الوهم الأمريكي: حرب واشنطن الفاشلة من أجل الشرق الأوسط الكبير

يعد كتاب الحرب الأمريكية من أجل الشرق الأوسط الكبير كتابا هاما. فكاتبه «أندرو باسيفيتش» هو المؤرخ العسكري والأمريكي المحب لوطنه والذي سبق له أن خدم في الجيش الأمريكي وفقد ابنه في حرب العراق. أي أنه ليس من دعاة الحرب ببساطة!

يقدم «باسيفيتش» ورقة متزنة وشاملة عن الحروب الأمريكية في العالم الإسلامي، وهي شهادة على فشل واشنطن العسكري في صناعة شرق أوسط كبير.

وخلال الكتاب، يستخدم الكاتب شفرة تحليلية لتشريح المذاهب والعقائد خلف التدخل العسكري المباشر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والتي لايرجع فيها إلى حقبة «فرانكلين روزفيلت» أو «دوايت إيزنهاور» وإنما إلى حقبة «جيمي كارتر».

ويمكن تلخيص عقيدة «كارتر» في هذا التصريح: «أي محاولة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي، سيتم اعتبارها تعديًا على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وسيتم صد مثل هذا الاعتداء بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية».

يقر «أندرو» أن «كارتر» كان لديه بعض التراخي، لكنه يظهر كيف مهدت عقيدته الطريق أمام التدخلات المستقبلية. ويقدم الكاتب دراسة عن كل حملة من عشرات الحملات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير والعالم الإسلامي، ولكنه يجمعهم جميعًا تحت عقلية استراتيجية واحدة على مدى أربع عقود. ثم ينتقد الأسباب المنطقية خلف استخدام القوة منذ عام 1980 من خلال تقييم مجرد للاستراتيجيات العسكرية الأمريكية من أول حرب الخليج الأولى وحرب البوسنة إلى أفغانستان مرورًا بلبنان وسوريا والصومال واليمن وغيرها.

القيادة الزائفة وجمهور الغافلين

بالنسبة لـ«باسيفيتش»، لم يكن دافع الولايات المتحدة في حروبها في الشرق الأوسط هو النفط وتعقيدات الصناعة العسكرية فقط. فهو يرى وهمًا جمعيًا يؤدي إلى مزيد من نفس التخبط والأخطاء.

ويعرض كيف استمر قادة أمريكا واستراتيجيوها في استخدام نفس قواعد اللعبة التي تتبعها واشنطن رغم إثبات فشلها في كل مرة. ويظهر من بين ذلك تجاهل الدرس البسيط بأن بدء الحروب ليس كإنهائها، وأن الانتصارات العسكرية التي تعلنها واشنطن تظهر في النهاية وبالًا عليها.

فقد تم اكتشاف أن الانتصار على السوفييت في أفغانستان كان خسارة عظيمة في النهاية. فقد اعتقدت واشنطن أنها انتصرت بانسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان بعد حرب أفغانستان الأولى، لكن الحقيقة أن ذلك مهد لحرب أفغانستان الثانية في 2001.

ويعتقد «باسيفيتش» أيضًا أن دعم العراق في حرب الخليج الأولى ضد إيران عام 1980 كان قصير النظر، فبعد أن ظنت الولايات المتحدة أنها انتصرت، استمر عداء إيران بالتشكل، وقام «صدام حسين» بغزو الكويت، ما أدى إلى تورط أكبر لواشنطن في العراق.

وبينما أوضح «كولن باول» أن أمريكا قد ربحت أموالًا من حرب 1991، إلا أن ذلك مهد الطريق لحرب أخرى في 2003 لازالت واشنطن تعاني من تداعياتها ماديًا ومعنويًا، وهذه الحرب أيضًا مهدت للتدخل الحالي ضد تنظيم تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق والشام.

وهلم جرا، وهكذا دواليك.

ولا يستثني «باسيفيتش» أحدًا من السياسيين أو العسكريين المشاركين في توريط واشنطن في حالة الحرب المستمرة هذه، بدءًا من «كارتر» وحتى «باراك أوباما»، مرورًا بـ«رونالد ريجان» و«كلينتون» و«جورش بوش الأب» و«بوش الابن»، وبدءًا من الجنرالات السابقين مثل «ويزلي كلارك» وصولًا إلى «ديفيد باتريوس» و«ستانلي ماكريستال» والعديد من الآخرين، حيث يظهر «باسيفيتش» كيف أن هذه القيادة السياسية والعسكرية دأبت على إعطاء وعود لم تقم بتحقيقها.

ومع وسائل إعلامية متواطئة تمامًا في بيع فكرة الحرب، لا يتردد «باسيفيتش» في الإشارة بأصابع الاتهام للرأي العام الأمريكي المنشغل بتوافه الأمور، بينما تعلق بلادهم في مستنقع الشرق الأوسط الكبير.

