«السيسي» يورط مصر في 4 أزمات إقليمية.. والتداعيات «كارثية»

لم تشر أسوأ السيناريوهات، إلى أن مصر التي تحتضن مقر جامعة الدول العربية، منذ مارس/آذار 1945، يمكن أن تتورط في تخريب علاقات مصرية عربية وثيقة، منذ عشرات السنين؛ لحسابات سياسية، يمكن أن تكبد الشعب المصري، خسائر فادحة.

3 دول عربية، كانت ولا زالت على علاقة قوية بالقاهرة، باتت مسرحا لتفاعلات سياسية ساخنة، وحملات تراشق ودعوات مقاطعة للجانب المصري، على خلفية تورط الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي» في إذكاء الانقسام في المنطقة، ومحاولة استنساخ التجربة المصرية في قطر عربي آخر، ومعاداة بلد عربي ثان فاز فيه الإسلاميون بالحكم، ودعم مصالح قوى عظمى في بلد عربي ثالث، على غير ما تقتضيه الأجندة العربية إقليميا ودوليا.

تفاعلات المشهد «المصري-السعودي»، و«المصري-الليبي»، و«المصري-المغربي»، و«المصري الإثيوبي» تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، تفاقم مأزق الدبلوماسية المصرية، وانخراط القاهرة في معارك جانبية على أكثر من محور، ضمن لعبة توازنات إقليمية، يبدو أن الساسة المصريون، لا يعرفون أبعادها، أو ربما يتجاهلون مآلاتها، أملا في تحقيق مكاسب على المدى القصير.

الحليف السعودي يتململ

ضخت المملكة العربية السعودية قرابة 30 مليار دولار، وفق تقديرات اقتصادية، لصالح نظام الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي»، منذ الانقلاب على الرئيس «محمد مرسي» أول رئيس منتخب ديمقراطيا في البلاد، في 3 يوليو/تموز 2013 .

وعلى الرغم من الدعم السعودي الواضح للقاهرة، فإن بوصلة السياسة المصرية، خرجت عن طوع الرياض، وباتت في خط مضاد للمواقف السعودية، في ملفات حساسة للأمن القومي الخليجي والعربي، يتصدرها ملفي اليمن وسوريا.

كانت السعودية تتوقع من مصر إرسال قوات برية كجزء من القتال ضمن قوات التحالف العربي في اليمن، لكن القاهرة رفضت، وتجاهلت وعود رئيسها ضمن سياسة «مسافة السكة» التي أعلنها مرارا «السيسي» لحماية الأمن القومي العربي.

لكن أجواء التوتر خيمت بكثافة حول مستقبل العلاقات المصرية السعودية، على خلفية تصويت القاهرة لصالح قرار روسي في مجلس الأمن الدولي يتعلق بالأزمة السورية.

ووصف المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة «عبد الله المُعلمي» تصويت مندوب مصر لصالح مشروع القرار الروسي، بـ«المؤلم».

وقال «المعلمي» بعد التصويت «كان مؤلماً أن يكون الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من موقف المندوب العربي (المصري)، ولكن أعتقد أن السؤال يُوجّه إلى مندوب مصر».

أعقب توبيخ «المعلمي»، قرار من شركة «أرامكو» السعودية، بوقف إمداداتها النفطية لمصر، كما غادر سفير المملكة العربية السعودية لدى القاهرة «أحمد القطان» إلى الرياض، بشكل طارئ، دون أن يعلن الأسباب.

ردا على التوبيخ السعودي، صعدت صحف مصرية من لهجتها ضد المملكة العربية السعودية، واتهمت صحيفة «الوطن» المصرية، المعروفة بقربها من أجهزة أمنية وسيادية في البلاد، الملك «سلمان بن عبدالعزيز» بدعم جماعات إرهابية وتمويل تنظيمات متطرفة في المنطقة.

واتهمت الصحيفة -في تقرير تصدر موقعها الرسمي على الانترنت- تحت عنوان «السعودية تدفع ثمن احتضانها للإرهاب وجماعات العنف المسلح»، الملك «سلمان» صراحة بالتحول من من استراتيجية الحرب على الإرهاب، إلى دعمه ممثلاً فى «القاعدة» و«الإخوان» بسوريا واليمن، على حد قول الصحيفة.

