بدر الإبراهيم يكتب: عن الاتهام بالتغيير

تغيُّر المجتمعات كما تغيُّر الأفراد مسألة واضحة، يمكن رصدها مع مرور الزمن وتراكم عوامل عديدة، وهو ما يجعل تاريخ المجتمعات والأفراد لا يسير على وتيرةٍ واحدة. قد تحصل تغييراتٌ لا تُدرَك إلا بعد فترة، لأنها تمشي بشكل بطيء وتدريجي، وقد يحصل تغييرٌ نوعيٌّ وضخمٌ يصحّ القول إنه يفصل بين زمنين في حياة الفرد أو المجتمع.

في كل الأحوال، لا يمكن إنكار التغيير، على المستوى الفردي أو الجمعي، غير أن بعضهم يتعامل مع التغيير كإشكالية، فيحاول إيقاف أي تغيير، وتثبيت الحال كما هو، أو ينكر تغيُّره الشخصي، ويستنكر تغيُّر الآخرين، ويُعيِّرهم به، ويصبح من تغير متناقضاً مع حاله السابق، ما يجعله عرضةً للهجوم والتشنيع، فيما لا يمكن لأحد أن يدَّعي أنه لم يتغير.

نعني بالتغير الاجتماعي ما أشار إليه عالم الاجتماع الكندي، غي روشيه، من تحولٍ قابلٍ للملاحظة، يمس كل تشكيل اجتماعي لجماعةٍ ما، فالتغير الاجتماعي يعبر، بحسب روشيه، عن التحولات التي يمكن ملاحظتها بالتحقيق والدراسة، في إطار زماني ومكاني محدّد.

هذا التغيُّر الاجتماعي يُبَيِّن تحولاً، قد يكون بطيئاً أو سريعاً، تلقائياً أو مخططاً له، إيجابياً أو سلبياً، ضمن مجتمعٍ معين، يُغيّر في القيم والسلوكيات وأنماط العلاقات والأدوار داخل المجتمع، وتلعب عوامل مختلفة داخلية وخارجية، سياسية واقتصادية وثقافية، دور التحفيز أو التثبيط لهذا التغير الاجتماعي.

ليس التغيير بذاته مشكلة، كما أنه ليس قيمةً إيجابية أو سلبية، فهو توصيف للانتقال من حالٍ إلى آخر، على صعيد الرؤية أو الأفكار أو الشعور أو الموقف من الأشياء حولنا، وتحديد إيجابيته من عدمها، يختلف باختلاف منطلقات من يحكمون على هذا التغيير. المشكلة هي في حالة إنكار تغيُّر المجتمعات، وصناعة عالمٍ موازٍ من الأوهام، والمكوث فيه.

يمسّ التغيير الأفراد كما المجتمعات، والتغيير الجمعي يؤثر على الفرد، كما تؤثر فيه عوامل أخرى، تدفعه إلى تغيير آرائه وأفكاره، ولا بد من الاعتراف بأن كل واحدٍ منا يتغيّر، وأن التغيير ليس سلبياً، ولا يشكل أزمةً بذاته، طالما هو تبدلٌ لقناعات، ينتج عن إطلاع ومراجعة، مع ملاحظة أن التغيير قد يُنتجه تقلبٌ مزاجي، أو تغيُّرٌ في الخطاب للبحث عن مصلحة شخصية هنا أو هناك، وهنا نتحدّث عن مزاجية لا تؤخذ بجدية، أو نفعية لا أخلاق ولا مبادئ تحكمها.

لا يمر التغيير من دون اتهام الفرد الذي تغيَّر في نياته، وأن تغييره ليس نتاج قناعاتٍ جديدة، بقدر ما هو تعبيرٌ عن نفعيةٍ غير أخلاقية، بحثاً عن مواقع داخل سلطة ما، أو تطلعاً للكسب المادي.

وفي بعض الحالات، تدفع الرغبة في كسب الجمهور الفرد إلى ركوب الموجة، والتغيُّر حسب المزاج العام ومتطلباته، واستخدام الشعبوية وسيلةً لحصد الإعجاب. يمكن أن يكون الفرد مقتنعاً بما يقوله، وفي الوقت نفسه، يكسب من خلاله، ويبدو النقاش حول النيات عقيماً وعديم الجدوى، فالمهم هو النقاش حول الأفكار المطروحة، والتوجهات الجديدة.

لكن التغييرات السريعة والتقلبات التي لا تنتهي عند بعض من يقدمون أنفسهم مثقفين، إما بدافع الانتهازية، أو لأزمةٍ في شخصيته، تستدعي اللامبالاة، وتستثير الضحك بدلاً من النقاش والجدل الفكري. ينطبق هذا الأمر على إعلاميين يقولون الرأي ونقيضه في اليوم الواحد، تماشياً مع تغيُّر المؤسسة التي يعملون فيها، والجهة التي ترعاها، فيمسي خصم النهار صديقاً، والعكس، وتلعب هذه “البهلوانية”، أحياناً، على ذاكرة الناس الضعيفة، ولا يخجل أصحابها من التغيُّر السريع، من دون محاولة تقديم تبرير، خصوصا حين يكون الانتقال من موقف حدِّي إلى آخرَ نقيض.

يمكن القول إن قناعات شخصٍ ما كانت إيجابية، فيما قناعاته الحالية سلبية، وفقاً لمنظومتنا القيمية، لكن إدانة تغيُّره وعدم ثباته بذاتها لا تستقيم، إذ إننا جميعاً عرضةٌ لتبديل القناعات، والحكم هو على ناتج التغيير، لا التغيير بذاته. كذلك، لا بد أن يمتلك الشخص الذي يبدل قناعاته الشجاعة لإعلان التراجع، من دون مكابرة أو عنجهية، خصوصا عندما يكون التغيير حصيلة مراجعةٍ جادة.

يتغير بعض الأشخاص، ولا يودون الاعتراف بذلك، بل يصرّون أن نسقهم كان واحداً طوال الوقت، وأن موقفهم استمر كما هو، لأنهم يتعاملون مع التغيير بوصفه تهمةً، لا طبيعةً بشرية، ويرون الاعتراف به عيباً لا يجوز إهداؤه لخصومهم والمتربصين بهم، كما أن للاعتراف ثمنا في بعض الأحيان، مثل الاعتذار عن موقفٍ سابق، أو سوء تقدير، لا يود ناسٌ كثيرون تحمل كلفته.

يتفنّن بعض المثقفين في القيام بإسقاطٍ متأخر لأفكاره الحالية على تاريخه، فيصبح الأرشيف وسيلةً “لفضح” تبدّل أفكاره، ويتركز النقاش حول حصول التغيير من عدمه، لتثبيت الإدانة، أو إعلان البراءة، فيما يتراجع النقاش حول أفكاره الآنية ذاتها، ويتحول إلى شخصه هو.

من الطبيعي أن يتناقض شخصٌ مع تاريخه، إذ إنه يتغير، ومجادلته تكون بحسب موقفه الآني، وعلى أساس تناقض مواقفه الآنية بين ظاهرةٍ وأخرى، وحدثٍ وآخر، أما التغيير فليس تهمة لينفيها.

* بدر الإبراهيم كاتب سعودي صدر له كتابان: «حديث الممانعة والحرية»؛ «الحراك الشيعي في السعودية».

المصدر | العربي الجديد