«العفو الدولية» ترسم «صورة قاتمة» لحوق الإنسان في مصر خلال 2016

رسمت «منظمة العفو الدولية»، في تقريرها السنوي للعام 2016، صورة «شديدة القتامة» لأوضاع حقوق الإنسان في مصر.

إذ لم يخل تقرير المنظمة عن مصر تقريباً من أي صنف من صنوف انتهاكات حقوق الإنسان، والتي شملت: الاختفاء القسري، والمحاكمات الجائرة، والتعذيب، وفرض قيود تعسفية على حرية التعبير وتكوين الجمعيات، والقبض على عدد من منتقدي الحكومة ومعارضيها وعلى مواطنين أجانب، وتقديمهم للمحاكمة.

أيضاً، لفت التقرير أن السلطات المصرية استخدمت «حملات القبض التعسفي بشكل جماعي لقمع المظاهرات والمعارضة، فقبضت على صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومتظاهرين، وفرضت قيوداً على أنشطة المنظمات المعنية بحقوق الإنسان».

كما تقاعست السلطات عن إجراء تحقيقات وافية في انتهاكات حقوق الإنسان، وعن تقديم مرتكبيها إلى ساحة العدالة.

إقرار قانون مكافحة الإرهاب

لفت تقرير منظمة «العفو» إلى أن مجلس النواب (البرلمان) عقد أولى جلساته في 10 يناير/كانون الثاني، ومُنح مهلة 15 يوماً لمناقشة وإقرار القوانين التي أصدرها الرئيس «عبد الفتاح السيسي» في غياب البرلمان.

وأقر المجلس جميع هذه القوانين تقريباً، بما في ذلك «قانون مكافحة الإرهاب» (القانون رقم 94 لسنة 2015)، الذي ينتقص من ضمانات المحاكمة العادلة، ويدرج في صلب القانون المحلي صلاحيات تماثل تلك الممنوحة للسلطات في ظل حالة الطوارئ.

الأمن ومكافحة الإرهاب

وبخصوص عمليات مكافحة «الإرهاب»، ذكر تقرير المنظمة الحقوقية أن قوات الأمن واصلت «عملياتها ضد جماعات مسلحة تنشط في شمال سيناء، مستخدمةً العربات المدرَّعة والمدفعية والضربات الجوية».

وقالت وزارة الدفاع إن كل عملية من هذه العمليات أسفرت عن قتل عشرات من «الإرهابيين».

وظلت معظم أجزاء المنطقة خاضعة لحالة الطوارئ ومغلقة، من الناحية الفعلية، أمام الصحفيين ومراقبي حقوق الإنسان المستقلين.

حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات

وحول حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، قالت منظمة «العفو» إن السلطات «فرضت قيوداً مشددة على الحق في حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمي بموجب القانون وفي الممارسة الفعلية».

وتعرض بعض الصحفيين والنشطاء وغيرهم للقبض والمحاكمة والسجن بتهم من قبيل التحريض على التظاهر أو المشاركة في مظاهرات، أو ترويج «إشاعات كاذبة»، أو تشويه سمعة مسؤولين، أو الإضرار بالأخلاق العامة.

وظل المصور الصحفي «محمود أبو زيد»، الشهير باسم «شوكان»، وما يزيد عن 730 شخصاً آخرين، يواجهون محاكمة جماعية جائرة بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2015.

ويواجه «أبو زيد» عدة تهم ملفقة، من بينها «الانضمام إلى عصابة إجرامية» والقتل، وذلك لقيامه بتوثيق اعتصام احتجاجي في العاصمة المصرية القاهرة، يوم 14 أغسطس/آب 2013. وحاكمت المحكمة كثيراً من المتهمين غيابياً.

وفي 1 مايو/أيار، داهمت قوات الأمن مقر نقابة الصحفيين في القاهرة، وألقت القبض على الصحفييْن «عمرو بدر» و«محمود السقا»؛ لاتهامهما بعدة تهم، من بينها التحريض على التظاهر ونشر «إشاعات كاذبة».

وأدانت النقابة عملية المداهمة والقبض على الصحفيين. وقضت إحدى المحاكم بالإفراج عن «بدر» بكفالة، في 28 أغسطس/آب، وبالإفراج عن «السقا» بكفالة، في 1 أكتوبر/تشرين الأول.

