المخاطر الكامنة وراء نقل السفارة الأمريكية في (إسرائيل) إلى القدس

تضج وسائل الإعلام بالتكهّنات بأنّ واحد من أوائل الأوامر للرئيس «دونالد ترامب» في عمله بالمكتب البيضاوي سيكون التوجيه بنقل السفارة الأمريكية في (إسرائيل) من تل أبيب إلى القدس. ومع ذلك، فإنّ عمل ذلك ليس بالأمر السهل كما يبدو. فلن يستقبل الفلسطينيون مثل هذا القرار بصدرٍ رحب، وهم الذين يطالبون بكامل المدينة المقدّسة. ولن يلقى القرار ترحيبًا من قبل دول مثل الأردن ومصر والتي تكافح لأجل إظهار علاقة طيبة بفلسطين و(إسرائيل) والولايات المتّحدة. وقد تعمل التوتّرات الدينية الناتجة على تعريض المواطنين الأمريكيين والبعثات الأمريكية للخطر.

تحليل

إنّ فكرة نقل السفارة الأمريكية في (إسرائيل) ليست بجديدة على الإطلاق. وفي الحقيقة، لقد أقرّ الكونغرس تشريعًا يعترف فيه بالقدس عاصمةً لـ (إسرائيل) منذ عقود. ووفقًا للقانون، تحتاج وزارة الخارجية فتح سفارة لها في المدينة، وإلّا تخاطر بفقدان نصف ميزانيتها لشراء وصيانة وتأمين سفاراتها حول العالم. وبالطبع، أوقف كل رئيس أمريكي منذ التسعينات فتح سفارة في القدس بقرار إداري، لكن قد يحتاج «ترامب» فقط، نظريًا، لعكس قرار أسلافه ليغدو الإجراء قانونًا.

وإذا اختار الرئيس فعل ذلك، سيصبح وزير الخارجية «ريكس تيلرسون» ملزمًا، قانونيًا وسياسيًا، بفتح سفارة في القدس. وحتّى إن لم يقم «ترامب» بإلغاء قرار «أوباما»، فقد وضع الكونغرس مشروع قانون يسمح بإنفاذ الإجراء وتجاوز قرار الرئيس. لذلك، قد يمضي الكونغرس قدمًا في الأمر بغض النظر عن قرار «ترامب».

خطوة سهلة

لوجيستيًا، لن يكون من الصعب فتح سفارة في القدس. فهناك قنصلية أمريكية بالفعل قد تمّ تجديدها في المدينة عام 2010، وتمّ بناؤها على أساس أنه يمكن تحويلها إلى سفارة في وقت سريع إذا لزم الأمر، ببعض التأمين ونقل الموظفين. إلّا أنّ الموظفين يسكنون غالبًا في المناطق ذات الأغلبية الفلسطينية، ولكن قد تتحمل (إسرائيل) عبء نقل سكنهم إذا ما كانت ستحصل في المقابل على اعتراف من الولايات المتّحدة بأنّ القدس هي عاصمة (إسرائيل).

توجد عقبات أكبر للتغلّب عليها إذا ما اختارت واشنطن بناء سفارة جديدة لها. وقد استعدّت (إسرائيل) جيدًا بتجهيز ممتلكات إضافية في القدس في حال سعت الولايات المتّحدة يومًا ما لإقامة بعثة إضافية في المدينة. لكنّ وزارة الخارجية سيتعيّن عليها القفز فوق الكثير من الحواجز حين يأتي الأمر للموافقة والتمويل والتخطيط والبناء والتكليف بسفارة جديدة. وقد يتسبّب الروتين في استمرار البناء لسنوات. ورغم وجود البنية التحتية اللازمة القائمة بالفعل في مبنى القنصلية، إلّا أنّه يوجد جدوى بشكلٍ ما من المنظور اللوجيستي لرفع مبنىً آخر.

