السعودية تفاوض الحوثيين .. هل تراجع الرهان على تحقيق «بن سلمان» إنجاز عسكري؟

لم يكن استقبال السعودية لوفد الحوثيين، مطلع الشهر الجاري، رغبة حوثية فحسب، بقدر ما تلاقت مع رغبة سعودية لوقف الحرب التي تفاقم الأوضاع على الحدود الجنوبية للمملكة، وتزيد الأعباء الاقتصادية، دون تقدم حقيقي تراهن عليه المملكة عسكريا في المدى القريب.

فعلى مدار عامين منذ انطلاق «عاصفة الحزم»، في 26 مارس/ آذار 2015، تواجه السعودية صواريخ شبه يومية على حدها الجنوبي، أسقطت مئات الضحايا بين قتيل وجريح، فضلا عن فاتورة مالية متصاعدة، في بلد تعاني من تحديات اقتصادية، بعد هبوط أسعار النفط، مصدر دخلها الرئيسي.

وقبل أيام، كشف «كامل الخوذاني» وهو قيادي حوثي، أن وفدا من جماعة «الحوثي» توجه إلى المملكة للتفاوض مع الجانب السعودي في محاولة لإنهاء الحرب في اليمن. ضم الوفد بحسب «الخوذاني»، الناطق باسم الجماعة «محمد عبدالسلام»، بالإضافة إلى «محمد علي الحوثي».

ولم يورد «الخوذاني» أي تفاصيل أخرى، حول الزيارة.

كما نقل القيادي الحوثي «حسن زيد» عن عضو المجلس السياسي للمليشيا «عبد الملك العجري»، قوله: «يبدو أن هناك فرصة في التوصل إلى أرضية مشتركة في المحادثات الجارية، وأن هذه الأرضية سوف تأتي على حساب استبعاد صالح من السياسة اليمنية».

وأشار إلى أن «الحوثيون والسعوديون يشتركون في رغبتهم في الإطاحة بصالح، إما عبر مصير بن علي تونس (النفي) أو مصير قذافي ليبيا (الإعدام)، فهناك بذورا متوفرة لهدنة بين الحوثيين والسعوديين تتم خلالها الإطاحة بصالح ككبش فداء».

وسبق أن التقى الجانب السعودي وممثلون عن جماعة الحوثي بمدينة ظهران الجنوب السعودية، قبل أكثر من عام، لكن دون أن تسفر هذه اللقاءات عن التوصل إلى أي تفاهامات.

وبحسب مراقبين، فإن عودة استقبال المملكة لوفود الحوثيين، رغم استمرار الحرب، يعكس إخفاق الحملة العسكرية، وانتهاء الرهان على قدرة الأمير «محمد بن سلمان»، ولي ولي العهد وزير الدفاع، على تحقيق حسم عسكري في اليمن.

وسبق للمغرد السعودي الشهير «مجتهد»، أن قال في أغسطس/ آب الماضي، إن «الحوثيين وصالح فازوا عسكريًا وسياسيًا واستخبارتيًا في المعركة مع السعودية»، مضيفا: «ونحن بقيادة محمد سلمان خسرناها عسكريا وسياسيا واستخباراتيا».

وأضاف: «هي ليست شكوك.. الإمارات متورطة قطعا بالاغتيالات والأمر شبه معلن.. والسعودية تمنع التصريح بذلك حتى لا يقال هذه نتائج عاصفة الحزم».

قصف الجنوب

الحد الجنوبي، أو حدود السعودية الجنوبية، أحد أبرز إخفاقات الحملة العسكرية التي تقودها المملكة، خاصة مع استمرار تعرضها لقصف شبه يومي، يسفر عن سقوط ضحايا بين قتلى ومصابين، فضلا عن أضرار مادية.

وكشفت مصادر سعودية عن سقوط أكثر من أربعة وخمسين ألفاً وستمائة وخمسة مقذوفاً حوثياً على الحدود، أطلقها الحوثيون خلال العامين الماضيين. وقالت المصادر إن المقذوفات تسببت في استشهاد 80 مدنياً، بينهم 9 نساء و20 طفلاً، منذ بدء اعتداءات الميليشيات الحوثية على القرى الحدودية قبل عامين. (طالع المزيد)

والأسبوع الماضي، كشف تقرير تليفزيوني لفضائية «العربية»، عن اعتراض قوات الدفاع الجوي السعودية 150 صاروخاً أطلقتها ميليشيات «الحوثي» و«صالح»، تجاه أراضي المملكة منذ العام الماضي.

