الدعوة للإضراب في السعودية .. فشل بطعم النجاح

على أرض الواقع يمكن القول إن الدعوة التي دشنها ناشطون سعوديون بالمملكة العربية السعودية على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، للإضراب عن العمل، قد فشلت بالفعل، غير أن مراقبين يرون أن الدعوة لاقت نجاحا معنويا كبيرا.

وذهب هؤلاء المراقبين إلى أنه مجرد إطلاق مثل هذه الدعوة في السعودية، وترحيب الكثير من الناشطين بها بل والترويج لها، هو نجاح في حد ذاته، لا سيما مع القبضة الأمنية المشددة التي لا تخفى على أحد في المملكة.

كما استند هؤلاء أيضا في مبرراتهم للنجاح الذي وصفوه بـ«المعنوي» للدعوة للإضراب، إلى حجم استعدادات وزارة الداخلية السعودية خوفا من تحول تلك الدعوة إلى واقع، علاوة على الترويج للدعوة في وسائل الإعلام السعودية بشكل غير مباشر، عبر التحذير من الانضمام أو تأييد مثل هذه الدعوة.

وكان ناشطون على «تويتر» قد دشنوا وسما بعنوان «#اضراب_الشعب_يوم_الأحد (أمس)»، دعوا خلاله إلى الإضراب عن العمل لمدة 3 أيام احتاجاجا على الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد.

ولم يعرف حتى الآن من يقف وراء الدعوة والتي أعلن مؤيدوها استمرارها من يوم أمس الأحد، ولمدة 3 أيام.

غير أنه مع بداية يوم أمس، نشر العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة، صورا ومقاطع فيديو، إضافة لتدوينات، وهم في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية الأحد، في تحد للداعين للإضراب.

وتداول النشطاء على موقع «تويتر»، وهو الأكثر انتشارا في السعودية، وسم #أنا_مداوم_يوم_الأحد، لتسجيل حضورهم في العمل.

وحسب مراقبين، فإن مثل هذه الدعوات قد تكون أحد أشكال التعبير الاحتجاجي الذي قد يتزايد لاحقا، بسبب السياسات السعودية الاقتصادية التقشفية الأخيرة، رغم عدم تحقيق أهدافها حتى اللحظة.

الداخلية السعودية كانت أحد أسباب النجاح المعنوي للدعوة إلى الإضراب عندما ضخمت الموضوع واهتمت به بشكل كبير، بإصدارها بيانا أكدت فيه أن آلاف الحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي تدار من الخارج عبر منظمات متخصصة تستهدف الإساءة للملكة ومحاولة زعزعة استقرارها.

أسباب الفشل على الأرض

أما عن أسباب فشل الإضراب على الأرض وهو الأمر الذي كان متوقعا، لاسيما أنها تعد الدعوة الأولى من نوعها التي تشهدها المملكة، الغير معتادة على هذه الأمور والتي تسعى لمحوها من أدبياتها، فإنه يمكن حصر تلك الأسباب في ثلاثة.

ولعل السبب الأول هو غياب ثقافة الإضراب عن أدبيات السعوديين، فربما تكون هذه الدعوة غريبة لدى الكثيرين الذين لم يشهدوا مثلها من قبل، لأساب عدة لعل من بينها تحريم الكثير من الدعاة السعوديين لهذه الدعوة والأنشطة، ما جعل هذا الأمر مستقرا في عقيدة الكثيرين، بل إن البعض يحرم النشاط السياسي بالإجماع.

ولعل مطلقي الدعوة كانوا يدركون ذلك، ولهذا لم يعولوا على كثيرا على النجاح، وكان هدفهم تحريك المياه الراكدة منذ سنوات.

وفي سياق الحديث عن أسباب فشل الدعوة للإضراب لا يمكن إغفال القبضة الأمنية الكبيرة في البلاد، حيث يعلم الجميع أن هناك من سيرصد المتغيبون عن العمل في هذه الأيام، وربما يتطور الأمر إلى تحليل سبب الغياب عن العمر والتحري والتقصي حول هذا السبب.

وهذه القبضة الأمنية يشعر بها الجميع في المملكة، بل يبررها الكثيرون، لا سيما مع العيش على نغمة محاربة الإرهاب والتطرف، تلك النغمة العابرة للحدود في الوطن العربي، والتي ربما لا يستطيع أي نظام على الأقل حاليا أن يعيش من غيرها.

أما السبب الثالث الذي يمكن ذكره في هذا الصدد، هو عدم وجود أو وضوح جهة راعية لتلك الدعوة، وهو ما قد يثير الريبة لدى البعض في الانضمام إليها، علاوة على أن غياب الحاضن لمثل هذه الدعوات بحسب الكثير من المراقبين، يجعلها محكوم عليها بالفشل قبل بدايتها.

