العلاقات المدنية العسكرية ومستقبل الثورات العربية

أعاد الشعب التركي، بتصديه لمحاولة الانقلاب العسكري في 15 من يوليو/ تموز، وإحباطه تلك المحاولة في مواجهة شجاعة، وغير مسبوقة للمواطنين المدنيين بصدورهم العارية، مع العسكر الانقلابيين، بدباباتهم ومدرعاتهم، وحتى طائراتهم الحربية. وانتهى الأمر بانتصار الإرادة الشعبية التركية، وهزيمة مخزية للعسكر الانقلابيين.

أعاد هذا الحدث إلى المشهد السياسي قضية العلاقات المدنية — العسكرية، فى عالمنا العربي، وهي القضية التى بقيت مسكوتاً عنها عقوداً، حتى جاءت ثورات الربيع العربي، مع بدايات العام 2011، ليبدأ الحديث عنها، على استحياء فى بداية الأمر، خصوصاً في ظل حالة التغييب التامة التي كانت تحيط بها، ثم تصاعد الحديث عنها، مع الظهور المتصاعد للمؤسسات العسكرية في مشهد ثورات الربيع العربي، مع التطورات المتباينة التي شهدتها تلك الثورات، وخصوصاً مع بداية الهجمة الشرسة للثورات المضادة، والتي لعبت فيها المؤسسات العسكرية دوراً بارزاً.

ثم خفت الحديث عن تلك العلاقات الملتبسة للمؤسسات العسكرية، مع كل المكونات المدنية للدولة، في ظل التراجع الذي شهدته الثورات، والنجاح النسبي أو المرحلي للثورات المضادة، حتى جاءت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، وتصدّى لها الشعب التركي، بكل مكوناته المدنية السياسية وغير السياسية، النخبوية والجماهيرية، في سابقةٍ سيتوقف عندها التاريخ طويلاً.

أعقب أحداث تركيا الدامية بشهر حلول الذكرى الثالثة لأحداث الفض الدامية لاعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة في القاهرة، والذي جرى يوم 14 أغسطس/ آب 2013، وكان قد سبق الأحداث المأساوية نزول الجيش إلى المعترك السياسي بشكل واضح وصريح، عندما أعلن القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في 3 يوليو/ تموز 2013، عزل رئيس الجمهورية المنتخب، وتعطيل دستور 2013 الذي سبق الاستفتاء عليه، وإعلان خريطة طريقٍ للمستقبل ترعاها القوات المسلحة.

وكانت الذريعة هي خروج جماهير عريضة في تظاهرات 30 يونيو، تطالب بالتغيير عبر انتخابات رئاسيةٍ مبكرةٍ؟ وجرى على أساس خريطة المستقبل تلك تعديل الدستور، وإجراء انتخابات رئاسية، ترشح لها القائد العام للقوات المسلحة الذي أعلن خريطة المستقبل، بمباركةٍ من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأعقب ذلك دخولٌ واسعٌ للقوات المسلحة في الشأن المدني ومختلف مناحي الحياة السياسية، والاقتصادية، والعامة..

لتتحول القوات المسلحة إلى القاطرة التى تعتمد عليها الدولة فى كل مشروعاتها، بل وفي التعامل مع المشكلات الحياتية للمواطنين المتعلقة بالإعاشة، والإسكان، والنقل والمواصلات، وغير ذلك من المشكلات. وحدث نوعٌ من التماهي بين ما هو عسكري وما هو مدني.

ومع تجدّد الحديث عن العلاقات المدنية — العسكرية، علينا إعادة التفكير فى مضمون المصطلح نفسه، والذي يتجاوز فكرة “العسكريين والسلطة” إلى المفهوم الشامل والحديث للعسكرية، وأيضاً المفهوم الواضح للمدنيّة، والركائز التي يجب أن تستند عليها العلاقات المدنية — العسكرية، والضوابط التي تحكمها؟

وهو أمرٌ شديد الأهمية، إذا كنا في مجال الحديث عن الدولة المدنية، الديموقراطية، الحديثة التي تتطلع إليها الشعوب، لضمان حرية مواطنيها وكرامتهم، ولأنه أمرٌ شديد التعقيد، وشديد الحساسية في الوقت نفسه، فقد اهتمت الدول المتقدمة والديموقراطية بإنشاء مراكز الدراسات والبحوث المتخصصة في دراسة تلك العلاقات وتطورها، ووسائل وأساليب ضبطها، بما يضمن الحفاظ على مدنية الدولة، وديموقراطيتها، ووصل الأمر إلى حد إنشاء أقسام وكراسٍ أكاديمية في بعض الجامعات الأميركية والأوروبية، تعنى بدراسات الأمن والعلاقات المدنية — العسكرية.