وينطبق الشيء نفسه من وجهة نظر أمنية. فالسفارة والقنصلية لديهما نفس الخصائص ونفس المتطلبات الأمنية. وكلاهما يستضيف عددًا من المسؤولين بوزارة الخارجية والوكالات الأخرى. إلّا أنّ القنصلية في القدس موجودة في مكان غير مأهول بالكثير من السكّان وفي مساحة واسعة جيّدة التأمين، على عكس السفارة في تل أبيب التي توجد على شارع حضري ولديها مساحة تأمين محدودة.

القيمة الرمزية

وتمثّل كل مظاهر القنصلية في القدس ما تحتاجه لتصبح سفارة. لكنّ وظيفة المبنى ليست هي المشكلة، لكنّ المشكلة في معناها الرمزي. فالسفارة، خلاف القنصلية، تستضيف سفيرًا ممثلًّا لما يمكن القول بأنّه المكتب التنفيذي الأقوى في العالم. وتقليديًا، فإنّه يقيم في العاصمة السياسية للبلد المضيف.

وهنا تكمن المشكلة، فوجود سفارة للولايات المتّحدة في القدس، يعني ضمنًا إقرارًا ملموسًا لقرار الكونغرس باعتبار المدينة ملكا لـ(إسرائيل)، وهو الجدال الذي طال أمده في الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وسيضع ذلك أيضًا عددًا من دول المنطقة، مثل الأردن ومصر، في حرج. حيث حاولت تلك الدول طويلًا الحفاظ على علاقات ودّية مع (إسرائيل) وفلسطين والولايات المتّحدة.

وفي محاولة لتجنّب المتاعب، التقى العاهل الأردني «عبد الله الثاني» برئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس ليؤكّد على صياغة عمّان خطّة طوارئ في حالة ما حاول «ترامب» نقل السفارة. ولدى الأردن جالية فلسطينية كبيرة داخل حدودها، الأمر الذي لا يترك للملك خيارًا سوى رفض إنشاء سفارة في القدس، وإلّا سيخاطر بردّ فعل خطير من المواطنين الغاضبين. وبعد كل شيء، تستقبل الأردن مساعدات عسكرية واقتصادية بملايين الدولارات من الولايات المتّحدة، ولا يمكنها أن تدع تلك الأموال تجف.

وسيتعيّن على مصر، أيضًا، إيجاد طريقة لموازنة علاقاتها بالولايات المتّحدة مع مطالب شعبها. وقد رحّب الرئيس «عبد الفتاح السيسي» بإدارة «ترامب» بشكلٍ أكثر دفئًا ممّا فعل عاهل الأردن، ويأمل في استعادة العلاقات مع واشنطن، بعد أن فترت تلك العلاقات خلال السنوات الثلاثة الأخيرة. لكن مثل الأردن، ستتعرّض مصر للضغوط من قبل شعبها للدفاع عن الفلسطينيين، إذا ما تعرّضت مصالحهم في القدس للتهديد.

وطويلًا ما تعرّضت بعثات الولايات المتّحدة للاستهداف من قبل جماعات تختلف مع قرارات سياسية اتّخذتها واشنطن. ولن يكون قرار نقل السفارة استثناءً. لكنّ الهجمات ضد منشآت الولايات المتّحدة في (إسرائيل) شائعة إلى حدٍّ ما، وستستمر بغض النظر عن نقل السفارة أم لا. (وفي 8 يناير/كانون الثاني، على سبيل المثال، قتل سائق مركبة 4 جنود إسرائيليين في القدس، على بعد عدّة مباني فقط من القنصلية الأمريكية). ومع ذلك، فإنّ خطر شنّ الفلسطينيين لهجمات أصغر ضدّ الأمريكيين في (إسرائيل)، وكذلك في الأردن ومصر، لا يمكن استبعاده إذا تفاقمت التوتّرات عميقة الجذور في المنطقة أكثر من ذلك.

المصدر | ستراتفور