بدر الراشد يكتب: هجوم الظواهري على «الإخوان» لترسيخ خيارات العمل المسلح

لم تكن مستغربة مبادرة زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، مجدداً، للهجوم على جماعة الإخوان المسلمين، تزامناً مع الذكرى الثالثة لمذبحة رابعة العدوية، في محاولة لاستقطاب أفرادها، أو دفعهم للاتجاه نحو خيار العمل المسلح، كما فعل يوم السبت، في سلسلة يبدو أنه يعتزم إصدارها، تحت عنوان “رسائل مختصرة إلى أمة منتصرة”، بدأها برسالة “من يحمي المصحف”، والتي ركزت على جماعة الإخوان المسلمين، وتجربتهم التاريخية.

هجوم الظواهري على الإخوان المسلمين، هذه المرة، لم يستثن أحداً، فشمل الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، والذي وصفه بأنه كان “رئيساً علمانياً في دولة علمانية”، كما لم يسلم منه مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، والذي تم اغتياله في 1949، لا بل حظي الأخير بالقدر الأكبر من الانتقادات، على الرغم من وصف الظواهري له بـ “الإمام المجدد”، ومحاولة إظهار بعض الاحترام له، ربما لتجنب نفور المتبنين لأفكاره.

ركز الظواهري في انتقاد البنا على النقاط المتعلقة بموقفه من الملك فؤاد والملك فاروق، والمؤسسات الدستورية المصرية، ودستور 1923. وذكر أن “البنا بالغ في المغالطة، عندما مدح دستور عام 1923 العلماني”، زاعماً أن “القواعد الأساسية التي قام عليها هذا الدستور لا تتنافى مع الإسلام”.

ولخّص الظواهري موقف البنا آنذاك، بقوله: “بدأ حركته بتأييد الملك فؤاد، والذي كان حاكماً فاسداً يحكم بموجب دستور علماني، وكان الملك أداة في يد الإنكليز، وجاء بعده فاروق، الذي بالغ البنا في تأييده، وأعلن مبايعة الإخوان له. وفاروق لم يكن ليقبل بهذه البيعة، وإن سرّ بها، فهو ملك يحكم بدستور علماني يخضع لسلطة الإنكليز”.

ويمكن قراءة تجديد الظواهري هجومه على الإخوان، خاصة في ما يتعلق بقبولهم الديمقراطية والدولة الوطنية، تزامناً مع ذكرى مجزرة رابعة، كمحاولة منه لمغازلة المنتمين إلى الجماعة، الناقمين على الأوضاع الحالية لمصر، وللجماعة ككل، والتي أصبح أعضاؤها مطاردين، بعد التنكيل بقياداتها، ووضعهم في السجون، بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013.

من جهة أخرى، تعتبر جماعة الإخوان منافساً تقليدياً للحركات الجهادية، وتتفق معها في رفض الأوضاع الحالية للعالم الإسلامي، لكنها ترفض استخدام العنف لتغيير هذه الوقائع. مما يعني أن الجماعة تنافس الحركات الجهادية، لا سيما تنظيم القاعدة، على جيل من الشباب المحبط والمتدين في آن. فالشباب واقعون بين آمال التغيير السلمي، بنكهة إسلامية، دون نزوع ثوري، كما في أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، أو اعتبار الخطاب الجهادي الثوري بمثابة بديل، أو حتى تخليهم عن الصبغة الإسلامية عموماً، واعتناق أفكار علمانية، يراها الظواهري العدو الأبرز لـ “الأمة”.

يحاول الظواهري، في تسجيله الأخير، أن يستغل فشل الجماعة، أو إفشالها، بعد ثورات الربيع العربي، ليروج بصورة أكبر لمشاريع القاعدة “الجهادية”. لذا يحرص في الوقت نفسه، كما في تسجيلات سابقة، على نقد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، باعتبار أنه يرفض توغل التنظيم في الدماء، وقتاله “المجاهدين”. كما يرفض أيضاً القبول بالعملية الديمقراطية، والاعتراف بالدولة الوطنية، كما تفعل حركة الإخوان المسلمين، بصورة مشوشة. ويحاول التنظيم أن يقدم القاعدة باعتبارها “مرحلة وسط”، بين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان، وبين الحركات الجهادية، كـ”داعش”.

