القوات الموالية للإمارات.. كلمة سر مخطط انفصالي في اليمن

لم تكن خطوات الحراك الجنوبي بإعلان عدن التاريخي، ومن ثم الإعلان عن تشكيل مجلس انتقالي لإدارة الجنوب بالمفاجئة، فلهذه الإجراءات حيثيات ومقدمات استطاع كثير من السياسيين والناشطين قراءتها في وقت مبكر كاشفين عن مسارها وما ستؤول إليه.

ويرى المراقبون للشأن اليمني، أن استئثار دولة الإمارات بإدارة المناطق المحررة في الجنوب عبر وكلاء لها من اليمنيين، بعيدا عن السلطة الشرعية للبلد، أثار كثيرا من التساؤلات حول أهدافها المستقبلية.

تحركات الحكومة الشرعية كالعادة تأتي متأخرة، حيث كانت البداية مع قرار «هادي» في 3 أبريل/نيسان 2016، بإقالة رجل الإمارات الأول في اليمن، رئيس الوزراء السابق «خالد بحاح»، الذي كان يُعد نفسه في تلك الأيام بدعم من الإمارات ليتسلم صلاحيات «هادي»، ومن ثم يتم اختياره رئيسا توافقيا لليمن بحسب ما كان مرسوما له بموجب مبادرة «كيري»، غير أن قرار «هادي» بإقالته وتعيين «علي محسن الأحمر» الموالي لحزب «الإصلاح» (جناح الإخوان في اليمن) نائبا للرئيس، قلب طاولة الترتيبات، ووضع الإمارات لأول مرة في مواجهة مباشرة مع الشرعية لمحاولة التراجع عن هذه الخطوة المفاجئة.

إرباك المشهد في الجنوب… تدابير احتياطية

كان لقرار «هادي» الذي أطاح بـ«بحاح» أثره في إبراز الصراع بين كل من الحكومة الشرعية ومن خلفها المملكة العربية السعودية، وبين دولة الإمارات وأدواتها في اليمن.

الأمر الذي دفع الإمارات لاتخاذ خطوات متتالية لمواجهة قرارات الرئاسة ورفضها، بل ودعم المتمردين ضدها بالتصدي العسكري، فبرزت الكثير من الاختلالات الأمنية، على شكل اغتيالات ممنهجة لأغلب كوادر الجنوب الوطنية من قادة سياسيين وعسكريين وقادة مقاومة ودعاة، ونشطت كذلك العمليات الإرهابية عبر المفخخات والانتحاريين، وصولاً إلى أُم الجرائم المستهدفة لدار المسنين والعجزة في عدن، كل ذلك صُور على أنه بداية انفلات أمني يجب الوقوف عليه والتصدي له عبر أجهزة أمنية قوية بعيدة عن الأجهزة المترهلة والمخترقة بطبيعة الحال.

قوات الحزام الأمني .. قوة ردع بنتائج عكسية

في تلك الأثناء كان شباب المقاومة قد استطاعوا تشكيل لجان شعبية لحماية حارات ومداخل المدينة من أي تسلل قد تقوم به مليشيات «الحوثي» وقوات «صالح»، من شأنه أن يحدث اختراق في صفوف مقاتليهم بعد تحقيق الانتصار وتحرير المدينة، دولة الإمارات التي لا يزيد عدد قواتها في اليمن عن 3000 جندي توزعوا على عدة جبهات كخبراء ومدربين للقوات اليمنية، ما لبثت أن بدأت في تطوير هذه اللجان وإعادة تشكيلها وتأهيلها، وحرصت من أول يوم على أن تكون مغلقة على أبناء المحافظات الجنوبية فقط، بأسس فئوية وشخصية تتبنى رفع شعار الهوية الجنوبية، لا ترتبط بالداخلية ولا بوزارة الدفاع ولا تنتمي بأي شكل للحكومة الشرعية، بل على العكس من ذلك، فقد تبنت سياسة عدائية لقيادة الشرعية، ولكل ما يمت إلى الشمال بصلة.

فظهرت قوة ردع جديدة تعرف اليوم بقوات «الحزام الأمني» في الجنوب، بقيادة «هاني بن بريك» الوزير في حكومة «أحمد عبيد بن دغر»، ورغم أنه لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد منتسبي هذا الجهاز في الجنوب بشكل عام، إلا أنها تشكلت في عدن بقوام تزيد عن 12 ألف جندي، استطاعت أن تعمل على إرساء الأمن، وكشفت الكثير من الخلايا الإرهابية وقبضت على عناصر بعض تلك الخلايا، إلا أن تساؤلات كثيرة أثيرت حول هوية تلك القوة التي لم تكن تتبع وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع أو أي مؤسسة من مؤسسات الشرعية.

وفي إطار إجراءاتها الأمنية فقد أثارت قوات الحزام الأمني الكثير من اللغط تجاه إجراءاتها الأمنية خلال الفترة الماضية، من أهمها تهجير وترحيل ما يزيد عن 850 من أبناء الشمال ممن استقر بهم المقام في مدن ما بعد خط عام تسعين، سواء كانوا عمال أو موظفين أو حتى تجار، متجاهلين قرار الحكومة وقرار «هادي» فيما بعد بإيقاف هذه الإجراءات التعسفية، إضافة إلى تكثيف عملياته التي استهدفت قوى المقاومة الجنوبية، التي لم تستطع استقطابها وضمها تحت العباءة الإماراتية، وتقرأ أيضاً بأنها في إطار الرد على قرار هادي، أرادت أبوظبي أن توجه من خلالها رسالة تلوح فيها بفك الارتباط فيما إذا استهدفت مصالحها وأدواتها في اليمن.

