشية للمدنيين السنة من قبل بعض المجموعات- على الأقل- التابعة لقوات «الحشد الشعبي»، علاوة على أن منظمة «هيومان رايتس ووتش» كانت قد قامت عدة مرات من قبل، بإدانة تصرف المليشيات الشعبية خلال المعارك.

ويقول «ريناد منصور» زميل «مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي» إن المشكلة الأساسية التي تعاني منها قوات الحشد الشعبي هي سوء التنظيم. فحتى إذا أصدر المسؤولون الكبار أوامر بعدم إساءة معاملة المدنيين السُنة، فإنهم يجدون أنه من الصعب للغاية، وضع هذه الأوامر موضع التنفيذ الفعلي، من قبل الجماعات المتعددة التي تقع تحت قيادتهم حقاً، ولكن من الناحية الاسمية- وليس الفعلية.

يقول منصور عن ذلك: (المشكلة مع قوات الحشد الشعبي، هي أنها ليست منظمة واحدة تعمل تحت قيادة واحدة، وإنما هناك منظمات عديدة، وكلها قوية للغاية، بما في ذلك لواء بدر، ولكنها لا تستطيع مع ذلك، التحكم في تحديد إلى أين تذهب الجماعات الأخرى، ولا التحكم في ما تفعله).

ومقاتلو «بدر» في الموقع المتقدم بالقرب من (طوز خرماتو)، يبدون متلهفين لبدء الهجوم على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق- وإن ليس بنفس درجة تلهف الأميركيين.

يقول أحد قادة المقاتلين: (من الواضح أن الولايات المتحدة تحاول تسريع القيام بعملية الموصل بسبب الانتخابات الرئاسية… ولكن توقيت الهجوم في يد الحكومة العراقية، وقوات الحشد الشعبي، وليس في يد الأميركيين).

في واشنطن يعمل الخبراء والسياسيون، من أجل إثبات عدم صحة ما يقوله هذا القائد. ف«نايتس» يعتقد أن دور قوات الحشد الشعبي يمكن أن يختزل في مجرد دور رمزي في معركة استرداد الموصل. ويقول: (هم يريدون أن تلتقط صور لقادتهم في الموصل كي يحصلوا على ما يريدون من دعاية).

ويعتقد «نايتس» أن القتال الحقيقي سيكون بقيادة الجيش العراقي، أما «مولتون» فهو يرغب في تأجيل عملية تحرير الموصل، إذا كان ذلك سيؤدي لتمكين واشنطن من الضغط على الحكومة العراقية، للبدء في إجراءات الإصلاحات اللازمة لتقليص نفوذ قوات الحشد الشعبي.

وخطة عضو الكونغرس في هذا الشأن، تقوم على تقديم حوافز مالية للحكومة العراقية، لإقناعها بالابتعاد عن الحشد الشعبي، وزيادة الاستثمار في مجال تطوير الوجود العربي السُني في الحكومة والجيش- وهي خطوة يمكن ألا تكون مقبولة لدى المجتمعات العراقية الأخرى، إذا ما أخذنا في الاعتبار، الاستياء الذي شعرت به تلك المجتمعات، جراء الأعداد الكبيرة من السنة العراقيين، الذين التحقوا بقوات داعش، كرد فعل على تهميشهم من قبل الحكومة التي يقودها الشيعة.

* سلوم أندرسون محللة سياسية أميركية

المصدر | سلوم أندرسون | خدمة «واشنطن بوست وبلومبرغ نيوز» — ترجمة الاتحاد الظبيانية