وفي فقرة من الصراحة تبعث على التفاؤل، يدلل «باسيفيتش» أن الولايات المتحدة بالفعل تدعم الحرية والديمقراطية والازدهار في الشرق الأوسط، لكن فقط حينما يكون لها نصيب «الأسد» من كل ذلك، وأي أمر آخر غير ذلك يكون ثانويا.

الحروب الخاطئة والدروس الخاطئة

كمؤرخ عسكري، يذكر «باسيفيتش» في فصله الافتتاحي أن عقيدة «كارتر» هي التي مهدت الطريق لعقود من التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير، ما سمح للإدارات اللاحقة بتوسعات شملت العديد من بلدان المنطقة، في تجاهل من القادة الأمريكيين لدروس التاريخ وخبرات القوى الاستعمارية الأخرى. يعتقد «باسيفيتش» أيضا أن الجيش الأمريكي، بحكم علمانيته، قد تجاهل أيضًا الدين وتأثيره المعقد في المنطقة.

وفي الواقع، فإنّ معظم الدروس التي يجب أن تكون الولايات المتحدة قد تعلمتها قبل 11 سبتمبر/أيلول في الشرق الأوسط، قد ذهبت أدراج الرياح بعد هجمات سبتمبر/أيلول. فقد ضاعفت الولايات المتحدة من عبئها وأخذت في استخدام قوة عسكرية أكبر لتعزيز وهم تشكيل منطقة شرق أوسط كبير. وبدلًا من أن يبدأ الجيش بلعب دور فرض السيطرة، أخذ يلعب دورًا سياسيًا ودبلوماسيًا في الشرق الأوسط.

وبدأت بعثات الجيش بالارتعاش، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إخراج نفسها من المنطقة. وقد فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق أيًا من أهدافها سواء في العراق أو الخليج أو حتى ضد القاعدة.

حتى أكثر رؤساء الولايات المتحدة منطقية من بين رؤسائها في الأربعة عقود الأخيرة، «أوباما»، لم يستطع المساعدة، مكررًا نفس أخطاء الماضي في أفغانستان وليبيا والعراق. ومثل أسلافه، لجأ إلى الخطاب المنفصل عن الواقع، بادعائه انتهاء الحرب الأطول للولايات المتحدة في أفغانستان، بينما لم يحدث ذلك. وزاعما الخروج من العراق بعد تحقيق عراق ديمقراطي ومستقر، في الوقت الذي آلت إليه العراق إلى شيء آخر عدا ذلك.

هل يمكن للولايات المتحدة أن تتغير؟

يرثي «باسيفيتش» حال واشنطن بسبب خلوها من التفكير الإبداعي غير العسكري، وغياب حزب سياسي يدعو إلى السلام والاستخدام المحدود للقوة العسكرية في التعاطي مع التحديات داخل الولايات المتحدة وعبر العالم. كما يؤكد على الأعباء الثقيلة التي تصاحب تعقيدات الصناعة العسكرية خلال الحملات العسكرية الطويلة، في الوقت الذي يعاني فيه الرأي العام من الغفلة.

ومن أجل حدوث التغيير المنشود، فعلى الأمريكيين إظهار اهتمام أكبر بسياستهم الخارجية والتدخلات العسكرية لبلدهم في الشرق الأوسط وما حوله.

لا يملك أغلب العرب والعديد من المسلمين أي رأي أو أن يقولوا لا، حين يلجأ الطغاة والمتطرفين من الحكام إلى الحرب من أجل تلبية جشعهم وطموحاتهم. بينما يملك الأمريكيون هذا الخيار بقول لا، لذا فعليهم تحمل المسؤولية تجاه خيارات وأخطاء قادتهم.

هل يعني ذلك أن الرئيس «أوباما» كان محقًا بعدم التدخل في سوريا، ولا سيما في الوقت الذي يعارض فيه غالبية الأمريكيين التدخل العسكري المباشر بعد العراق وأفغانستان؟

يوافق «باسيفيتش» على ذلك بشدة، وكذلك أنا. ولكن الأمر ليس بتلك البساطة، ليس بعد موت مئات الآلاف من السوريين.

في غياب التدخل العسكري المباشر، كان على الولايات المتحدة، والتي تمثل في الحقيقة ضابط الشرطة في المنطقة، ألا تكتفي بالمشاهدة، حيث تم تنفيذ الإبادة الجماعية تحت نظرها. وكان عليها فعل المزيد لردع «الأسد» وحماية المدنيين والوصول لحل دبلوماسي.

لكن بترك الأمر لإيران و(إسرائيل) والسعودية، فإن مثل هذه التدخلات العسكرية لن تكون حلًا في منطقة على وشك الانفجار.

يحتاج الأمريكيون لإبداء المزيد من الاهتمام ليس فقط عند موت أمريكيين، ولكن عندما تدفع أعداد لا تعد ولا تحصى من العرب والمسلمين ثمن حماقات الولايات المتحدة في المنطقة.