بابا الفاتيكان لـ«السيسي»: التاريخ لا يغفر لمن يبشر بالعدالة ثم يمارس الظلم

في الوقت الذي تلقى فيه بابا الفاتيكان فرانسيس حفاوة شديدة وترحيب بالغ في مصر التي وصل إليها الجمعة، تحدثت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في تقرير لها اليوم السبت عن توبيخ تعرض له الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» عندما تطرق البابا للحديث عن حقوق الإنسان.

وسعى البابا في كلمته الجمعة إلى تشجيع مضيفه، «السيسي»، على إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان الذي يشهد ترديا كبيرا منذ الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي في يوليو/تموز 2013 وما تبعه من حملة قمع غير مسبوقة في مصر ضد المعارضين.

وتشير نيويورك تايمز إلى أنه في إحدى المرات التي خرج فيها البابا فرنسيس عن النص الذي أعدَّه مسبقاً، قال بينما نظر نظرةً ذات مغزى للسيسي: «أخبرتني قبل دقائق أنَّ الإله هو إله الحرية، وهذه هي الحقيقة».

وأضاف «كما أنَ التاريخ لا يغفر لأولئك الذين يُبشِّرون بالعدالة ثم بعد ذلك يمارسون الظُلم، وأنَّ التاريخ لا يغفر لأولئك الذين يتحدَّثون عن العدالة، ثم بعد ذلك ينبذون أولئك الذين يختلفون عنهم».

وأضافت الصحيفة «وفي حال كان السيسي، المُنتشي بزيارته إلى البيت الأبيض ولقائه بترامب، قد شعر بأنَّه تعرَّض لتوبيخٍ لا يستحقه، فإنَّه لم يُظهِر ذلك واتسَّعت ابتسامته بعد خطاب البابا، وشبك يديه بحرارة، مما أثار قلق البعض في مصر من أن زيارة البابا، وإن كانت حسنة النوايا، ستكون خدمةً لحاكم مستبد إذ تُعطيه المزيد من المصداقية».

ومن المقرر أن يغادر البابا «فرنسيس» مصر عصر اليوم في ختام زيارة مدتها 27 ساعة أحيطت بتدابير أمنية شديدة.

وتضم مصر أكبر طائفة مسيحية في الشرق الأوسط. ويمثل الأقباط المصريون، وأغلبيتهم من الأرثوذكس، قرابة 10% من سكان مصر البالغ عددهم 92 مليوناً.

وتوجد في مصر أقلية كاثوليكية صغيرة يبلغ عدد أفرادها 270 ألفاً، أي 0,3% من الشعب المصري، ويعود وجودها في مصر إلى القرن الخامس.

وهي ثاني زيارة لحبر أعظم إلى مصر بعد 17 عاماً على زيارة البابا يوحنا بولس الثاني.

ووصل «فرانسيس» ظهر الجمعة إلى القاهرة قادما من روما في زيارة تستغرق يومين، وكان في استقباله في المطار رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل، وقد انتقل بعد ذلك إلى قصر الاتحادية الرئاسي حيث عقد لقاء وُصف بالخاص مع الرئيس المصري.

ولاحقا توجه رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم إلى الجامع الأزهر حيث التقى شيخ الجامع أحمد الطيب. ويشمل برنامج زيارته المشاركة في قداس تحت شعار “بابا السلام في مصر السلام” بمشاركة طوائف الكاثوليك الستة في مصر.

وقال البابا -في كلمة ألقاها الجمعة خلال مؤتمر ينظمه الأزهر بعنوان (مؤتمر الأزهر العالمي للسلام)- إنه يجب على كل القادة الدينيين التوحد في الدعوة إلى نبذ التطرف، كما دعا إلى وقف تدفق الأموال والأسلحة إلى مرتكبي العنف.

وقال إنه لا يمكن ارتكاب أي من أعمال العنف والثأر والكراهية باسم الله، داعيا مصر إلى إثبات اعتمادها مبدأ الدين لله والوطن للجميع، وإلى الاحترام غير المشروط لحقوق الإنسان.

كما أشارت صحيفة الكورييرا دلاسيرا الإيطالية خلال رصدها لكلمة بابا الفاتيكان أمام الرئيس المصري إلى تأكيده على ضرورة حقوق الإنسان.

وأضافت الصحيفة أن البابا ذكر في كلمته أمام السيسي ضرورة احترام غير مشروط لحقوق الإنسان، ومنها المساواة بين جميع المواطنين وحرية الاعتقاد وحرية التعبير لكل الناس دون استبعاد أحد.

وقال إنه «يشجع العديد من المساعي في مصر لتحقيق التنمية والازدهار والسلام”.

