بدر الإبراهيم يكتب: تشييع حل الدولتين

ربما فوجئ “عرب عملية السلام” برفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يده عن العملية برمتها، وتسليمه رئيسَ الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كامل خيوط العملية التفاوضية، غير مكترثٍ بجعل حل الدولتين أساس أي تفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين. عدَّ مراقبون كلام ترامب، في لقائه نتنياهو، بمثابة تأبينٍ رسمي لعملية السلام وحل الدولتين، بعد موتهما عملياً بفعل السياسة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية.

نشرت صحيفة هآرتس خبراً عن قمة سرية عُقدَت في العقبة، بين نتنياهو وملك الأردن والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بحضور وزير الخارجية الأميركي السابق، جون كيري، ليعرض الأخير خطته لإحياء عملية السلام، المتضمنة اعترافاً بيهودية إسرائيل، وتبادلاً للأراضي. ومع ذلك، لم يبدِ نتنياهو حماسة للعرض، وهو يفضّل إنهاء دور الوسيط الأميركي الذي يعرض المبادرات وخرائط الطريق، حتى وإن كانت تلبي المطالب الإسرائيلية بشكلٍ شبه كامل، وأن يتم تسليمه هو قيادة المفاوضات، ليستفرد بالفلسطينيين، وقد وجد في ترامب ما يريد.

إذا كان حل الدولتين ينهار سياسياً، بفعل تخلي الإدارة الأميركية الجديدة عنه، وينهار عملياً بفعل الاستيطان المتواصل في الضفة الغربية، فإن العرب والفلسطينيين يحتاجون مراجعة شاملة لخياراتهم الاستراتيجية، بعد أكثر من 25 عاماً قضوها معتبرين عملية السلام خيارهم الاستراتيجي الوحيد.

السلطة الفلسطينية في أشد حالاتها عجزاً، وداخلها صراعاتٌ بين أفرادها على فتات الفتات، ولأن هذه السلطة قبلت أن تكون أسيرة الإسرائيليين، سواء في سلطتها غير القائمة على مدن الضفة، أو على طاولة المفاوضات، بعد تسليم كل أوراقها للوسيط الأميركي، فقد وصلت إلى حائط مسدود، إذ لم يقبل الإسرائيليون بتقديم أدنى تنازل، وكل ما فعلوه أنهم كسبوا الوقت لابتلاع مزيدٍ من الأراضي الفلسطينية، ببناء المستوطنات.

لا بد من العودة إلى أصل المشكلة، وهو ما يقتضي التأكيد على الطبيعة الاستعمارية للمشروع الصهيوني، والاستعمار الصهيوني استيطاني إحلالي، وهذا يختلف عن شكل الاستعمار التقليدي الذي عرفه العالم من القون السادس عشر حتى القرن الماضي.

فالاستعمار التقليدي يهدف إلى استغلال السكان الأصليين وأرضهم وثرواتهم سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، فيما لا يرغب الاستعمار الاستيطاني باستغلال السكان الأصليين، بل بمحوهم وإنهاء وجودهم، بدايةً من التطهير العرقي الذي مارسته العصابات الصهيونية بدعم المستعمر البريطاني ضد الفلسطينيين، وصولاً إلى كل أشكال الاستيطان الحالية، والتهجير الممنهج.

كما في مشروع وزير التخطيط الصهيوني إيهود برافر، الذي أقره الكنيست الإسرائيلي عام 2013، والقاضي بتهجير عشرات الآلاف من سكان النقب، واستيلاء الكيان الصهيوني على مزيدٍ من الأراضي. تجريف بيتٍ في القدس، وبناء المستوطنات في الضفة، وجدار الفصل العنصري، وخطط التهجير المرسومة إسرائيلياً، تكشف طبيعة المشروع الصهيوني، وطبيعة الصراع معه، وهو صراعٌ يومي، تشكل هذه الأحداث أساسه، وهي أحداثٌ تغيب عن اهتمام وسائل الإعلام العربية، والنخب السياسية والثقافية في الوطن العربي.

لم يكن طرح حل الدولتين سوى جزءٍ من تسلسل هذا المشروع، فالقادة الصهاينة كسبوا الوقت لتحقيق مزيدٍ من التغيير على الأرض، وزرع الكتل الاستيطانية، لتقتل أي أملٍ بإقامة دولة فلسطينية على نسبةٍ ضئيلةٍ من أرض فلسطين التاريخية.

الذين فكّروا بحل الدولتين من الأميركيين، ومن اقتنع به من “اليسار” الصهيوني، كانوا يضعون المصلحة الإسرائيلية في اعتبارهم، إذ وجدوا أن حل الصراع بوجود دولة فلسطينية ضعيفة ومنزوعة السلاح يقدّم ضمانة لمستقبل المشروع الصهيوني، عبر تثبيت شرعيته في المنطقة العربية بشكل نهائي، إضافة إلى تجنيب الإسرائيليين فكرة الدولة ثنائية القومية، وهو ما يتضح في خطة كيري على سبيل المثال، المؤكّدة على يهودية الدولة، بما يعني ضمانة إنهاء حق العودة، وإخراج عرب الداخل من أرضهم، في مقابل إقامة دولة مقطعة الأوصال في الضفة.

لعل دونالد ترامب ونتنياهو، حين يدفنان حل الدولتين، يعطيان فرصةً جديدةً للعرب والفلسطينيين، للعودة إلى التشبث بحقوقهم، بعد أكثر من عقدين، قُدِّمَت فيهما كل التنازلات الممكنة، من موقع الطرف المهزوم الذي يطمح فقط لتحسين شروط الهزيمة، فلا يُقابَل إلا بمزيد من الصلف والتعنت، والضغط من أجل خضوعٍ أكبر.

لا يمكن الجلوس على طاولة المفاوضات من دون أوراق قوة وضغط، وأهداف استراتيجية لتقرير المصير. وقد ذهب الطرف الفلسطيني لينهي الصراع كيفما اتفق، وبأي ثمن. حان الوقت لتغيير هذه السياسة التي سمحت لإسرائيل بتوسيع مشروعها الاستيطاني أكثر.

الواقع العربي المأزوم بالحروب الأهلية، وبحال أنظمةٍ تسعى إلى توطيد علاقاتها بإسرائيل لتثبيت حكمها، واسترضاء الولايات المتحدة، لا يسمح بإيجاد استراتيجيةٍ عربية جديدة في مواجهة المشروع الصهيوني، لكن القوى الفلسطينية، على اختلافها، مطالبةٌ بالتعامل مع حقيقة نهاية حل الدولتين، وتصميم استراتيجية جديدة للنضال الوطني، أساسها مقاومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بكل شكلٍ ممكن، وإعادة الاعتبار إلى أصل الصراع، بإحياء المطالبة بحقّ العودة مجدّداً، والرجوع إلى فلسطينيي الشتات، وإبراز معاناتهم، والتأكيد أن الصراع مع المشروع الاستيطاني هو على حق السكان الأصليين في أرضهم.

بالنسبة للقوى الشعبية العربية، والمثقفين العرب، فإن أحد أهم أشكال المقاومة في الواقع العربي الحالي هو مقاومة نسيان القضية الفلسطينية، وحذف حقائقها التاريخية من ذاكرتنا، فهذا التداعي العربي بات خطراً حتى على الذاكرة.

* بدر الإبراهيم كاتب سعودي صدر له كنابان: «حديث الممانعة والحرية»؛ «الحراك الشيعي في السعودية».

المصدر | العربي الجديد