«القدس العـربي»: السـعـودية والحـذر من أمـريكا الترامـبـية

إضافة إلى الأجندة المعروفة حول قضايا المنطقة في اليمن وسوريا، والعلاقة المتأججة مع إيران، فقد كشفت مكالمة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز بالرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب يوم الأحد الماضي وردود الفعل السياسية السعودية التي تلتها عن تطوّرين لافتين.

يتعلّق الأول بموقف أبداه العاهل السعودي في حديثه لترامب ألمح فيه إلى علاقة ربطت بين زعيم تنظيم «القاعدة» القتيل أسامة بن لادن وجماعة «الإخوان المسلمين» التي انتمى إليها قبل رحيله إلى أفغانستان وتأسيسه للتنظيم المعروف.

ويتعلّق التطوّر الثاني بالصمت «البليغ» حول القرار التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي وحظر فيه 220 مليون مسلم، من ست دول عربية ومسلمة من دخول الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 90 يوماً (مع منع نهائي لدخول اللاجئين السوريين).

يمثل الموقف الأول نوعاً من المحاججة السياسية السعودية القائمة على مواجهة احتمالات مضيّ الإدارة الأمريكية الجديدة بتطبيق تشريع مجلس النواب الأمريكي المعروف بقانون «جاستا» والذي تمت الموافقة عليه بالإجماع في أيار/مايو الماضي ويسمح لأسر ضحايا هجمات 11 أيلول/سبتمبر بمقاضاة الرياض على الأضرار التي لحقت بهم، والذي قام الكونغرس بإقراره رغم «فيتو» وضعه عليه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

بإعادة التهمة إلى أسامة بن لادن، ثم بتوسيع قوس الاتهام ليشمل ضمنيّاً «الإخوان»، تحاول المملكة الخروج من دائرة الاتهام التقليدية التي تحمّلها عادة مسؤولية نشر الإسلام السلفيّ الجهادي، وهي فكرة تجد هوى لدى الدائرة الأمنيّة المقرّبة من ترامب التي تنظّر لصراع حضاريّ شامل مع الإسلام.

الصمت السعوديّ عن قرار ترامب التنفيذي ضد المسلمين ـ وهي الجهة التي تقود الدفاع عنهم في العالم ـ يراعي بالتأكيد القضايا الحرجة التي تم ذكرها أعلاه، لكنّه يحتمل إضافة تفسيرات أخرى، منها أن إحدى الدول المستهدفة رعاياها بقرار ترامب هي إيران، والتي تعتبر الخصم اللدود للمملكة، ليس في المنطقة العربية وحسب، بل على حدودها وداخل أراضيها، وبسكوتها فإنها تتجنب إغضاب الإدارة الأمريكية الهائجة والمتوثّبة للخلاف والانتقام ممن يقف في وجهها، كما أنها تتجنّب إبداء موقف قد يسجّل لصالح إيران.

يدخل تجنّب ردّ الفعل السعودي السلبيّ على القرار الأمريكي أيضاً في باب رعاية آمال الرياض بزيادة الخصومة الأمريكية مع طهران، وهو يتطلّب طبعاً إبداء أقصى درجات الحذر والصبر مع طاقم ترامب ولو كان ذلك على حساب تآكل بعض الرصيد السعودي المعتاد والذي يتوسّل مقاربة الدفاع عن مصالح الإسلام والمسلمين في العالم.

المقاربة السعودية تتسم بالحذر وأشكال التراضي مع إدارة لا تحفل كثيراً بالالتزامات والتحالفات التاريخية الوطيدة، فقد قلبت ظهر المجنّ لحلفائها الاقتصاديين من خلال إلغاء اتفاقية التجارة الحرّة، وحلفائها السياسيين من خلال مواقف ترامب المعلنة لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتقرّب إلى روسيا فلاديمير بوتين على حساب الأوروبيين، وابتدأت معركة معلنة ضد جارتها المكسيك، ورفعت سقف الخلافات مع استراليا، وها هي تهدد الصين، أحد أكبر شركائها الاقتصاديين في العالم.

المصدر | القدس العربي