وقضت إحدى المحاكم، في 19 نوفمبر/تشرين الثاني، بسجن نقيب الصحفيين «يحيى قلاش»، وعضوي مجلس النقابة «خالد البلشي» و«جمال عبد الرحيم» لمدة سنتين، لإدانتهم بعدة تهم من بينها إيواء مطلوبين أمنياً. كما حددت المحكمة كفالة قدرها 10 آلاف جنيه مصري (حوالي 630 دولار أمريكي) لإيقاف تنفيذ الحكم.

وواصل قضاة التحقيق إجراء تحقيق جنائي بخصوص أنشطة وتمويل بعض الجمعيات الأهلية (المنظمات غير الحكومية)، فاستجوبوا عدداً من العاملين في هذه الجمعيات، وأصدروا قرارات بمنع 12 مدافعاً عن حقوق الإنسان من السفر، وبالتحفظ على أموال سبعة من المدافعين عن حقوق الإنسان وست جمعيات.

وأمرت السلطات بإغلاق إحدى المنظمات المعنية بحقوق الإنسان. وأقر مجلس النواب مشروع قانون جديد يحل محل «قانون الجمعيات الأهلية» (القانون رقم 84 لسنة 2002)، من شأنه فرض قيود مشددة على أنشطة المنظمات غير الحكومية، وعلى حقها في التسجيل القانوني، وفي الحصول على تمويل من جهات أجنبية.

وانتهى العام دون التصديق النهائي على مشروع القانون ليصبح قانوناً نافذاً.

وفي 17 فبراير/شباط، أصدر مسؤولون في وزارة الصحة المصرية قراراً بإغلاق «مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب». وواصل المركز نشاطه، وطعن في قرار الحكومة أمام المحاكم، إلا إن السلطات جمَّدت حساباته المصرفية لفترة وجيزة، في نوفمبر/تشرين الثاني.

وفي 17 سبتمبر/أيلول، أيَّدت محكمة في القاهرة أوامر بالتحفظ على أموال خمسة من المدافعين عن حقوق الإنسان وثلاث جمعيات، وهي «مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» و«مركز هشام مبارك للقانون»، و«المركز المصري للحق في التعليم». وكانت هذه الأوامر قد صدرت عن قضاة التحقيق الذين يحققون في أنشطة هذه الجمعيات وتمويلها.

واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق مظاهرات سلمية في القاهرة، يومي 15 و25 إبريل/نيسان، وقبضت على حوالي 1300 شخص بتهمة مخالفة «قانون التظاهر» (القانون رقم 107 لسنة 2013)، و«قانون التجمهر» (القانون رقم 10 لسنة 1914). وفي 8 يونيو/حزيران، أعلنت الحكومة أن تعتزم تعديل «قانون التظاهر»، إلا إن العام انتهى دون أن تتقدم بأية مشاريع في هذا الصدد إلى مجلس النواب.

وفي 3 ديسمبر/كانون الأول، قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية إحدى المواد في «قانون التظاهر». وكانت هذه المادة تجيز لوزارة الداخلية حظر المظاهرات بصورة تعسفية.

استخدام القوة المفرطة

منظمة «العفو» انتقدت أيضا مواصلة بعض ضباط الشرطة استخدام القوة المفرطة المميتة في أعقاب مشادات لفظية؛ فأطلقوا النار وقتلوا ما لا يقل عن 11 شخصاً كما أصابوا ما يزيد عن 40 شخصاً.

وقضت المحاكم بسجن اثنين من أفراد الشرطة لمدة 25 عاماً في قضيتين منفصلتين أسفر فيهما إطلاق النار عن وقوع وفيات؛ ما أدى إلى احتجاجات في بعض الأحياء.

وأعلنت وزارة الداخلية مراراً أن قوات الأمن أردت بالرصاص بعض المشتبه فيهم خلال مداهمات لمساكنهم، ومن بينهم أعضاء في جماعة «الإخوان المسلمين»، وأشخاص زُعم أنهم أعضاء في جماعات مسلحة.