قوات النخبة الحضرمية

هي الأخرى كيان جديد يحمل نفس الهوية والشعار، تعهدتها الإمارات بمشاركة المملكة الأردنية بتدريبات نوعية ومكثفة، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب.

وما يميز هذه القوات أن أفرادها هم من أبناء المحافظة نفسها، بعكس الحزام الأمني المتشكل من أفراد انضموا إليه من مختلف محافظات الجنوب، وتعتبر قوات النخبة نتاج لمجلس تحالف بين أبناء العشائر القبلية في المحافظة وعناصر من تنظيم «القاعدة » التي تصدرت المشهد في المدينة بعد انكفاء الأجهزة الأمنية والعسكرية أثناء التمدد الحوثي في عدن وأجزاء من محافظات أخرى، قبل أن تلوذ بالفرار بعد دخول قوات التحالف والسيطرة على المدينة.

وقد حققت قوات النخبة إنجازات مهمة، لعل من أهمها السيطرة على مدينة المكلا عاصمة حضرموت ومديريات الساحل في 24 من أبريل/نيسان 2016، وذلك بعد سيطرة تنظيم «القاعدة» عليها لأكثر من عام، بالإضافة إلى إنهاء حالة الانفلات الأمني وعمليات الاغتيال الممنهجة للقيادات المحلية والعسكرية وكذلك العلماء والدعاة.

وخلال فترة وجيزة تحولت الآمال المنعقدة على الانتشار الأمني لقوات النخبة التي تشرف عليها قيادات عسكرية إماراتية إلى كابوس مريع، أذاقت المواطنين في حضرموت ألواناً من العذاب بتهم الانتماء لـ«القاعدة»، أعادت إلى أذهان المواطن اليمني في الجنوب حقبة من الزمن إبان حكم الاشتراكية لجنوب اليمن.

الحديث عن طرق تعامل القوات الإماراتية والموالية لها، نقله الكثير من مشايخ وأعيان المحافظة، والتي تبرأت فيما بعد من المجلس الانتقالي الذي أعلنه محافظ عدن السابق «عيدروس الزبيدي» وأيده محافظ حضرموت «أحمد بن بريك»، كما أن المغرد السعودي الشهير «مجتهد» نشر نقلا عن جندي سابق بقوات النخبة الحضرمية، كيف يتعامل أفرادها مع المشتبه بهم عند اقتحام منازلهم أو بعد ذلك في السجون التي تحولت إلى مسالخ تنتزع فيها أرواحهم.

قرارات «هادي» الأخيرة .. شجاعة أم تهور؟

في خطوة تمهيدية لما ستؤول إليه الأمور، استطاع «مهران القباطي» بتوجيه من الرئيس «هادي» الانسحاب بقوات اللواء الرابع الذي يقوده، من جبهات القتال في محافظة صعدة والعودة به بشكل شبه سري إلى العاصمة المؤقتة عدن.

وذلك قبل أن يعقد «هادي» مع نائبه ومستشاريه، اجتماعا للتباحث حول ممارسات الحزام الأمني بمنعه قيادات عسكرية موالية لـ«هادي» من الرجوع لمدينة عدن.

وبعد الخروج من الاجتماع، أصدر الرئيس «هادي» بتاريخ 24 أبريل/نيسان 2017 قراره الذي قضى بإقالة محافظ عدن «عيدروس الزبيدي» ووزير الدولة «هاني بن بريك» المسؤول عن قوات الحزام الأمني بالجنوب، يأتي ذلك بعد شهرين من منع طائرته من الهبوط في مطار عدن، من قبل قوات حماية المطار الموالية للإمارات، الأمر الذي تطور إلى اشتباكات بين ألوية الحماية الرئاسية من جهة وقوات الحزام الأمني التي كسبت الجولة بإسناد مروحية تابعة للقوات الإماراتية من جهة أخرى.

كانت الإمارات قد أنهت شوطا كبيرا في إعداد القوة العسكرية الخاصة بدولة الجنوب الذي كانت تعد لإعلانها في وقت قريب قبل أن تتفاجأ بقرار «هادي» الذي قلب الطاولة وكشف خيوط اللعبة ونسيج المؤامرة على اليمن.

إلا أن قسم كبير من هذا المخطط لم يكتمل بعد، والمتعلق باستقطاب الولاءات وشراء الذمم والتخلص من بقية من يقف أمام هذا الطموح، وهذا ما يفسر دعوة الإمارات لكثير من القادة السياسيين والمشايخ القبلية والعسكريين من أبناء الجنوب خلال الأيام التي تلت قرار «هادي».

إلا أن الترتيب الذي لم يكتمل وينضج بعد، أدى إلى إخراج المشهد بشكل ضعيف، افتقر إلى الخطاب الجامع لمكونات الجنوب كاملة، كما أدى إلى تذبذب كثير ممن وردت أسماؤهم في إعلان «الزبيدي» لتشكيل المجلس الانتقالي.

وبينما يترقب الجميع لما ستؤول إليه نتائج المباحثات في الرياض خاصة بعد توجه «الزبيدي» و«بن بريك» قبل يومين إلى الرياض استجابة لدعوة المملكة التي تسعى لرأب الصدع، يذهب طرفا الصراع عبر تصريحات نارية إلى خيارات «صفرية» لا مجال فيها لحلول «توافقية» من شأنها أن تعيد الأمر إلى ما كان عليه قبيل إعلان التمرد.