وأوضح التقرير أن منظومة الدفاع الجوي «باتريوت»، أسقطت جميع هذه الصواريخ، التي كانت تستهدف قاعدة خميس مشيط وجازان وظهران الجنوب ونجران.

يأتي ذلك في ظل تهديد «صالح»، الشهر الماضي، في اجتماع مع قيادات حزب «المؤتمر الشعبي العام» بمحافظة البيضاء، حين قال موجها حديثه للسعودية: «أوقفوا طلعات الطيران نوقف إطلاق الصواريخ، فلم تشاهدوا سوى الشيء اليسير منها وما زالت هناك الصواريخ طويلة المدى لم تستخدم بعد».

يأتي هذا فيما قال عسكري يمني بارز، إن القوات الانقلابية في بلاده، لديهم مخزون صاروخي متعدد الأبعاد، ويتعدى مدى البعض منها 800 كيلومتر، بجانب كميات من الصواريخ الحرارية الموجهة. (طالع المزيد)

وعلى الرغم من الرد السعودي على هذا القصف، إلا أنها حتى الآن لم تستطع بسط سيطرتها العسكرية على المناطق التي يتم القصف منها، وضرب منصات إطلاق الصواريخ تجاهها.

وسبق لميليشيا «الحوثي» أن أطلقت صواريخ عدة صوب عمق الأراضي السعودية، كما أثار توجيه صاروخ إلى مكة تم اعتراضه، تنديدا إسلاميا واسعا، العام الماضي.

كما أن الأمر لم يتوقف عند القصف الصاروخي، فتشهد الحدود اليمنية السعودية، تسلل العشرات من الحوثيين، والمرتزقة الأفارقة، إما لتنفيذ أعمال تخريبية، أو الاشتباك مع القوات السعودية في الجنوب، ما يهدد الأوضاع في هذه المنطقة.

خسائر ميدانية

وطبقا لموقع «دويتشه فيله»، فقد نشر دراسةً تحليليةً، الشهر الماضي، بمناسبة مرور عامين على الحرب في اليمن، حملت عنوان «آثار الحرب على اليمن في اقْتصَاد السعوديّة»، اعتبرت فيه صحف أمريكية بارزة أن «اليمن فيتنام السعوديّة»، حتى أن صحيفة «واشنطن بوست»، أكَّدَت أن الحوثيين تمكَّنوا من تحقيق إنجازات وانتصارات ميدانية غير متوقّعة في معاركها الدائرة مع القوات السعوديّة في العُمق السعوديّ.

وذكرت الصحيفة أن الحكومة السعودية، تتعمَّدُ إخفاء كُلّ تلك الحقائق؛ خوفاً من السخط الشعبي الذي سيواجهه وزيرُ دفاعها «بن سلمان».

وبحسب تقديرات استخباراتية أمريكية، فإن الحوثيين تمكّنوا من تدمير 98 موقعاً عسكريًا سعوديًّا في نجران وجيزان وعسير وظهران الجنوب وخميس مشيط تدميراً كلياً، إلى جانب 76 موقعاً عَسكرياً تم اقتحامُه والسيطرة عليها وتفجيره بالألغام الأرضية.

وأضافت أن الحوثيين دمّروا أَيْضاً منطقتَي القيادة والسيطرة في نجران وعسير وخميس مشيط بشكل كلي، كما تم تدمير بشكل كامل قصور الإمارة في نجران وظهران وجيزان، إضَافَةً إلى تدمير مقر العمليات للجيش السعوديّ في الخوبة والطوال وأبو عريش والحرث والربوعة.