يبدو أن الظواهري يحاول أن يدعم الداعين إلى العنف بين شباب الإخوان، مستغلاً غياب القيادات المؤثرة في الجماعة، والصعوبات التي تواجهها كوادرها في الاجتماع والخروج بمواقف حاسمة، في ظل الملاحقات الأمنية للقيادات وأعضاء الجماعة، وتصنيفها كجماعة “إرهابية” من أنظمة عربية مختلفة، وقفت أيضاً خلف انقلاب عبدالفتاح السيسي. تحدث الظواهري عما اعتبره تخلي الإخوان عن “معركة المصحف”، معدداً ما يقول إنها تحالفاتهم مع السلطة السياسية في مصر، خلال العقود التي تلت اغتيال حسن البنا. واعتبر الظواهري أن كل سياسات الإخوان لم تقد في النهاية إلى تقوية الجماعة، أو تغيير في الدولة التي يحاولون مواجهتها، باعتبارهم تنازلوا كثيراً للحكومات المصرية المتعاقبة، من دون أي فائدة تذكر، على حد تعبيره.

وقال الظواهري، في هذا السياق، عن جماعة الإخوان المسلمين:

“تحالفوا مع جمال عبد الناصر وضده (الملك فاروق)، ثم انقلب عليهم الأخير، وكان من قضاته أنور السادات، الذي حكم بالإعدام على فقيه الجماعة المستشار عبد القادر عودة ورفاقه. ثم تحالفوا مع السادات، فأفسح لهم حرية الحركة، ثم تحالفوا مع حسني مبارك، قاتل كمال السنانيري. وساروا في تظاهرة النفاق من مجلس الشعب إلى القصر الجمهوري، ليبايعوه لمدة ثانية. وتمتعوا معه بقدر من الحرية في صفقة سيئة لتنفيس غضب الشباب، ثم انقلبوا عليه، واصطفوا إلى جانب محمد البرادعي، مبعوث العناية الأميركية، وتحالفوا مع المجلس العسكري عندما قامت الثورة”.

ويمكن قراءة هذا الخطاب، باعتبار الظواهري كان واعياً لكل هذه التحولات، وشاهداً عليها، منذ الستينيات حتى اليوم، والتي تزامنت مع قمع عبد الناصر الجماعة. كما كان الظواهري أيضاً، إن صح الوصف، منافساً لـ”الإخوان”، عند تأسيس جماعة الجهاد المصرية.

بالتالي، إبراز فشل الجماعة يُعدّ مركزياً في خطابه، لإثبات صحة موقفه “تاريخياً” من جهة، وباعتبار الجماعة منافسة لخطابه، من جهة أخرى، سواء اليوم، أو في الماضي. افتتح الظواهري حديثه الأخير، بالإشارة إلى رغبته في تقييم “ما يسمى بالربيع العربي” على حد وصفه، من خلال تقييم تجربة الإخوان المسلمين في مصر. وزعم أن الربيع العربي فشل في مصر وتونس واليمن، واستثنى ليبيا بقوله “والله أعلم بمصيره في ليبيا”، لكنه أكد أنه “انتصر في بلاد الشام”.

ويمكن من خلال قراءة تقييم الظواهري للربيع العربي، فهم معاييره في تحديد النجاح والفشل. فنجاح الربيع العربي في عين الظواهري، يتعلق بانتشار الحركة الجهادية، وتعمقها، والفشل يكمن في كل ما يخالف ذلك، حتى لو كان هذا المعيار يخالف غايات المنخرطين في الربيع العربي، والذين رفعوا شعارات الحرية والديمقراطية في بلدانهم.

توقُّف الظواهري أمام الحالة الليبية ينبع من عدم حسم مصير الجهاديين هناك، بينما “الربيع” ناجح في سورية، بسبب ضخامة الحركة الجهادية هناك وتجذرها، أما في تونس ومصر واليمن، فهي فاشلة، على الرغم من مرور تونس بمرحلة تحول ديمقراطية ناجحة حتى اللحظة “بمعيار ديمقراطي” لعدم وجود حركة جهادية كبيرة في هذه الدولة، كنتيجة لثورات 2011.

كما أن حكم الظواهري على الربيع العربي بالفشل، مفهوم، في إطار محاولته إثبات صحة توجهه منذ البداية، والذي تحول من العمل السري العسكري لمواجهة الدولة المصرية، حتى تبنيه خيار العمل الجهادي، في إطار “جهادية عالمية” تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها، أو بحسب مصطلحات الظواهري “الصليبيين وأعوانهم”.

فكل ما يريده الظواهري الآن هو أن يهيئ القاعدة لتستفيد من ملاحقات الدول العربية لجماعة الإخوان المسلمين من جهة، وهزائم تنظيم “داعش” في العراق وسورية، من جهة أخرى، من أجل تقديم القاعدة كبديل بين هذين الخطابين.

فالإخوان في نظره تخلوا عن “الدولة الإسلامية” من خلال تبنيهم العلمانية والوطنية، و”داعش” بالغ في الدماء وقتل الأبرياء واستهداف “الجهاديين”، مما يجعله ضمن “الغلاة” إن صح الوصف، بالتالي يحاول الظواهري إظهار موقف القاعدة، وكأنه بين هذين الخطابين.