انتحار الشباب المصري .. والمحرّض معروف

ما الذي دفع نحو 600 شاب مصري من أبناء الطبقات الفقيرة إلى ركوب البحر المتوسط في غياهب الليل وجنح الظلام وحجز مكان في قارب صغير بلا إمكانات للفوز بفرصة هجرة غير مشروعة لأوروبا؟

وما الذي يدفع شباباً مصرياً في مقتبل العمر إلى المغامرة بأرواحهم واقتراض آلاف الجنيهات لمنحها لسمسار هجرة غير شرعية استجاب له هؤلاء الشباب بمجرد أن داعب هذا السمسار مخيلتهم بأحلام الثراء السريع أو المؤجل، والحصول على فرصة عمل في دولة أوروبية تدر عليه آلاف اليوروات وتفتح له أبواب الرزق المغلقة في بلادهم؟

إنه الفقر والقهر، والبطالة، والفساد المالي والاقتصادي والسياسي، والإحساس بالظلم، والتفرقة بين أبناء البلد الواحد، واليأس من إصلاح الظروف القائمة، وعدم وجود أمل في المستقبل، والمهانة في أقسام الشرطة والمصالح الحكومية.

إنه انسداد الأفق السياسي، وحصر ثروات المجتمع وخيراتها في فئات محدودة لا يتجاوز عددها نسبة 5% من إجمالي عدد سكان مصر.

عقب قيام ثورة 25 يناير 2011 تفاءل الجميع، خاصة فئة الشباب، بأن الغد أفضل، وأن العدالة الاجتماعية قادمة، وأن ثروات بلدهم عادت إليهم بعد أن نهبها كبار رجال الأعمال وكبار المسؤولين الحاليين والسابقين، وأن الشباب سيجدون فرصة عمل كريمة بلا واسطة أو محسوبيات أو رشاوى، بل سيتمكن كل شاب من تحقيق حلمه الصغير من زواج ومسكن وغيره بطرق مشروعة وغير ملتوية.

لكن بعد أكثر من خمس سنوات من انطلاق الثورة وجد هؤلاء الشباب أنفسهم ضائعين محاصرين بالفساد وضغوط اجتماعية وقهر سياسي من جانب، وضغوط اقتصادية وحياتية من ارتفاع الأسعار وغيره من جانب آخر.

وجدوا بطالة متفاقمة تحصد أكثر من 40% منهم وربما أكثر، خاصة في مدن الصعيد، وتحصد 25% من القوى العاملة في المجتمع، وجدوا أبناء المستشارين والقضاة والشرطة والجيش والسلك الدبلوماسي وأثرياء المجتمع والفنانين والراقصات يحصدون كل شيء، محجوزة لهم الوظائف العليا المميزة قبل أن يتخرجوا من الجامعة، لديهم أحدث أنواع السيارات وأجهزة المحمول، ويرتدون ما تجود به الماركات العالمية من ملابس وربطات عنق وأحذية وسلاسل عنق ذهبية.

أما أبناء الفقراء من غالبية الشعب المصري فمصيرهم المقاهي ونواصي الشوارع والحارات، وربما الإرهاب والتطرف والمخدرات، ليلهم كنهارهم، يعانون الوحدة والفراغ ويصاحبون الملل، يفشلون في انتزاع فرصة عمل كريمة، وإن ظفر واحد منهم بفرصة عمل فسيكون بواباً لفيلا فخمة يمتلكها أحد الأكابر، أو حارساً لدى شركة أمن خاصة، أو يكتفي بالالتحاق بوظيفة لا تتفق مع مؤهله الجامعي.

لقد قتلوا الأمل في الشباب.. قتلوه حينما راحوا يغضون الطرف عن الفساد المنتشر في كل ركن من جنبات مصر… قتلوه حينما أقالوا المسؤول الأول عن محاربة الفساد في البلاد، حينما أغلقوا أبواب وزارة الخارجية والأجهزة السيادية على أبناء الصفوة وسدوه في وجه أبناء الفقراء.. قتلوه حينما راحوا يسجنون خيرة شباب المجتمع ويعتقلونهم، ويخفون قسراً من تبقى منهم.

قتلوه حينما جعلوا الراقصات وتجار المخدرات والرقيق الأبيض وغاسلي الأموال القذرة قدوة لشباب مصر، يتصدرون المشهد الفني والاقتصادي وربما السياسي والبرلماني.

لقد فقد الشباب المصري الأمل في الغد بفعل فاعل، لذا ركبوا البحر لعلهم يجدون فرصة عمل في الجانب الآخر من سواحله، حتى ولو كانت غسل أطباق في أحد محلات المناطق الشعبية في روما أو باريس، أو العمل في شركة حراسة خاصة في برلين، أو حتى بيع “الفريسكا” في شارعي أكسفورد أو إيدجرد رود بلندن، وقد رأيت هؤلاء بنفسي عندما زرت عواصم أوروبية عدة.