الموصل.. لماذا تحظى المدينة بهذا الاهتمام من القوى الإقليمية والدولية؟

«قل لي كيف يمكن أن ينتهي هذا»، هي لازمة رئاسية اعتاد الرئيس «أوباما» استخدامها في تبرير سياسته بالتزام ضبط النفس في الشرق الأوسط، الذي يعاني من التدخلات العميقة من أجل «إنهاء وتدمير» تنظيم الدولة الإسلامية. سيتعين على الرئيس القادم أن يسير على نفس النهج. بحلول ذلك الوقت، من المرجح أن تكون الموصل قد تحررت من أيدي الجماعة المسلحة. ولكن السؤال هو إلى أي مدى ستتوسع الولايات المتحدة في أنشطتها في سوريا، من محاربة الإرهاب إلى الإطاحة بحكومة الرئيس السوري «بشار الأسد»، والذي يلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى.

ولعل السؤال الأكثر أهمية هنا هو «كيف بدأ هذا؟». فعند التخطيط للمستقبل، يتعين على الرئيس ان يكون واعيًا بالماضي بقدر وعيه بالحاضر والمستقبل. ولا يعني هذا التركيز حول سجلات التصويت على حرب العراق أو ضد الزعماء المعاصرين مثل «بشار الأسد» أو رئيس وزراء العراق السابق «نوري المالكي». ولكي نفهم الخريطة الحالية للشرق الأوسط ما بعد معركة الموصل، لابد أن نعود مائة عام إلى الوراء إلى مواجهة دبلوماسية ملحمية في لوزران بسويسرا.

النضال من أجل الخلاص التركي

في عام 1922، أرسل الرئيس التركي «مصطفى كمال أتاتورك» وزير خارجيته «مصطفى عصمت باشا» للوزان، في مهمة إنقاذ لجمهورية تركيا الوليدة من بين فكي الاستعمار الأوروبي الشره. قبل عامين من هذا، كانت معاهدة سيفر قد نجحت في تفكيك الإمبراطورية العثمانية، وتم التنازل عن مساحات شاسعة من لقوى الحلفاء واليونانيين والأرمن والأكراد. ومع صدمتها الشديدة، وتحت الحكم القومي لأتاتورك، عادت تركيا لطاولة المفاوضات، ليس كمتوسل ولكن على قدم المساواة مع أوروبا، لاستعادة حدودها ما بعد الاستعمار في معاهدة لوزان عام 1923. وعلى الرغم من أنّ البلاد قد استعادت السيطرة على الأناضول والمضائق الاستراتيجية خلال المعاهدة، إلّا أنها قد خلفت وراءها عملًا غير منجز، ألا وهي الولاية العثمانية السابقة، الموصل.

وطالب الأتراك بريطانيا، الممثلة في وزير خارجيتها اللورد «كوزورن»، بإعادة الأراضي الواسعة الممتدة من الاناضول وراء جبال كردستان العليا. وتتبع المنطقة من هناك نهر دجلة جنوب شرق جبال سنجار بالقرب من الحدود السورية، وعبر سهول نينوى مرورًا بالموصل إلى أربيل وكركوك قبل الوقوف أمام جبال راغروس بطول الحدود الإيرانية. أصر «عصمت باشا» أن هذه الرقعة من الأرض كانت هي الفاصل الطبيعي بين الاناضول وبلاد ما بين النهرين، وهي المنطقة التي ترتبط بتركيا بحكم التجارة واللسان والثقافة. وبرر ذلك بأنّ «الموصل أصبحت مرتبطة بموانئ البحر الأبيض المتوسط أكثر من ارتباطها بالخليج الفارسي (العربي)». وبالطبع لم تكن الثروة النفطية في الموصل تشكل جزءً صغيرًا من اهتمام الأتراك بالموصل. وكانوا، في نفس الوقت، يحاولون توسيع الجمهورية الوليدة بقدر ما يستطيعون.

استطاع اللورد «كورزون» متسلحًا بدراساته الديموغرافية والإثنوغرافية الخاصة، إبطال حجج «عصمت باشا» عند كل منعطف، كما لم يكن لبريطانيا أن تسمح بخطر توسع تركيا للدرجة التي تهدد أهدافها في إيجاد موضع قدم في بلاد ما بين النهرين للتحكم في موارد الطاقة. وبالنظر إلى المنطقة من الناحية الديموغرافية، فإنّ الموصل كانت مكونة من العرب مع بعض الأقليات التي كانت مستعدة للقتال ضد الأتراك أكثر من التلاحم معهم. وأوضح «كورزون»: «لماذا علينا أن نسلم الموصل إلى تركيا؟ إنها بلدة عربية بناها العرب، ولم تفقد شخصيتها العربية رغم الاحتلال التركي لها لقرون»، كما اعتبر «كورزون» أن حجة الفاصل الحدودي الطبيعي بالجبال الطبيعية بموازاة سنجار والموصل وأربيل وكركوك كانت حجة مخادعة.