وبيّنت «واشنطن بوست» أن الحوثيين لم يكتفوا بذلك، بل تمكّنوا أَيْضاً من تدمير مقر قيادة القوات الجوية بقاعدة خميس مشيط الجوية تدميراً كاملاً، وهو ما تسبب في مقتل قائد القوات الجوية السعوديّة الفريق «محمد الشعلان» وعدد من كبار قادة الجيش بقطاع سلاح الجو السعوديّ، فضلاً عن تفجير الطائرات الحربية ومنصّات الصواريخ للدفاع الجوي السعوديّ، وقتل أَكْثَـر من 36 طياراً و39 ضابطاً من الجانب السعوديّ.

وكشف «مجتهد»، بعد عام من الحرب، أنّ خسائرَ القوات المسلحة السعوديّة في حرب اليمن، خلال عام ونصف، بلغت 3500 قتيل، 6500 جريح، و430 مفقوداً، فضلا عن تدمير وإعطاب 1200 دبابة ومدرعة، و4 طائرات أباتشي، وطائرة F16، وتدمير 3 زوارق بحرية وإصابة 2 آخرين.

تكاليف باهضة

وعلى الرغم من أن السعوديين يفترضون أن الوقت في صالحهم، إلا أنه مع إطالة مدة الحرب فقد تعالي حالة التذمر بسبب ارتفاع تكلفتها في ظل ظروف صعبة نسبيا.

ذات التقرير، شرح إشكاليات طرح أرقام دقيقة عن خسائرِ المملكة، نظراً لتكتُّمِها الشديد وعدم تقديمها لأيَّة معلومات بهذا الخصوص.

ووفق تقديراتٍ أوليةٍ، بناها معدّو الدراسة على تكاليف حروب أخرى مشابهة، أوضحوا أن التكلفةَ وصلت بحلول منتصف أبريل/ نيسان 2015، أي بعد عشرين يوماً فقط من بدأ الحرب، نحو 30 مليار دولار، وهي تكاليف تشغيل 175 طائرة مقاتلة، وتكلفة وضع 150 ألفَ جُندي سعوديّ قيد التعبأة العسكرية فقط، ناهيك عن النفقات الأخرى، والتي تُقَدَّرُ بالمليارات.

فيما كشف المغرد السعوديّ الشهير «مجتهد»، مطلع ديسمبر/ كانون الثاني 2015، أي بعد تسعة أشهرٍ من بدء الحرب، أن «هذه الحرب تكلف الخزينة السعوديّة 750 مليون ريال يومياً، ما يعادل 187 مليونَ ونصف مليون دولار، يتم إنفاقها كقيمةٍ للذخائر، وقطع غيار، وإعاشة وتموين أفراد الجيش فقط».

وأضاف: «بينما بلغ إجمالي الكلفة الكلية للحرب خلال هذه الفترة، 200 مليار ريال سعوديّ ما يعادل 50 مليار دولار، غير شاملة لصفقات الدفاع الأخيرة».

وبحسب تقديرات حكومية سعودية، فإن تكلفة الحرب بلغت مع نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي نحو 130 مليار دولار.

وتحتفظ السعوديّة بالمركَز الثالث عالمياً في حجم الإنفاق العسكري بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»، بعد الولايات المتحدة الأَمريكية والصين.

وأوضح المعهد أن المملكة السعوديّة ضاعفت من شراء أنظمة الأسلحة الرئيسية في العام 2015، أربعة أضعاف ما كانت تشتريه مقارنةً مع السنوات الخمس السابقة.

فيما قالت شركة «آي إتش إس» للأبحاث والتحليلات الاقْتصَادية، إن مشتريات السعوديّة من السلاح قفزت بمعدل كبير؛ لتصبح المملكة المستورد الأول للسلاح على وجه الأرض في 2015، بقيمة 65 مليار دولار.

وبالنسبة لصفقات السعوديّة في العام 2016، أعلنت الحكومة الكندية، توقيع صفقة بقيمة 15 مليار دولار، تتضمن بيعها لـ500 مدرّعة تعد الأقوى في العالم، قبل أن تقول ألمانيا إنها سلمت المملكة الدفعة الأولى (15 زورقاً) من زوارق دورية يبلغ إجمالي عددها 48 زورقاً، في صفقة بلغت قيمتها 1.60 مليار يورو.