وشن إعلاميون مصريون، على صلات قوية بالأجهزة الأمنية في البلاد، حملة عنيفة ضد المملكة العربية السعودية، بلغت إهانة الملك ونجله، وامتدت إلى إطلاق تهديدات بوقف رحلات العمرة والحج للأراضي المقدسة، وفتح أبواب التطبيع مع إيران «العدو اللدود للمملكة»، وشراء النفط الإيراني بديلا للنفط السعودي.

رسائل استخباراتية

لم يتوقف الرد المصري عند حملات التراشق والهجوم الإعلامي فقط، وامتد إلى مستويات استخباراتية رفيعة المستوى، قد تتسبب في صدمة سياسية لصانع القرار السعودي، كان أخطرها تداول تقارير عن إمداد مصر للمتمردين الحوثيين في اليمن، بـ 12 زورقاً حربيا متطورا خلال الشهرين الماضيين.

وتسلم «يحيى حسين أبو حلفه» قائد معسكر الضحي في مديرية «اللحية» الساحلية، و«زيد عمر الخُرج» تاجر السلاح المقرب من الرئيس اليمني المخلوع «علي عبدالله صالح»، الزوارق الحربية من ضباط في البحرية المصرية، بحسب صحيفة «العربي الجديد».

واتهم مسؤول يمني، البحرية المصرية، بتسهيل دخول السلاح للحوثيين وحلفائهم، مشيرا إلى أن القاهرة فتحت مع المتمردين الحوثيين، قنوات تواصل مع الاستخبارات المصرية، تحديداً بعد ثلاثة أشهر من انطلاق عملية «عاصفة الحزم»، وهو الأمر الذي لم تنفيه القاهرة.

وفيما بدا أنها رسالة للرياض، أعلنت القاهرة ودمشق عن الزيارة التي قام بها مدير مخابرات النظام السوري اللواء «علي المملوك» إلى مصر، مطلع الأسبوع الجاري، والتقى خلالها مسؤولين أمنيين كبار، على رأسهم اللواء «خالد فوزي» مدير جهاز المخابرات المصري.

وبحسب مراقبين للشأن في الشرق الأوسط، فإن الإعلان عن هذه الزيارة وتفاصيلها، كان مقصودا من جانب نظامي «الأسد»، و«السيسي»، فالأول أراد أن يرسل رسالة مباشرة لتركيا مفادها، أنه اكتسب لاعبا جديدا في ملعبه في مواجهة أنقرة التي وطدت علاقتها مؤخرا مع السعودية، وبات هناك تناغما كبيرا بينهما في العديد من المجالات والقضايا لاسيما فيما يخص القضية السورية.

أما رسالة «السيسي» من الإعلان عن الزيارة، فكانت موجهة للسعودية، أن ثمة ما يجمع مصر مع المحور السوري الروسي الإيراني وهو قابل للزيادة.

يزيد من حجم التوتر، أن مصر تتمتع بعلاقات وثيقة مع خصم سعودي آخر، متمثلا في الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة، وتدعمها طهران.

ويأذن ذلك، وفق مراقبين، بتغيير خريطة التحالفات في المنطقة، وقد يتطور المشهد إلى تحالف سعودي تركي قطري، في مواجهة انحياز مصر لمواقف متماهية مع إيران، والحكومة الموالية لها في بغداد، والنظام السوري.

المأزق الليبي

نحو 200 مليار دولار على الأقل، هي حجم فاتورة إعمار ليبيا في مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي في أكتوبر/تشرين أول 2011، كان الشارع المصري، يؤمل نفسه بنيل نصيب الأسد من كعكة الإعمار الليبية، لكن حسابات القاهرة بعد انقلاب 3 يوليو 2013، أطاحت بورقة الإعمار، في محاولة لاستنساخ التجربة المصرية، وتنصيب الجنرال المتقاعد «خليفة حفتر» زعيما للبلاد.

ومثلت ليبيا لسنوات طوال السوق الأول لجذب العمالة المصرية (2 مليون قبل سقوط نظام القذافي)، ورافدا مهما لاحتياطي مصر من النقد الأجنبي، وواحدا من أهم الأسواق الجاذبة للصادرات المصرية.

ومنذ ظهور «حفتر» على مسرح الاحداث في ليبيا، نال دعما مصريا رسميا، واعترافا دبلوماسيا، بالإضافة إلى عتاد عسكري ودعم لوجيستي واستخباراتي.

وتدعم مصر ما تسميه بـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة «خليفة حفتر» بكل ما يحمله من شرعية في تحركاته لاستعادة الاستقرار في البلاد، في إشارة إلى سيطرة «قوات حفتر» على منطقة الهلال النفطي شرقي ليبيا، بحسب تصريحات وزير الخارجية المصري «سامح شكري».

