«بروكينغز»: الغرب في مواجهة «الإسلام المتطرف» أم «الإسلام»؟

في الأوساط السياسيّة المحافظة في الولايات المتّحدة، أصبح «الإسلام السياسي» قابل لتبادل المواضع مع «الإرهاب الإسلامي الراديكالي»، الذي تعهّد الرئيس ترامب «بالقضاء عليه من على وجه الأرض». وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ الفكرة حول «الإسلامويّة» وتهديد العنف لم يفترقا أبدًا.

ولكن ماذا لو كنّا على خطأ؟ ماذا لو كان احتمال العنف هو في الواقع أمرٌ ثانوي؟ ماذا لو كان هناك، في الأعماق، سبب ما يجعل «الإسلاموية» تسبب الكثير من عدم الارتياح ليس بسبب التحدّي العسكري الذي تطرحه ولكن التحدّي الفكري؟

إنّ مفهوم «الإسلاموية» في كثيرٍ من الأحيان يثير الخوف والارتباك في الغرب. وتستخدم عادةً لوصف العمل السياسي، حيث يلعب الإسلام والشريعة الإسلامية دورًا عامًا بارزًا، وتشمل بهذا الجميع من المثقّفين الأوروبيين «التقدميّين» إلى حزب النهضة التونسي إلى متعصّبي الدّولة الإسلاميّة. وليس من المستغرب إذن أنّ لفظة «الإسلامويّة» يمكن أن تسبّب خلطًا أكثر مما تكشف.

وفي عامي 2015 و2016، التقينا مع مجموعةٍ متنوعة من النّشطاء الإسلاميين وقادة من 10 دول في الدّوحة واسطنبول، وقد نشرنا النتائج في تقرير بروكينغز الأخير. وقد دفعت «الصدمتان المتوازيتان» للرّبيع العربي وصعود تنظيم الدّولة الإسلاميّة، الإسلاميين السائدين، وهم الجماعات المستوحاة من الإخوان المسلمين الذين يقبلون السياسة البرلمانية ويسعون إلى العمل في إطار النّظم السياسيّة القائمة، إلى توضيح رؤيتهم على نحوٍ أفضل، وتوضيح مدى تقاربهم وتباعدهم مع النظام الليبرالي العالمي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وتعيد الرؤى الإسلامية لمستقبلٍ مثاليٍ فتح مجموعةٍ من الأسئلة الوجوديّة والفلسفية، التي كافح الإسلاميون أنفسهم للإجابة عليها أو الاتّفاق حولها. وجلبت محادثاتنا المناقشات والمعضلات التي تمثّل تحدّياتٍ أيديولوجية خطيرة للمفاهيم الحديثة حول الدولة القومية والمواطنة والغرض من السياسة نفسها.

وفي حين أنّ الإسلاميّين الذين تحدّثنا معهم قد عارضوا بالإجماع تنظيم الدّولة الإسلامية وشعروا بالاشمئزاز من وحشيته، فإنّ البعض لا يمكنه القيام بشيء سوى النّظر بحسد إلى قدرة التنظيم على تحطيم «الفرضيات الاستعمارية». وما فعلته الدولة الإسلامية من تحطيم لفكرة الحدود بين العراق وسوريا، والتّي وضعها الأوروبيّون، ربما يكون المثال الأكثر شهرة.

وبالنّسبة للجزء الأكبر من 14 قرنًا امتدت منذ تأسيس الإسلام، فقد رأى المسلمون، الذين يعيشون تحت حكم العديد من الخلفاء، أن هويّتهم الأساسية دينية. ومع ظهور الدول الحديثة، طُلِبَ منهم نقل ولائهم للوطن، وهو الطّلب الذي شعر الكثير منهم أنّه غير طبيعي، ولا يزالون يشعرون أنّه غير طبيعي. وقال أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أنّ «العديد من الشباب العربي، حتّى أولئك الذين لم يكونوا إسلاميين في المقام الأول، لا يمانعون في اختفاء الحدود التي تقسّم البلدان».

وقد ذكّرنا ناشطٌ إسلاميٌ آخر من الأردن بأنّ مؤسّس جماعة الإخوان المسلمين، «حسن البنّا»، كان قد أنشأ الإخوان كبديلٍ خلال فترةٍ من عدم اليقين بعد إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924. وتساءل وأجاب في نفس الوقت: «فهل يعني ذلك أنّ الحركات الإسلامية قبلت أو كان عليها قبول هذه الحدود؟ إنّنا لا نقبل هذه الحدود لكنّنا سنعمل داخلها».

لقد كان عدم الاكتراث العام للحدود الحديثة سمة من سمات السّياسة الإسلاميّة لبعض الوقت وحتّى الآن، وليس فقط بين الشباب والمتحمّسين. فعلى سبيل المثال، كان الرّئيس التركي «رجب طيب أردوغان» صريحًا حول كيفية تجاوز «الحدود العاطفية» في تركيا إلى ما هو أبعد من تلك التي رُسِمَت على الخريطة.