وشدد بابا الفاتيكان على أنها غايات تتطلب قبل كل شيء الاحترام غير المشروط لحقوق الإنسان، غير القابلة للمساومة، كالحق في المساواة بين المواطنين كافة، وحق حرية الدين، والتعبير دون أدنى تمييز.

وأكد «فرانسيس» خلال لقائه السيسي أن مصر مدعوة «لأن تثبت أن الدين لله والوطن للجميع»، وفق تعبيره.

وحرص على أن ينطق باللغة العربية عبارة (الدين لله والوطن للجميع).

5 مكاسب

وفي حديثين منفصلين، حدد متحدث ديني مسيحي مسؤول عن الزيارة، ومفكر إسلامي مصري 5 مكاسب للفاتيكان ومصر، من رحلة البابا، تتمثل في طمأنة مسيحيي الشرق، وإعادة تفعيل حوار الأديان، وترسيخ دور الفاتيكان في المنطقة، في مقابل التأكيد على استقرار مصر، والمساعدة على تعزيز دورها في الشرق الأوسط.

هناك أمران نظرت لهما الحكومة المصرية من وراء زيارة البابا، هما أنها «رسالة قوية بأن مصر آمنة ومؤشر علي أهمية دورها في استقرار المنطقة»، وفق رئيس الوزراء المصري، «شريف إسماعيل» في تصريحات صحفية مؤخرا.

أما بابا الفاتيكان «فرنسيس» حدد في كلمة مصورة الثلاثاء الماضي، 3 ملامح تشكل الزيارة أولها «عناق تعزية وتشجيع لجميع مسيحيي الشرق الأوسط»، وثانيها «رسالة أخوة ومصالحة بين جميع أبناء إبراهيم، ‏وبصفة خاصة، مع العالم الإسلامي الذي تحتل مصر فيه مكانة رفيعة»، وثالثها «تشكيل إسهام مفيد في حوار الأديان مع العالم الإسلامي».

من منظور التحليل لا يختلف كثيرا كمال حبيب المفكر المصري، المتخصص في شؤون الإسلام السياسي، عما سبق حيث قال، إن 3 مكاسب هامة سيحصدها البابا من زيارته مصر، هي «طمأنة المسحيين وترسيخ أكثر لدور الفاتيكان بالمنطقة وبداية عودة لحوار الأديان والسلام مع مؤسسة الأزهر».

ومكسبان تسعى لهما القاهرة، وفق المفكر المصري هما «التأكيد على أن مصر مستقرة، لم تؤثر التفجيرات على استقرارها، وثانيا التأكيد على دور مصر المحوري بالمنطقة».

وقريب من هذا الطرح، يحدد الأب «رفيق جريش»، المتحدث باسم الكنيسة الكاثوليكية المصرية، وعضو اللجنة المنظمة للزيارة، 3 مكاسب من زيارة البابا هي: «إشارة للسلام، وبناء جسور مع الجميع، وشدّ انتباه العالم صوب مصر».

ويعزز الأب «إبراهيم إسحق»، رأس الكنيسة الكاثوليكية المصرية، هذا الرأي في تصريحات متلفزة سابقة، بقوله إن زيارة البابا تؤكد على دور مصر الهام في العالم.

وشهدت العلاقة بين الأزهر والفاتيكان، توترا لافتا، في عهد البابا السابق «بنديكت» السادس عشر، إثر اقتباس الأخير في محاضرة كان يلقيها، في سبتمبر/ أيلول 2006، لطلبة كلية دينية، في جامعة ألمانية، مقولة لأحد الفلاسفة يربط فيها بين الإسلام والعنف، ما أثار استياء الأزهر، في ذلك الوقت.

وبسبب ذلك التصريح، قرر «محمد سيد طنطاوي»، شيخ الأزهر السابق، تجميد الحوار مع الفاتيكان، عام 2006، لمدة عامين.

وفي عام 2011، عاد «الطيب»، إلى تجميد الحوار، بعد تصريحات لـ«البابا بنديكت»، طالب فيها بحماية المسيحيين في مصر، عقب استهداف تفجير لكنيسة القديسين في الإسكندرية شمالي البلاد.

غير أن الجليد ذاب في نوفمبر/ تشرين ثان 2014، حين التقى «السيسي»، البابا «فرنسيس»، في زيارة هي الأولى من نوعها للرئيس المصري إلى الفاتيكان، بعد وصوله إلى السلطة، في يونيو/ حزيران 2014.

وأكد «السيسي» تطلعه للترحيب بالبابا «فرنسيس» في مصر في ذكرى مرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين.

وتلت زيارة «السيسي»، بعدها بعام أخرى من شيخ الأزهر لـ«فرنسيس» في مايو/آيار 2016، بحثا خلالها عدة قضايا بينها السلام في العالم ونبذ العنف والإرهاب ووضع المسيحيين في الشرق الأوسط، في إطار النزاعات والتوتر بالمنطقة.

المصدر | الخليج الجديد