ورد «عصمت باشا»، الذي كان يثير جنون «كورزون» بوضع سدادات للأذن وقت حديث نظيره البريطاني، بكل براءة: «تركيا التي كانت إمبراطورية وأصبحت الآن دولة قومية، لا يمكنها التفكير في الهجوم أو الغزو لدولة ينتمي سكانها لعرق مختلف، والأتراك والعرب الذين عاشوا معًا كإخوة لقرون، لن يهاجموا بعضهم بعضًا عند الافتراق».

أجلت كل من لندن وأنقرة مسالة الموصل لثلاث سنوات، حينما قرر مجلس الأمم في النهاية إنهاء الامر عام 1926، وتخلت تركيا عن الموصل لبريطانيا مقابل بعض المزايا الاقتصادية، لكن تركيا لم تتخلى أبدًا عن اهتمامها وشغفها بالموصل وما حولها من جوار.

التنافس التركي الإيراني يولد من جديد

بعد عدة عقود، جددت تركيا من جديد مطالبتها بالمنطقة. بدأ حزب العمال الكردستاني باستخدام كردستان العراق كنقطة انطلاق لشن هجمات مسلحة على تركيا عام 1990. ولاحتواء تهديد الأكراد المسلحين، وضعت تركيا في الأمام بعض قواعد العمليات الصغيرة ونشرت مخابراتها في شمال العراق. ثم أتى الغزو الاقتصادي، وخلال العقد الأخير، تدفق عمال البناء الأتراك ومستثمري الطاقة والتجار على كردستان العراق، حاصلين على قبضة اقتصادية صارمة على شخصيات بارزة مثل زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني «مسعود برزاني» لفرض وجودهم سياسيًا.

ومع واقع الموصل كلقمة سائغة الآن، ووجود شمال سوريا في حالة فوضى، تتوسع تركيا الآن في بصمتها العسكرية بشكل كبير في ولاياتها العثمانية السابقة. ففي جنوب سوريا، تقاتل القوات التركية في حلب ضد قوات النظام السوري ووحدات حماية الشعب الكردية مع أمل الاستحواذ على المنطقة من أيدي (الدولة الإسلامية) دون الاصطدام بروسيا. في نفس الوقت، تمضي تركيا قدمًا في خطتها لإنشاء ما تسميه منطقة آمنة بطول الحدود، وعمال البناء الأتراك منهمكون في بناء المنازل للاجئين السوريين. ولا تنتظر أنقرة موافقة المجتمع الدولي للمضي قدمًا في خططها. وتركز تركيا الآن على تطوير وضع عسكري ثابت وراسخ في شمال سوريا للحد من طموحات الأكراد السوريين في إقامة دولة كردية مع توقع شكر الغرب لها لاحقًا لوقفها تدفق اللاجئين عبر حدودها إلى أوروبا.

وفي العراق، ستستخدم تركيا تهديد إعادة تشكيل الديموغرافيا لمحاولة بناء محمية سنية على أرض ولايتها السابقة. والموصل مدينة عربية سنية، وقد تسببت (الدولة الإسلامية) في نزوح غالبية أقلياتها الكردية والشيعية والتركمان واليزيديين والشبك. وعندما تنتهي المجموعات المقاتلة المكونة من القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة، وقوات البشمركة الأكراد، والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، والميليشيات السنية المدعومة من تركيا من استعادة الموصل، سيفتحون الباب لعمليات قتل انتقامية للسنة العرب حتى الذين يشتبه في تحريضهم من بعيدا على (الدولة الإسلامية). وكل مجموعة مسؤولة عن استرجاع منطقة وتأمينها ستحاول الحصول عليها لنفسها وتوطينها بالعرق والطائفة الخاصة بها. ومن منظور أنقرة، فإنه في حال تمدد الشيعة والأكراد في الموصل، فإنهم سيهددون الحزام الذي تحاول تركيا إنشاءه بطول سنجار والموصل وأربيل وكركوك. ولمنع ذلك من الحدوث، تقدم تركيا نفسها كحامية للعرب السنة، مع دعم قليل من السعودية وباقي دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يحاولون معًا (حتى الآن) لاحتواء تأثير إيران في المنطقة.

سيستغل الإيرانيون نفوذهم في بغداد التي يسيطر عليها الشيعة، والحكام المحليون، والفصائل الكردية المتناحرة للضغط على شبكة تحالفات أنقرة الضعيفة في المنطقة. ولكن إذا نجحت إمبراطورية بريطانيا القوية في إبقاء الموصل بعيدة عن تركيا، فلن تسمح أنقرة لدولة ممزقة تئن من الصراعات الطائفية والعرقية أن تمنعها من هدفها التاريخي بمضاعفة عمقها الاستراتيجي. ومن جانب أنقرة، فإما أن تكون تلك الأرض منعة في أيديها، أو خطرًا يهددها في أيدي أعدائها. وبين طهران ودمشق وموسكو والبي كاكا والدولة الإسلامية، لا تتمتع تركيا بنقص في الخصوم، وكل منهم لا يجد نقصًا في الوكلاء العاملين على إضعاف الدولة التركية.