ووصف «شكري»، دعوة الولايات المتحدة وخمس دول أوروبية لقوات «حفتر» بالانسحاب من منطقة الهلال النفطي بأنها كانت متسرعة، مضيفا أن «البيان لم يراع الاعتبارات الخاصة بالأوضاع الداخلية في ليبيا»، بحسب وكالة أنباء الشرق الأوسط «أ ش أ».

وعرقلت مصر إلى جانب روسيا والصين، الشهر الماضي، صدور قرار من مجلس الأمن ضد قوات «حفتر»، كما رفضت مصر قيام أي قوات أجنبية بحماية حقول الغاز داخل ليبيا.

وعقب سقوط نظام «معمر القذافي» عام 2011، إثر ثورة شعبية، وبروز جماعة الإخوان المسلمين في صدارة المشهد هناك، عملت القاهرة على توريط الجانب الليبي في مرحلة من الانقسام السياسي، تمخض عنها وجود حكومتين وبرلمانيين وجيشين متنافسين في طرابلس غربا، ومدينتي طبرق والبيضاء شرقاً.

واعتبر الفريق «عبدالرازق الناظوري»، رئيس أركان القوات التي يقودها الجنرال «خليفة حفتر»، أن «الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسى» أعظم بطل عربي الآن»، بحسب صحيفة «اليوم السابع» المصرية.

وأعلن «الناظوري»، مطلع الأسبوع الجاري، أن لديهم الاستعداد الكامل لتزويد مصر بما تحتاجه من النفط الليبي، في رسالة اعتبرها مراقبون ردا على مماطلة السعودية في تزويد مصر بالإمدادات النفطية.

«حفتر» الذي يعزف على نغمة الاقصاء التي اتبعها الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» مع الإخوان، قائلا في تصريحات سابقة، أن ما يهمه هو «فرض الأمن والاستقرار وتخليص ليبيا من الإرهاب والإخوان المسلمين»، تسبب في تعزيز وجود تنظيم «الدولة الإسلامية» في الأراضي الليبية، وساهم في قلقلة أمن دول الجوار القريب، وفي زيادة عمليات الاتجار بالبشر الراغبين في اللجوء إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، وقبل ذلك أضاع كعكة الإعمار الليبية من يد الحليف المصري.

التصعيد مع المغرب

وسط ضبابية تسيطر على أجواء الدبلوماسية المصرية، جاء استقبال القاهرة منذ أيام لوفد رسمي من جبهة «البوليساريو» المناهضة للحكومة المغربية، على هامش احتفالية مرور 150 عاما على انطلاق البرلمان المصري بمدينة «شرم الشيخ».

استقبال مصر لوفد «البوليساريو» اعتبر ورقة تلعب بها القاهرة، ردا على الصعود الإسلامي في المغرب، وفوز حزب «العدالة والتنمية»، القريب من الإخوان، بالانتخابات البرلمانية، ما يمكنه من البقاء على رأس الحكومة لولاية ثانية، لكن محللون يرون أن مصر تلعب بهذه الورقة بعد التقارب المغربي الخليجي، وفقا لـ«القدس العربي».

وسبق أن أوفدت القاهرة مطلع العام الماضي وفدا مصريا للعاصمة الجزائرية من أجل حضور مؤتمر دولي داعم لجبهة البوليساريو، وهو ما أغضب الرباط.

وقال مصدر مسؤول بوزارة الخارجية المغربية، إن تنسيقا مصريا جزائريا لدعم جبهة البوليساريو، التي تنازع المغرب على إقليم الصحراء، وهجوم الإعلام المصري المستمر على الرباط، سببا تغيير خطاب التلفزيون المغربي الرسمي تجاه القيادة المصرية الحالية، بحسب «الأناضول».

ومطلع يوليو/تموز الماضي، أثارت المذيعة المصرية، أماني الخياط، على إحدى القنوات الفضائية الخاصة، حالة من الغضب بين المغربيين، بانتقادها دور المغرب في القضية الفلسطينية، وقالت إن أهم دعائم اقتصاد المملكة من «الدعارة»، وأن البلاد لديها ترتيب متقدم بين الدول المصابة بمرض الإيدز (نقص المناعة المكتسبة)، وتهكمت بأن ذلك يتم تحت حكم الإسلاميين، على حد قولها.

