بدر الإبراهيم يكتب: البوركيني وأزمة الهوية الفرنسية

http://thenewkhalij.org/ar/node/45119

لا يُعتبر حظر مدنٍ ساحلية فرنسية لباس البحر النسائي الإسلامي، المعروف بالبوركيني، سوى حلقة جديدة في سلسلة التوترات الهوياتية التي تشهدها فرنسا منذ أعوام، لكن هذا الحظر تحديداً أكثر من قضايا أخرى مشابهة، يمسّ الادعاءات العلمانية الفرنسية في الصميم.

تُبَرِّرُ نخبٌ فرنسية قراراتٍ مثل هذه بأنها رفضٌ لإخضاع النساء لأبويةٍ إسلاميةٍ تستعبد النساء، وترفض حق المرأة في التحكّم بجسدها، فيما ينطبق هذا على قرار حظر البوركيني تماماً، فهو تجسيد لأبويةٍ وذكوريةٍ، ترفع شعار العلمانية، وترفض حق المرأة بالتحكّم بجسدها، وتحدّد لها ما يجب أن تفعله به.

يشير هذا إلى عقم المحاججة القائلة باتساق هذا النوع من القوانين مع العلمانية الرامية إلى تحرير المرأة، ليس فقط لأن هذه القوانين تفرض وصايةً على جسد المرأة، بل أيضاً لأن تاريخ العلمانية في فرنسا لم يكن دائماً متوافقاً مع التطلعات النسوية، ولنتذكّر، مثلاً، أن حق الاقتراع حُجِب عن المرأة عقوداً، وما زالت المرأة تعاني من تمييزٍ هنا وهناك.

لنلاحظ أيضاً أن تبرير استهداف النقاب، وحظره في الأماكن العامة، تم تبريره في عدد من البلدان الأوروبية، بحجة الأمن، حيث النقاب يخفي هوية الشخص تماماً، وهي حجةٌ لا تستقيم في حالة البوركيني، كما أن الحرب على الرموز الدينية، ومنها الحجاب، في المدارس الفرنسية، سُوِّقت بوصفها التزاماً علمانياً يشمل رموز كل الأديان، فيما حالة البوركيني تدل بوضوح على استهداف رمزٍ إسلامي، وعلى مواجهة ثقافية، لا علاقة لها بالأمن، ولا بعلمانيةٍ صارمةٍ تجاه كل الرموز الدينية.

يؤكّد هذا من جديد على وهم الحياد الثقافي في الدولة الحديثة، غير أنه يمكن الدفع بأكبر قدر ممكن نحو تحييد الدولة في مسألة الاعتقاد الديني، كما يمكن بناء هويةٍ وطنيةٍ للدولة، تقوم على المشترك الثقافي الأساسي، أو ما يسميه المفكر الكندي ويل كيملشكا “الهوية النحيلة”، أي تلك الهوية التي لا تقوم على تكريس نمط معيشة وتقاليد محدّدة، وتكتفي بالمشترك الثقافي العام.

الهوية الوطنية الفرنسية سميكة بهذا المعنى، وهي تُضَيِّقُ تعريف الفرنسي إلى أضيق نطاقٍ ممكن. وتاريخياً، قامت هذه الهوية على الدمج القسري للأقليات، كما أن نمط الاستعمار الفرنسي مرتبط بفرض الثقافة الفرنسية على المجتمعات المُسْتَعْمرَة، انطلاقاً من التفوق الثقافي الفرنسي على بلدان العالم الثالث، وهو التفوق الذي ينكسر اليوم، بانتشار الحجاب بين فرنسيات المولد والنشأة من الجيل الثالث من المهاجرين، وهذا مظهرٌ يعبّر، بشكل أو بآخر، عن صمود ثقافة “متخلفة”، ورفضها الاندماج ضمن الثقافة المتفوقة.