ولم يتم التحقيق رسمياً مع أي من ضباط الشرطة، مما أثار مخاوف من احتمال أن تكون قوات الأمن قد استخدمت القوة المفرطة، أو نفَّذت في بعض الحالات عمليات إعدام خارج نطاق القضاء.

عمليات القبض والاحتجاز بصورة تعسفية

أيضا، قالت منظمة «العفو» إن منتقدي الحكومة ومعارضيها ما زالوا يواجهون القبض والاحتجاز بصورة تعسفية بتهم شتى، من بينها التحريض على التظاهر، و «الإرهاب» والانتماء إلى جماعات تعتبرها السلطات «محظورة» من قبيل جماعة «الإخوان المسلمين»، أو «حركة شباب 6 إبريل». كما احتجزت السلطات بصورة تعسفية عدداً من المدافعين عن حقوق الإنسان.

وقبضت قوات الأمن على حوالي 1300 شخص في مختلف أنحاء مصر، في الفترة بين منتصف إبريل/نيسان ومطلع مايو/أيار، في محاولة لإخماد تظاهرات، وذلك وفقاً لتقديرات ائتلاف من محامين مصريين معنيين بحقوق الإنسان. وقد أُطلق سراح معظمهم، إلا إن بعضهم أُحيلوا لاحقاً للمحاكمة.

واحتُجز ما يزيد عن 1400 شخص لمدد تزيد عن الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطي بدون الإحالة للمحاكمة، والتي حددها القانون بسنتين.

وفي 25 مارس/آذار، أُفرج عن «محمود محمد أحمد حسين» بكفالة بموجب أمر قضائي، بعد أن أمضى أكثر من سنتين رهن الاحتجاز بدون محاكمة؛ لأنه كان يرتدي قميصاً عليه عبارة “وطن بلا تعذيب” ووشاحاً يحمل شعار «ثورة 25 يناير».

وفي 5 مايو/أيار، قبضت قوات الأمن على «مالك عدلي»، مدير «المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، بتهمتي نشر «شائعات كاذبة»، و«محاولة قلب نظام الحكم». وكان «عدلي» يساعد في رفع دعوى للطعن في قرار الحكومة بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. وقد أمرت إحدى المحاكم بالإفراج عنه في 28 أغسطس/آب.

وقبضت قوات الأمن على «أحمد عبد الله»، رئيس مجلس أمناء «المفوضية المصرية للحقوق والحريات»، يوم 25 إبريل/نيسان، كما قبضت على «مينا ثابت»، مدير ملف الأقليات الدينية في «المفوضية المصرية»، يوم 19 مايو/أيار. وكانت «المفوضية المصرية» وثَّقت عدداً من حالات الاختفاء القسري في مصر. وظل الاثنان في الحجز دون أن تُوجه لهما تهم رسمياً، وأُفرج عن أولهما بكفالة في 18 يونيو/حزيران، وعن الثاني بكفالة في 10 سبتمبر/أيلول.

حوادث الاختفاء القسري

وعن حوادث الاختفاء القسري، قالت منظمة «العفو» في تقريرها إن جهاز «الأمن الوطني» اختطف مئات الأشخاص بدون أمر قضائي، واحتجزهم بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة خارج نطاق الإشراف القضائي، وبدون السماح لهم بالاتصال بأفراد أسرهم، أو ممثليهم القانونيين.

وواصلت السلطات إنكار وقوع حوادث الاختفاء القسري هذه. واستهدفت قوات الأمن أشخاصاً يُشتبه في تأييدهم لجماعة «الإخوان المسلمين»، ونشطاء ذوي انتماءات سياسية أخرى. ونُفذت بعض حالات الاختفاء القسري على أيدي مسؤولين في المخابرات الحربية.

التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة

وبخصوص التعذيب، أفادت المنظمة الحقوقية الدولية في تقريرها، بتعرض معتقلين للضرب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على أيدي مسؤولين أمنيين لدى القبض عليهم.

وتعرض كثير من ضحايا الاختفاء القسري للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على أيدي محققي «الأمن الوطني»؛ من أجل انتزاع اعترافات لاستخدامها ضدهم في المحاكمات. وكان من بين أساليب التعذيب الضرب المبرِّح، والصعق بالصدمات الكهربية، والإجبار على البقاء في أوضاع مؤلمة. وقد وثَّقت جماعات مصرية معنية بحقوق الإنسان عشرات من أنباء الوفيات في الحجز بسبب التعذيب، وعدم الحصول على الرعاية الطبية الكافية.

