السر سيد أحمد يكتب: أوبك في انتظار توازن السوق

رغم تزايد احتمالات تمديد اتفاق خفض الإنتاج لمدة ستة أشهر أخرى عندما تجتمع أوبك في نهاية الشهر الجاري (أيار/ مايو)، وخاصة بعد إعلان الدول الخليجية بقيادة السعودية عن تأييدها للخطوة، إلا أن السوق لم تستجب بعد بالصورة المطلوبة، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مدى جدوى هذا الاتفاق، وفوق ذلك عن قدرة أوبك على التأثير في السوق، خاصة إثر اتفاق خفض الإنتاج أواخر العام الماضي، والذي طبق في الأول من كانون الثاني / يناير الماضي.

حظي الاتفاق بنسبة التزام غير مسبوقة وصلت إلى مئة في المئة حتى الشهر الماضي، وذلك بسبب تحمل الدول الخليجية بنسب خفض أكبر مما التزمت بهن وكذلك لمشاركة الدول خارج أوبك، بقيادة روسيا ومعها عشر دول أخرى، بنسبة بلغت 64 في المئة في آذار/مارس، وهي معدلات قياسية بأي معيار. وتأمل هذه المجموعة أن ترتفع نسبة مساهمتها إلى قرابة مئة في المئة في نهاية فترة الستة أشهر الأولى، لكن موسكو لن تعلن عن موقف بخصوص تمديد اتفاق خفض الإنتاج إلا في اللحظة الأخيرة.

السوق النفطية، وبسبب حالة عدم الوضوح التي تلفها، فهي تتأرجح بين الأساسيات التي تحكم أوضاع الصناعة النفطية والانطباعات الإعلامية والنفسية التي تشكل عاملاً تحريضياً.

ففي الأسبوع الماضي مثلاً، تراجع سعر البرميل بقرابة 8 في المئة إلى ما دون 52 دولاراً لخام برنت البريطاني، وأقل من 50 دولاراً لخام وست

تكساس الأمريكي، وهما يعتبران من مؤشرات السوق الأساسية، وذلك على الرغم من نجاح تطبيق خفض الإنتاج في رفع الأسعار بأكثر من عشرة دولارات للبرميل منذ نهاية العام الماضي.

وهذا ما يعيد البحث إلى موضوع أساسيات السوق، وخاصة في جانبي المخزونات العالية التي لا تزال تمثّل عقبة أمام تحسن أفضل للأسعار، وكذلك استمرار الإنتاج الأمريكي العالي بسبب انتعاش صناعة النفط الصخري.

عامل المخزونات

مصدر القلق الأساسي بالنسبة للمخزونات هو أن تكون في حدود متوسط حجمها لفترة خمس سنوات، لكن حجم المخزونات في دول “منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي” التي تضم الاقتصادات الرئيسية في العالم، ظل عالياً بسبب حالة التخمة التي سادت خلال السنوات الثلاث الماضية، واتجاه الدول المستهلكة إلى الاستفادة من انخفاض الأسعار لشراء الكثير من النفط الرخيص…

رغم أن حجم المخزونات الكلية في شباط / فبراير الماضي تراجع الى أقل من ثلاثة مليارات برميل، أو 2.987 مليون برميل تحديداً، وهو ما يزيد عن معدل السنوات الخمس المستهدف بحوالي 268 مليون برميل.

الولايات المتحدة تمثل مؤشراً تتجه إليه الأنظار عادة وذلك بسبب توفر المعلومات الجديدة عن مختلف جوانب الصناعة النفطية، بما فيها تحركات المخزون، بتحديث غير متوفر في الأسواق الأخرى. كما إنها أكبر اقتصاد، ومستهلك بالتالي، إضافة إلى انتعاش صناعة النفط الصخري فيها. ولهذه الأسباب فإن المخزونات الأمريكية لا تزال عالية إذ وصلت إلى 1.337 مليون برميل، وهو ما يزيد بأكثر من 11 مليوناً عما كان عليه حجمها قبل عام.

وحتى الصين التي تعتبر قاطرة للنمو الاقتصادي ومستهلكاً كبيراً للنفط المستورد، فإن مخزوناتها وصلت إلى 396.2 مليون برميل، بزيادة 12.2 مليوناً عما كانت عليه قبل عام.

وإذا كانت الأسعار المنخفضة قد أسهمت في الإبقاء على المخزونات مرتفعة، فأن التحسن السعري منذ بدء تطبيق اتفاق خفض الإنتاج، وعلى الرغم من محدوديته، إلا أنه أسهم في إعطاء دفعة قوية لصناعة النفط الصخري التي يُقدر لها أن تضيف نحو 300 ألف برميل يومياً إلى الإنتاج الأمريكي هذا العام، يمكن أن ترتفع العام المقبل إلى 500 ألفاً.

بل إن بعض المحللين يرون أنها قد تزيد إلى مليون برميل يومياً في المستقبل القريب، وضعاً في الاعتبار لأعداد الحفارات المتزايدة بانتظام. وقد يبلغ إجمالي عددها 683، أي أكثر من ضعف ما كانت عليه في أيار / مايو الماضي.

إضافة إلى هذا، فهناك عامل خفّض التكلفة ويعتقد أنه في حقول النفط الصخري الكبرى (كما في حقل برميين الذي يمتد من تكساس إلى نيومكسيكو) تراجعت التكلفة تقريباً بحوالي النصف أحياناً، إلى حوالي 40 دولاراً، وكل هذا يعني زيادة في الإنتاج. وإذا استمرت الأمور بمثل هذا المعدل، فإن الإنتاج الأمريكي من النفط يتوقع له أن يبلغ 9.9 مليون برميل يومياً العام المقبل.