لا تتمـع فرنسا بمرونةٍ، مثل أميركا في التعاطي مع المهاجرين، والأخيرة على الرغم من وجود هويةٍ مهيمنة فيها، هي الهوية البيضاء الأنغلوسكسونية، إلا أنها بلد مهاجرين، وهو ما يمنح المكونات الاجتماعية المختلفة مساحة كبيرة للحركة، من دون إغفال تصاعد النزعة اليمينية، ومعها العداء للمهاجرين، وخوف البِيض من خسارة هيمنة هويتهم، كما عبر عن ذلك صمويل هنتنغتون في كتابه “من نحن”، حين تحدّث عن تحدّي الإسبان لهوية أميركا الحالية.

ليست الهوية الوطنية حالة ناجزة، حتى مع قيام الدولة القومية وتعبيرها عن هوية الأمة، فهي تتشكل باستمرار في الخطاب اليومي، وتخضع لتحدياتٍ مختلفةٍ، تسهم فيها عوامل داخلية وخارجية. وفرنسا اليوم غير قادرة على استيعاب المهاجرين داخل هويتها، فيما التعدّدية الثقافية بعيدة عن الواقع الفرنسي. مقاربة مسألة المهاجرين من زاوية تحميلهم هم وثقافتهم المتخلفة مسؤولية عدم الاندماج في المجتمع الفرنسي، يقوم بها مثقفون فرنسيون يحاولون إغفال دور الدولة الفرنسية وسياساتها في هذا الأمر، كما يفعل مثقفون عرب يردّدون خطابهم.

من غير الممكن إغفال آثار الاستعمار الفرنسي في تشكيل موقفٍ ومقاومةٍ ثقافية عند أبناء المُسْتَعمَرِين، خصوصاً أنه لم يحصل اعتذار عن الحقبة الاستعمارية، أو محاولة لتصحيح أي شيء. كذلك، فإن القول بنكران المهاجرين جميل فرنسا عليهم، بإتاحة الإقامة لهم على أراضيها، بعيداً عن البؤس الذي عانوه في بلدانهم الأصلية، لا يلحظ أن فرنسا، وبالذات بعد الحرب العالمية الثانية، كانت بحاجةٍ ليدٍ عاملةٍ أجنبية، تؤدي أعمالاً “متدنيّة”، لا يؤديها الفرنسيون، وقد فتحت الباب أمام المهاجرين من شمال أفريقيا للعمل فيها، ووضعتهم في غيتوهات، لا تتوفر فيها حياة كريمة، وصارت تُعرَف بأنها “أقفاص دجاج”.

لم يندمج الجيل الثالث من المهاجرين العرب والمسلمين، وصار حائراً بين ثقافة البيت وثقافة المدرسة، وأثر هذا التشنج كثيراً في طريقة تفكير عديدين من أبناء هذا الجيل، إلى درجة التحاقهم بالتنظيمات العنفية. في المقابل، الحديث عن صراع الحضارات، والمشكلة مع الإسلام، تزايد عند النخب الفرنسية، وهذه النخب أسهمت في إحداث صراع هويةٍ في فرنسا، حيث تؤكد على استناد الثقافة الفرنسية إلى إرثٍ حضاريٍ مسيحي، وتستعيد حروباً تاريخية مع المسلمين.

ويظهر كتاب فرنسيون ملاحدة، لكنهم ضد الإسلام على وجه الخصوص، وبعضهم يعرف نفسه بأنه “ملحد مسيحي”، على طريقة ملاحدة العرب في تعريف أنفسهم بالهويات الطائفية، ضمن الانفجار الطائفي عندنا.

مع صعود اليمين المتطرّف، وفاعلية تنظيم داعش، تتصاعد المخاوف بحدوث نوعٍ من الاحتراب الأهلي في فرنسا التي لا يمكن تفسير مشكلتها مع الرموز الإسلامية، بعلمانيتها الصارمة، بقدر ما هي في عدم قدرة هويتها القومية على استيعاب المتغيرات.

* بدر الإبراهيم كاتب سعودي صدر له كتابان: “حديث الممانعة والحرية”؛ “الحراك الشيعي في السعودية: تسييس المذهب ومذهبة السياسة”.

المصدر | العربي الجديد