وتشمل القضايا الأعمق التي يكافح لأجلها الإسلاميّون ما يجب أن تمثّله الدولة نفسها، وأين تبدأ ولايتها القضائية، ونوع الصّوت الذي يجب أن يحظى به الإسلام في هذه العملية. وبعد الرّبيع العربي، بدأ عددٌ متزايد من الإسلاميّين في تحدّي النظم التقليدية التي تجعل الدولة مفرطة المركزية، والتي تصبح في دستورها نفسه، غير قادرة على تحمّل المعارضة أو ظهور نهجٍ بديل لتنظيم المجتمع. ويوجد شعور، كما قال لنا أحد المشاركين، أنّ الدّولة تتدخّل بفعالية في كلّ شيء، بما في ذلك الدّين. وقال إنّه في زمن الخلافة، كان المسلمون ليتحدّثوا عن الأمّة ككل، وهو المجتمع العالمي الذي يضمّ كلّ المسلمين.

وبدا بعض الإسلاميين الشباب أنّ لديهم نوعٌ ما من الاتّجاه التحرّري. وبغض النّظر عن الماضي، فإنّهم يريدون أن يحدّوا، بل ويضعفوا، دولهم المفرطة في المركزية، والتي تكون دائمًا، إلى حدٍّ كبير، دولًا قمعية.

ولا يوفّر تنظيم (الدّولة الإسلاميّة) بديلًا قد يرغبون في المطالبة به. فهو مثل الأنظمة الاستبدادية العلمانية ،ظاهريًا، التي تحكم المنطقة اليوم، يبدو مهووسًا بتصوير نفسه كدولةٍ قويّة مستبدّة، تفرض الممارسة الدينية «السليمة». ونموذج «االدّولة الإسلاميّة» هو في الواقع حديثٌ جدا، مع وجود قبضة قوية للحكومة على المؤسّسات الاجتماعية والدينية التي تنشأ أساسًا من القواعد الشعبية.

وتشير فكرة الدّولة الضعيفة التي يدعمها مجتمعٌ مدنيٌ قوي إلى مفهوم ما قبل الحداثة للسّيادة على المسلمين في جميع أنحاء العالم، وليس على الأراضي. وهنا يجد الإسلاميّون، وكثيرٌ من المسلمين المحافظين بشكلٍ عام، أرضهم المشتركة. وكما قال الباحث «أوفامير أنجوم»، فإنّ الفكر الإسلامي المعاصر لم يكن معنيًّا بالسّياسة بالمعنى التقليدي، ولكنّه معنيٌ برفاهية الأمّة. ومع ذلك، فإن رفاهية المسلمين لم تكن فقط حول حياتهم في هذه الدنيا، ولكن أيضًا في الآخرة.

وبالنّسبة لبعض الإسلاميّين، قد تكون السّياسة ليست حول الأرض بذاتها، ولكنّها معنيّة أكثر بالفوز بقلوب وعقول المسلمين، كوسيلة لتعزيز الوحدة الدينية والسياسيّة. وتاريخيًا، كانت القدرة على الحصول على ثقة ودعم أكبر عددٍ من المسلمين هي الطريقة التي مكّنت أيّ خليفة من أن يطالب بشرعيته.

وفي عالم العولمة اليوم، فإنّ الإسلام، كفكرة دينية وسياسية، لا يقيم فقط داخل حدود دولة أو منطقة واحدة، وهو ما يفسّر جاذبية استراتيجية الدّولة الإسلامية بدعوة المسلمين في جميع أنحاء العالم للقتال من أجل الأمّة، وليس من أجل أمن وطنٍ واحدٍ محدّدٌ إقليميًا.

وما يثير القلق هو أنّ العديد من المسلمين، وليس فقط «الدّولة الإسلامية» أو الإسلاميين، قد يفضّلون، في عالم مثالي، أن يكونوا أحرارًا في التعهّد بالولاء للأمّة في المطلق، وليس إلى دولةٍ محصورة ومحدودة. وبينما تُظهر بيانات المسح أنّ الغالبيّة السّاحقة من المسلمين يعارضون بشدّة هذه الجماعة، إلّا أنّ «الدّولة الإسلاميّة» تستمدّ قوّتها من الأفكار التي لها صدىً أوسع بين الشعوب ذات الأغلبيّة المسلمة.

لذا فإن «الإسلامويّة» قد تكون أقلّ تحديًا من الناحية العسكرية وأكثر تحديًا من الناحية الفكرية، وهو تحدٍّ نواجهه في الغرب منذ فترةٍ طويلة، ومن شأنه أن يتلاشى مع الوقت كما هو الحال مع التحدّيات السابقة. لكن ينبغي لرفض الإسلام المستمر للانزلاق بهدوء داخل المجال الخاص أن يعطينا وقفة.

ولعلّ السبّب وراء عدم استسلام الإسلام للسّير في الخطّ المحدّد له ليس مجرّد الفقر أو انعدام التعليم أو الاستعمار أو الحروب. جميعها يلعب دورًا بطبيعة الحال. ولكن ربّما تكون أفكار «الإسلامويّة» في مقدّمة أسباب الصمود والجمود، وهو ما كنّا متردّدين في الاعتراف به. وقد يكون النّظام الليبرالي ليس عالميا ومحتوما ومرغوبا فيه كما كنّا نظنّ. كيف يدير العالم هذه التحدّيات هو ما يشكّل شيئًا فشيئًا واحدة من القضايا الوجوديّة في عصرنا الحالي.

المصدر | شادي حميد ورشيد دار — بروكينغز