ساحة المعركة المائعة

بعيدًا عن الصراع اليوم، فإنّ التنافس حول النفوذ والسيطرة على ولاية الموصل بين إيران وتركيا مستمر منذ قرون. ففي الوقت الذي تعمق تركيا من وجودها هناك، تضعف من إمكانية استكمال الهلال الشيعي الإيراني في المنطقة. ولا يلتزم الإيرانيون والأتراك في تنافسهم بالحدود السياسية في الخريطة المعاصرة. ولا ينوون أيضًا وضع واحدة جديدة بعد سايكس بيكو، بتقسيم الدول عرقيًا وطائفيًا بالشكل الذي يهدد وحدة أراضيهما، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالأكراد. في ساحة المعركة المائعة هذه، ستشكل الدبابات والنقود حالة المد والجزر في المنافسة بين اللاعبين الأقوى في المنطقة.

وتعدّ أهداف باقي القوى الإقليمية والعالمية في هذه المعركة على الموصل أكثر تواضعًا من التنافس على نفوذ تاريخي مفقود. فالولايات المتحدة وأوروبا تريدان فقط إخراج الدولة الإسلامية والقضاء على بقايا الخلافة المزعومة. وتتلقى الدولة الإسلامية الضربات في العراق وسوريا في الرقة والموصل ويضيق عليها حدودها، مما يدفع الكثير من مقاتليها للهروب تحت الأرض. وفور الحد من تهديد الدولة الإسلامية، اشتعل القتال بين المجموعات الطائفية والعرقية المختلفة في غياب العدو المشترك، وحاولت المجموعات الجهادية استغلال الوضع لتثبيت أنفسهم. ولازالت جبهة الشام، والمعروفة سابقًا باسم جبهة النصرة، والتي توالي القاعدة، تملك تأثيرًا على الأرض في سوريا. واستغلت القاعدة في اليمن الحملة السعودية ضد الرئيس السابق «علي عبد الله صالح» والحوثيين في إقامة تواصل مع القبائل وكسب مزيد من الأراضي. وستواجه السعودية تهديد الجهاديين في شبه الجزيرة العربية بجانب حاجتها لتنويع اقتصادها وتوظيف الشباب وعمل موازنات وإصلاحات سياسية واحتواء المؤسسة الدينية الوهابية والخروج من أزمة الحرب في اليمن.

لا يهم الراية التي تقدم الجهاد، فالمعركة تشتعل ضد العثمانيين، والصفويين والمحتلين الغربيين سيكون لهم تأثير قوي لحشد الجنود المحتملين. والقوى البعيدة مثل الولايات المتحدة ستقاوم طموحات كل من تركيا وإيران، مفضلةً أن تغذي القومية على حساب الطائفية لخلق سد ضد التنافسات المدمرة وإدارة توازن محلي للقوى من خلال مؤسسات الدولة. لكن «الأسد» و«المالكي» سيستمرون في تغذية الطائفية على حساب وحدة الأراضي لأنها الضامن لبقائهم، على حساب مؤسسات الدولة التي أصبحت مرتعًا للفساد والمحسوبية.

وتحاول الولايات المتحدة تجنب تعقد الصراع أكثر في الشرق الأوسط، بحيث يمكنها التعامل مع تطورات الأحداث، بينما ستستمر روسيا في البحث عن موطئ قدم عسكري لها في سبيل الحصول على ما يمكنها من مساومة الغرب، بينما ترسخ تواجدها العسكري في البحر المتوسط. وتلعب روسيا دور المشعل للأزمات أكثر من المعالج في مناطق الصراع. وهذا بدوره يصعب الأمر على روسيا باستغلال ساحة الحرب للحصول على تنازلات من الغرب. بينما تلعب الولايات المتحدة دورًا سلبيًا إلى حد ما مع الدولة الإسلامية على أمل إنهاك قوى الفرق المختلفة بسبب التصارع ورضوخهم في النهاية للجلوس على طاولة المفاوضات بجدية. لكن ذلك سيتطلب تفاهمًا بين الولايات المتحدة وروسيا. وهذا من شأنه أن يتسبب في استمرار نزيف الشرق الأوسط، بينما تستعد القوى الإقليمية عن طريق وكلائها لإطالة أمد المعارك. وبهذا، ينتهي هذا الصراع بالطريقة التي بدأ بها، مع قالب خلاص تاريخي، مخبوز في فرن الطائفية العرقية، والمغلف بمكيدة القوى العظمى.

المصدر | ستراتفور