وبداية، لا يقتصر مفهوم “العسكرية”، هنا، على القوات المسلحة، لكنه يمتد ليشمل أجهزة المخابرات والمعلومات والمباحث والأمن الداخلي والشرطة المدنية وأجهزة الرقابة المركزية، وغيرها من الأجهزة النظامية التي تعمل في خدمتها، وكلها يطلق عليها في دولنا العربية مصطلح “الأجهزة السيادية”، والقوات المسلحة على قمة هرم تلك الأجهزة.

أما مفهوم “المدنية”، فهو ينعكس بالضرورة على كل مكونات المجتمع السياسية، والاقتصادية، والثقافية، بما في ذلك الجهاز الإداري والبيروقراطي للدولة، وما يعرف بمنظمات المجتمع المدني من نقابات، وجمعيات ومؤسسات.

ولأن الأصل في الأشياء أن الدولة مدنية، والمكون العسكري، بكل مشتملاته هو ملك للشعب، ويعمل في خدمة تلك الدولة المدنية، تحت إمرة مؤسسات الحكم المنتخبة ديموقراطياً بإرادة الشعب. لذلك، فإنه عندما تسعى المؤسسة العسكرية للتأثير على القرار السياسي، تحت أي ذريعة، فإن ذلك يعتبر تدخلاً مرفوضاً، وغالباً تدخلاً محظوراً، خصوصاً في الديموقراطيات الراسخة، ويجري على الفور التصدي له، والرجوع إلى قواعد العلاقات المدنية العسكرية، التي تجري مراجعتها باستمرار من خلال مراكز البحث والتفكير المتخصصة، والحريصة على أن يبقى دور المؤسسة العسكرية استشارياً بالنسبة للقرار السياسي، فيما يتعلق بشؤون الأمن القومي، وتنفيذياً في حالة اتخاذ قرار سياسي باستخدام القوة المسلحة، تلك هي القواعد الأساسية التي استقرت عليها الدول الديموقراطية.

يختلف الأمر تماماً عندما تتدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، وتفرض إرادتها بالقوة المسلحة على كل أطراف اللعبة السياسية، تحت ذرائع مختلفة، وترفع شعاراتٍ قوميةً مستهلكةً. هنا، يتحول الأمر إلى ما يُسمى “الانقلاب العسكري”، وهو ما شهدته، وعانت منه بلاد وشعوب كثيرة، في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وكانت شعوب الشرق الأوسط، خصوصاً العربية، هي الأكثر ابتلاءً بتلك الانقلابات العسكرية، ونُظمها السلطوية، والتي كان لها تأثير سلبي كبير على تطور تلك الشعوب ونموها، ولحاقها بالعالم المتقدم.

وعادة ما تطرح تلك الانقلابات العسكرية فكرة القائد المُخلّص، والزعيم الملهم، والرئيس الضرورة، وتعمد إلى خلط المفاهيم فيما يتعلق بالعلاقات المدنية — العسكرية، والتي يصبح الحديث عنها من المحظورات. وهكذا، تسقط الضوابط التي تحكم دور المؤسسة العسكرية وتوابعها في الشأن العام والحياة المدنية.

هذا ما غاب عن الجماهير التي خرجت إلى الميادين مع انطلاقة ثورات الربيع العربي، ترفع شعارات .. العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

وتعتقد أن مجرد تغيير رأس النظام يعني نجاح ثوراتها، وتحقيق مطالبها. وكانت النتيجة إحباط تلك الموجات الثورية غير المسبوقة، نتيجةً للخلل الجسيم فى العلاقات المدنية — العسكرية، ذلك الخلل الذي دفع المؤسسات العسكرية إلى التدخل بأشكالٍ وطرق مختلفة، للوقوف في مواجهة أي تغيير يجري بعيداً عنها، باعتبارها صاحب الحق الوحيد في القيام بأي تغيير سياسي، وفرضه بالقوة المسلحة، ثم إسباغ صفة “الثورة” عليه.

يؤدي هذا بنا إلى حقيقة أن على الشعوب العربية أن تسعى، أولاً، إلى ضبط العلاقات المدنية — العسكرية، قبل أن تسعى إلى التغيير الثوري الحقيقي، من أجل إقامة الدولة المدنية الديموقراطية، الحديثة التي تحقق الحرية، والعيش، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، للمواطن العربي.

* اللواء الركن المتقاعد د. عادل سليمان كاتب وباحث أكاديمي مصري في الشؤون الاستراتيچية والنظم العسكرية.