وقدمت الإعلامية المصرية اعتذارا للشعب المغربي، عقب يوم من بيان للخارجية المصرية قالت فيه إن «تصريحات الإعلامية المسيئة للمغرب لا تمثل إلا صاحبها».

كانت القناتان الأولى والثانية بالمغرب، وصفتا الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» بـ«قائد الانقلاب» في مصر، والرئيس الأسبق محمد مرسي بـ«الرئيس المنتخب»، وذلك للمرة الأولى، منذ الإطاحة بـ«مرسي» في الثالث من يوليو/ تموز 2013.

تأزم الملف الإثيوبي

يتجه ملف العلاقات المصرية الإثيوبية، إلى مزيد من التأزم، على خلفية اقتراب اكتمال بناء سد النهضة، واتهامات أديس أبابا للنظام المصري، رسميا وللمرة الأولى بـ«تقديم دعم مالي ولوجستي لعناصر إرهابية»، واستدعاء «أبو بكر حفني» السفير المصري لدىها؛ للاستفسار عما تردد بشأن دعم القاهرة لجبهة «الأورومو» المعارضة المسلحة.

ويعد الموقف الإثيوبي الأشد تصعيدا ضد القاهرة، ردا على ما اعتبرته الحكومة الإثيوبية، «أدلة واضحة تثبت تقديم مصر كافة أشكال الدعم المالي والتدريب للعناصر الإرهابية لنسف استقرار البلاد»، بحسب «الأناضول».

واتهم التلفزيون الإثيوبي، مصر، بدعم «جبهة تحرير الأورومو» المعارضة المسلحة، في خطوة غير مسبوقة، تشير إلى تصاعد الأزمة بين البلدين.

وعرض التلفزيون الإثيوبي، في نشرته الإخبارية، مشاهد قال إنها لاجتماع معارضين من «جبهة تحرير الأورومو»، التي تحظرها سلطات أديس أبابا، عُقد في مصر بحضور شخصيات مصرية، وعمد التلفزيون على إعادة بث تلك المشاهد في نشرات لاحقة مع تعليق يحمل اتهامات للقاهرة بدعم «الأورومو» ومحاولة زعزعة الاستقرار بإثيوبيا.

وكان هيلي ماريام ديسالين، رئيس الوزراء الإثيوبي، أعلن مطلع أكتوبر/تشرين أول الجاري، حالة الطوارئ في البلاد لمدة 6 أشهر، ردا على محاولات لضرب استقرار البلاد، وفق المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية.

وتتخوف مصر من تأثير سد النهضة، الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق، أحد الروافد المائية الرئيسية لنهر النيل، على حصتها السنوية من مياه النيل المقدرة بنحو 55.5 مليار متر مكعب، بينما يؤكد الجانب الإثيوبي أن سد النهضة سيمثل نفعًا لها خاصة في مجال توليد الطاقة، وأنه لن يمثل ضررًا على السودان ومصر.

لكن اللعب بورقة «الأورومو» قد يعد خطا أحمرا للنظام الإثيوبي في علاقته مع القاهرة، بشكل قد يعقد مستقبلا اتفاقيات التعاون المائي بين البلدين، ويزيد من تعقيدات أزمة «سد النهضة»، حال اكتمال بناؤه، وتأثر حصة مصر من مياه النيل.

يبدو في المجمل، إزاء قراءة أوراق الدبلوماسية المصرية بشأن العلاقات مع دول المنطقة، وتداعيات الخلاف السعودي المصري، وتورط «السيسي» في أزمات مع عواصم عربية من دول الجوار، أن القاهرة ربما تطمح لإعادة ترتيب مراكز القوى بالشرق الأوسط.

ويمكن القول أن «السيسي» أكثر ميلا للصدام مع الدول التي تحكمها أحزاب قريبة من جماعة الإخوان «المغرب» نموذجا، أو الدول التي يمثل الإسلاميون فيها معادلة صعبة، «ليبيا» نموذجا، أما بالنسبة للرياض، فإن القاهرة تتجه في ظل استمرار التوتر بين مصر والسعودية، إلى حرمان العالم العربي السني، من تحالف مهم في مواجهة توسع تحالفات شيعية أخرى، كذلك تميل القاهرة نحو «محور روسي إيراني سوري»، في مواجهة «المحور السعودي القطري التركي»، بغض النظر عن الكلفة الباهظة لتلك الحسابات، والخسائر المحتملة سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا وأمنيا.

المصدر | الخليج الجديد