المحاكمات الجائرة

منظمة «العفو» انتقدت عبر تقريرها، كذلك، استمرار محاكم الجنايات في إجراء محاكمات جماعية جائرة لعشرات، وأحياناً لمئات، من المتهمين بتهم المشاركة في المظاهرات وأعمال العنف السياسي التي أعقبت الإطاحة بالرئيس «محمد مرسي» من منصبه في يوليو/تموز 2013.

وفي بعض المحاكمات التي ضمت متهمين سبق أن تعرضوا للاختفاء القسري، قبلت المحاكم اعترافات انتُزعت تحت وطأة التعذيب باعتبارها أدلة.

وبالإضافة إلى «الدوائر الخاصة» في محاكم الجنايات والمختصة بنظر القضايا المتعلقة بالإرهاب، حُوكم مئات المدنيين في محاكمات جائرة أمام محاكم عسكرية، وكان من بينها محاكمات جماعية. وفي أغسطس/آب، مدَّدت السلطات سريان قانون يوسع بشكل كبير من صلاحيات المحاكم العسكرية بحيث تشمل الجرائم المرتكبة ضد “المنشآت العامة”، وذلك لمدة خمس سنوات أخرى.

وحاكمت المحاكم ما يزيد عن 200 شخص بتهمة المشاركة في المظاهرات المناهضة لقرار الحكومة بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وحكمت على كثيرين منهم بالسجن لمدد تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، بالإضافة إلى غرامات باهظة. وفيما بعد، قضت محاكم الاستئناف بإلغاء معظم أحكام السجن.

وفي 18 يونيو/حزيران، حكمت إحدى المحاكم على الرئيس «محمد مرسي» بالسجن لمدة 25 سنة بتهمة قيادة «جماعة محظورة»، وبالسجن لمدة 15 سنة أخرى بتهمة الاستيلاء على معلومات سرية. كما أصدرت المحكمة في القضية نفسها أحكاماً بالإعدام على ستة أشخاص آخرين، من بينهم ثلاثة أشخاص صدر عليهم الحكم غيابياً.

الإفلات من العقاب

منظمة «العفو» انتقدت كذلك تقاعس السلطات عن إجراء تحقيقات كافية في الغالبية العظمى من الحالات التي زُعم أنها انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك حالات التعذيب، والاختفاء القسري، والوفيات في الحجز، واستخدام القوة المفرطة على نطاق واسع من جانب قوات الأمن منذ عام 2011، كما تقاعست عن تقديم مرتكبي هذه الأفعال إلى ساحة العدالة.

وعادةً ما كان مسؤولو النيابة يرفضون التحقيق في شكاوى المقبوض عليهم من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وكذلك التحقيق في الأدلة التي تثبت أن قوات الأمن قد لفَّقت تواريخ القبض في حالات الاختفاء القسري.

عقوبة الإعدام

وعن عقوبة الإعدام، قالت المنظمة الحقوقية الدولية إن محاكم عسكرية أصدرت في 2016 عدداً من أحكام الإعدام ضد مدنيين إثر محاكمات اتسمت بالجور الفادح، وشابتها وقائع اختفاء قسري وتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.

ففي 29 مايو/أيار، أصدرت محكمة عسكرية أحكاماً بالإعدام ضد ستة مدنيين، وأحكاماً بالسجن لمدد تتراوح بين 15 سنة و25 سنة ضد 12 مدنياً، لاتهامهم بالانتماء إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، والحصول على معلومات سرية، وحيازة أسلحة نارية ومتفجرات.

وتجاهلت المحكمة شكاوى المتهمين من تعرضهم للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وكذلك أدلة على أن قوات الأمن عرَّضت هؤلاء المتهمين للاختفاء القسري عقب القبض عليهم، في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2015.

كما حكمت المحكمة غيابياً على شخصين آخرين بالإعدام، وعلى ستة أشخاص بالسجن لمدة 25 سنة. وقد تقدم المتهمون المحبوسون بدعاوى لاستئناف الحكم أمام محكمة عسكرية أعلى.