من الأساسيات التي يتابعها السوق بانتظام حالة النمو الاقتصادي ومدى استمراريته. ووفقاً لتقديرات المؤسسات المعنية، مثل صندوق النقد الدولي، فإن المؤشرات الماثلة توضح أن حالة النمو الاقتصادي تكاد تكون قد أصبحت متجذرة، ويتوقع للنمو أن يبلغ هذا العام 3.3 في المئة على المستوى العالمي مقابل 3 في المئة لمعدل النمو المتحقق في العام الماضي.

إشارات مقلقة

من ناحية أخرى بدأت تظهر بعض الإشارات المقلقة عن وضع السوق في المستقبل القريب وبما يتعلق بتوفير الامدادات تحديداً. ووفقاً لأرقام حديثة صادرة عن بعض مراكز الأبحاث المختصة، فإن العام الماضي شهد 174 اكتشافاً فقط في ميداني النفط والغاز، وذلك مقابل 400–500 متوسط اكتشاف سنوي حتى العام 2013.

وإن حجم الإنفاق في هذا المجال ظل محافظاً على معدله، وهو 40 مليار دولار في المتوسط السنوي، مقابل 100 مليار كان يتم انفاقها قبل ذلك. وبهذا الحجم فأن نسبة ما ينفق في مجالات استكشاف النفط والغاز تمثل نحو 13 في المئة من إجمالي الإنفاق العام في الصناعة منذ العام 2015، مقابل نسبة 18 في المئة تاريخياً.

وفي العام الماضي، قامت الشركات بحفر 431 بئراً، وهو ما يمثل نحو ثلث ما تم حفره خلال العامين الذين سبقا، وحصلت الشركات على نفط يقدر بنحو 3.7 مليار برميل، وهو ما يقل بنحو 14 في المئة عما تم اكتشافه قبل ذلك بعام، وهو أقل حجم يتم اكتشافه منذ العام 1952.

وهذا الوضع دفع الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، وهي أكبر شركة نفط في العالم، إلى تناول هذه القضية بتركيز الضوء على وضع الإمدادات المستقبلي، مشيراً إلى أن فترة التدهور في أسعار النفط خلال السنوات الثلاث المنصرمة أدت الى سحب استثمارات نفطية كانت معتمدة بقيمة ترليون دولار.

وأضاف (في محاضرة له مؤخراً في جامعة كولومبيا الأمريكية) أن هناك حاجة ماسة إلى توفير 20 مليون برميل يومياً من الإمدادات الجديدة لمقابلة الطلب المتنامي من ناحية وللتعويض عن التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول بسبب تقدم عمرها.

الملاحظ في هذه الرؤية أنها لا ترى في صناعة النفط الصخري الأمريكية تهديداً، ولا ترى أن إمداداتها المتنامية كافية لسد النقص المتوقع في الامدادات، وإنما يمكن أن تصبح مستقبلاً عاملاً مساعداً في كيفية طلبية الطلب المتنامي.

ووضعاً لهذه العوامل في الاعتبار، فإن هناك اتجاهاً من متابعي السوق (إدارة معلومات ي وكالة الطاقة الأمريكية) يرى أنها تتجه إلى التوازن، وقد أضافت هذه الجهة في تقريرها الشهري أن التوازن سيتم عبر الاستقرار السعري، وببطء خلال هذا العام والعام المقبل، كما تلقي نظرة إلى المستقبل حيث يتوقع للطلب أن يتصاعد خلال عقد من الزمن إلى 105.3 مليون برميل يومياً من 96.4 مليوناً في الوقت الحالي، وهو ما يعزز رؤية رئيس الأوبك.

فترة الربع الثالث من هذا العام قد تكون مرحلة مفصلية لجهة التوازن في السوق، خاصة والتوقعات تشير إلى أن عمليات بناء المخزون التي كانت في حدود 1.2 مليون برميل يومياً يمكن أن ترتفع الى 1.6 مليوناً في الربع الثالث، مع انتهاء عمليات صيانة المصافي وبدء موسم قيادة السيارات في الولايات المتحدة، وهي فترة تتميز بتحسن لوضع الطلب.

مع تزايد احتمال تمديد اتفاق خفض الإنتاج ستة أشهر أخرى بعد أن ألقت الدول الخليجية بثقلها خلفه، فالوصول الى ذلك التوازن يبدو ممكناً، لا سيما أن الشحنات تستغرق فترة تتراوح بين 60–70 يوماً لتصل إلى الأسواق. فالتراجع في حجم المخزون، مضافاً إليه تقليل الامدادات يتوقع له أن ينقل السوق إلى مرحلة نفسية جديدة تعكس ما يجري في جبهة أساسيات العرض والطلب.

تاريخ الصناعة النفطية يرتبط عادة بدورات من الصعود والهبوط ومن تبادل التأثير بين العوامل الأساسية وتلك العارضة.

وإذا صدقت هذه التوقعات، ولم تحصل خضة كبرى في السوق بأي صورة كانت، شحاً أو تخمة في الامدادات، فمن المتوقع أن تهيئ مرحلة التوازن التي تتجه إليها السوق حالياً إلى المرحلة التالية التي ينفجر فيها الطلب وتنفلت الأسعار، وهو ما ينقل الصناعة النفطية إلى مرحلة جديدة ستكون لها بالطبع تبعاتها الاستراتيجية، سياسياً واقتصادياً.

* كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط

المصدر | السفير العربي