كما ذكرت وزارةُ الدفاع الأَمريكية «البنتاغون» عن بيع 153 دبابة ومئات من المدافع الرشاشة وعربات مصفحة ومعدّات عسكرية أخرى، إلى السعوديّة، في صفقة بلغت قيمتها 1,15 مليار دولار، بالإضافة إلى توقيع شراء 5 فرقاطات إسبانية بقيمة مليارَي يورو.

وفي العام ذاته، أعلن «البنتاغون»، توريد أسلحة للسعوديّة، قيمتها 3.51 مليار دولار، تضُمُّ الصفقة مروحياتٍ للشحن من طراز «سي إتش إف شينوك»، والمعدات المرتبطة بها.

وفي 2017، كشفت وكالة «شينخوا» الصينية عن توقيع الصين أَكْبَـر صفقة بيع طائرات من دون طيار، في تاريخها، مع السعوديّة، وبلغت قيمة الصفقة 600 مليون دولار، فضلا عن توقيع اتفاقية مع أمريكا قيمتها 300 مليون دولار، تشمَلُ «تكنولوجيا صواريخ موجّهة فائقة الدقة».

وفي شهر مارس الجاري، أعلنت «بوينغ» الأَمريكية عن توقيعها صفقةً مع السعوديّة بقيمة 3.3 مليار دولار وتشمل بيع مروحيات أباتشي معاد تصنيعها ومروحيات جديدة التصنيع.

وتصرف الحكومة السعوديّة مليون ريال سعوديّ لأسرة كُلّ جندي يُقتَلُ في الحرب، بحسب ما نشرته قناة «العربية نت».

حسابات عسكرية وتفاهمات شخصية

ومن أسباب تأخر الحسم العسكري، بحسب مراقبين، بالإضافة للتكاليف العسكرية والمدنية الباهظة المتوقعة في معركة صنعاء وما حولها، فإن الأمير «بن سلمان» بات تحت ضغوط الإمارات التي لا تريد دورا واسعا لحزب «الإصلاح» (الإخوان المسلمين) في المعارك، كما أنها تمارس صغوطا كبيرة على الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» بلغت حد رفض استقباله في أبو ظبي مؤخرا، إلا بعد ضغوط سعودية، لإنهاء التوتر بينهما عقب الاشتباكات في مطار عدن، الشهر الماضي.

ومع ذلك استقبلته أبوظبي بفتور وجفاء.

وبحسب مراقبين، فإن الأمير «بن سلمان» لا يريد المخاطرة بتفاهماته الخاصة مع أبوظبي، والتي ترتبط في بعضها بسعي بن سلمان لتعزيز علاقاته الخارجية خاصة مع واشنطن. لكنه، وفي نفس الوقت، بحاجة ميدانية للمقاومة والإصلاح، وهو ما انعكس على تراجع وتيرة الإنجاز العسكري، مع ارتباك خياراته.

ونشبت خلافات حادة بين «هادي» وبين أبوظبي على خلفية الدور الذي تلعبه الأخيرة في اليمن والذي بات محط اتهام قطاعات واسعة من اليمنيين الذين يعتبرونه امتدادا للاحتلال الحوثي، على حد تعبيرهم، متوعدين بمقاومته كما قاموا التمرد الحوثي.

وتسعى أبوظبي إلى تضييق الخناق والقضاء على رجال المقاومة المحسوبين على التجمع اليمني للإصلاح استباقا لأي دور لهم سياسي في اليمن خاصة بعد إظهار «هادي» اعتماده على إصلاحيي اليمن بصورة كبيرة من خلال إقالة من يوصف رجل أبوظبي في اليمن «خالد بحاح» وتعيين «محسن الأحمر» المقرب من «الإصلاح»، في المنصب الثاني في الدولة عسكريا ومدنيا.

ومازال «أحمد علي صالح»، نجل الرئيس اليمني المخلوع، مقيما في الإمارات بصور طبيعية عكس ما تم ترويجه في بعض فترات الحرب أنه تحت الإقامة الجبرية.

كما نجحت الإمارات، في السيطرة على حلفائها في الجنوب، لتعطيل بعض الخدمات أثناء وجود «هادي» في عدن، لخلط الأوراق وإظهار الحكومة بمظهر العاجز عن تقديم الخدمات.

المصدر | الخليج الجديد