ومع هذا وذاك يبقى تحريك المياه الراكدة في هذا الملف بالمملكة، في حد ذاته، نجاح كبير.

وتعيش السعودية غضبا شعبيا متزايدا، بعد أن قررت السلطات خفض الرواتب واستقطاع راتب 11 يوما بالإضافة إلى تقليل الأجازات، وترافقت هذه الخطوات التقشفية مع رفع أسعار الماء والكهرباء والضرائب، بالإضافة إلى إعلان مسؤولين عن نية الحكومة فرض ضريبة القيمة المضافة.

وأفادت وسائل إعلام بأن المواطنين السعوديين استلموا، الخميس، راتب برج العقرب، وجاء الراتب مخفضا وفقا للأوامر الملكية التي قررت خصم العلاوات من الرواتب، وتراوحت نسبة التخفيض بين 10 إلى 50%، حسب شهادات مواطنين سعوديين.

يذكر أن الدين العام للسعودية بلغ 142 مليار ريال خلال 2015 بعد إصدار سندات حكومية بـ98 مليار ريال استثمرت فيها المؤسسات المحلية.

ويعد حجم الدين العام للسعودية بنهاية 2015 هو الأعلى منذ 2010، حينما كان 167 مليار ريال، وكان يشكل حينها 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 1.96 تريليون ريال.

وارتفع الدين العام خلال 2015 بنسبة 221% عن مستويات 2014 البالغة 44.3 مليارات ريال، الذي شكل 1.6% من الناتج للعام نفسه حينها عند 2.78 تريليون ريال.

وتستهدف خطة التحول الوطني خفض العجز عبر زيادة الدين الحكومي إلى ما يمثل 30% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020، مقارنة بمستويات 7.7% حاليا.

وقد أصدر العاهل السعودي «سلمان بن عبدالعزيز» في 26 سبتمبر/أيلول الماضي، عدا من الأوامر تقضي بخفض رواتب ومزايا الوزراء وأعضاء مجلس الشورى وخفض مكافآت الموظفين في القطاع الحكومي، وذلك ضمن الجهود الرامية لضبط الإنفاق بعد تراجع عائدات النفط.

ونصت لأوامر الملكية على خفض راتب الوزير ومن في مرتبته بنسبة 20%، وخفض مكافأة أعضاء مجلس الشورى بنسبة 15%، وخفض الإعانة السنوية لأعضاء مجلس الشورى لأغراض السكن والتأثيث بنسبة 15% أيضا.

وقضت لأوامر أيضا بخفض نسبة 15% للمبلغ الذي يصرف لأعضاء مجلس الشورى عن قيمة السيارة وما تتطلبه من قيادة وصيانة في فترة العضوية البالغة 4سنوات، وخفض عدد من المكافآت والمزايا لجميع العاملين بالقطاع الحكومي من السعوديين وغير السعوديين.

وشملت القرارات الملكية وقف العلاوة السنوية في العام الهجري 1438 الذي يمتد من أكتوبر/تشرين الأول 2016 حتى سبتمبر/أيلول 2017، طبق ذلك على كل العاملين بالقطاع الحكومي من السعوديين والوافدين، وعلى العاملين بالقطاع العسكري باستثناء الجنود المشاركين في العمليات قرب الحدود الجنوبية وخارج البلاد.

وأمر الملك «سلمان» بخفض الحد الأعلى لبدل ساعات العمل الإضافي إلى 25% من الراتب الأساسي في الأيام العادية، وإلى 50% في أيام العطلات الرسمية والأعياد.

وسيتم خفض إجمالي فترات الانتداب لموظفي الدولة ليصبح 30 يوما في السنة المالية الواحدة، مع وقف صرف بدل الانتقال الشهري للموظف خلال فترة الإجازة.

وجرى العمل بهذه القرارات من نهاية العام الهجري الماضي الذي وافق أول أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

ويقدر محللون أن أجور العاملين في القطاع الحكومي تستحوذ على 50% من ميزانية السعودية، ويمثل البدل في القطاع الحكومي ما يبلغ 30% من دخل الموظف السعودي.

وتعاني المملكة من وضع داخلي متأزم، وتدهور علاقاتها الدولية مع محيطها الإقليمي، فيما تسجل علاقاتها مع الولايات المتحدة تدهورا خطيرا بسبب قانون رعاة الإرهاب، الذي أقره «الكونغرس» الأمريكي الأسبوع الماضي ويتيح مقاضاتها في أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2011.

وقد تراجعت إيرادات السعودية -أكبر مصدر للنفط في العالم- جراء انخفاض أسعار النفط بأكثر من 50% منذ عام 2014، وسجلت المملكة عجزا في الموازنة قدره 98 مليار دولار العام الماضي.

الدولار = 3.7 ريال سعودي

المصدر | الخليج الجديد+ متابعات