بعد تجاهل وثيقة «نداء وطن» لشرعية «مرسي».. «الإخوان» قد تواجه مزيدا من الانقسام

الجدل الذي يلاحق مبادرة للاصطفاف الوطني تحمل عنوان «نداء وطن»، تهدف إلى كسر الانقلاب العسكري في مصر، يؤكد أنها ألقت حجرا في الماء السياسي الراكد في البلاد، وسط آمال بتحركات جدية في الداخل والخارج لصياغة حراك جديد في الشارع المصري، في مقابل مخاوف جدية بتعميق الانقسام داخل جماعة «الإخوان».

الوثيقة الجديدة التي صدرت من الخارج، تفتقد تأييد «إخوان الداخل»، فضلا عن معارضتها من قبل قيادات ثورية مقيمة في تركيا، ما يعني أن الجماعة بصدد خوض معركة جديدة لإقناع صفوفها بجدوى المبادرة الجديدة، وما إذا كانت تنازلا أم اصطفافا تنتظر من وراءه مكاسب أخرى.

الوثيقة التي يتم تداولها بين أعضاء «الإخوان المسلمين» في مصر، ورسالة «نداء إلى الصف الوطني»، التي صدرت عن «إبراهيم منير»، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الأربعاء الماضي، تؤكد خطورة الموقف في البلاد، بعد تنامي مؤشرات تعرض الرئيس الأسبق «محمد مرسي»، أول رئيس مدني منتخب في البلاد، لخطر يمس حياته، إضافة إلى تزايد عمليات التصفية الجسدية بحق رافضي الانقلاب.

«منير»، قال في رسالته التي حملت «نداء إلى الصف الوطني»، إن «من واجب الوقت على كل وطني شريف السعي لاستنفار كل الطاقات المخلصة لمصر وشعبها وثورتها لبذل أقصى الجهود».

وحذر «منير» من الطعن في النوايا إذا اختلفت الرؤى في سبيل تحقيق الهدف الواحد المشترك ودون تخوين أو تجريح، حتى تظل شعلة الثورة المصرية متوهجة، وفاء لدماء الشهداء التي ما زالت تسيل على أيدي أجهزة الإنقلاب، وفق رسالته.

«نداء وطن»

الوثيقة الجديدة، والصادرة من معارضي الانقلاب في الخارج، سعت نحو إقرار خطوط عريضة للتوافق عليها بين القوى السياسية والثورية في مصر، وسط اتهامات للقائمين عليها، بالتخلي عن شرعية الرئيس المعزول «محمد مرسي»، ما أثار غضب واستياء لدى المقربين من الجماعة.

الوثيقة تضمنت 11 نقطة، ترسم هوية مصر، واستراتيجية قواها الوطنية لتأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة، تقوم على العدل وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، شريطة خروج المؤسسة العسكرية من المشهد السياسي.

أبرز بنود وثيقة «نداء وطن»، رفض الانقلابات العسكرية وتجريمها، والعمل المشترك لإنهاء الحكم العسكري وكل آثاره، وعودة الجيش إلى ثكناته، والالتزام بوحدة صف القوى الوطنية، كذلك الالتزام الكامل بالسلمية واللاعنف كمبدأ أصيل واستراتيجية ثابتة، وإدارة المرحلة الانتقالية على أسس توافقية.

وأقرت الوثيقة، 3 خطوات كأولويات لإدارة المرحلة الانتقالية، مع قرب انتهاء الولاية الرئاسية الأولى لقائد الانقلاب، الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي»، مايو/آيار 2018، هي الإفراج الفوري عن السجناء السياسيين، والبدء بتحقيق منظومة للعدالة الاجتماعية، وبناء منظومة عدالة تضمن إعادة صورة القضاء المصري المستقل.

جدل وانتقادات

الجدل ولغة التخوين والاتهامات المتبادلة، باتت لغة الساسة في مصر، وهو ما حدث مع الوثيقة، التي طاردتها الاتهامات، من المعارضين في الخارج، ما يؤثر على حالة الإجماع التي يمكن أن تحققها الوثيقة كخارطة طريق للقوى السياسية والثورية حول كيفية إسقاط نظام «السيسي» والعودة بالبلاد للمسار الطبيعي.

الرفض للوثيقة جاء من اتجاهين، أحدهما إخواني، والثاني من قوى متحالفة مع الإخوان، ما يعني أن الوثيقة التي أعدت في تركيا، لا تحظى بإجماع قيادات الخارج، فضلا عن كونها لا تحظى بتأييد الداخل، ما يضع الجماعة أمام مأزق في الترويج لها، بعد التخلي عن شرعية «مرسي» التي ظلت مطلبا للصف الإخواني، طوال 4 سنوات، وراح ضحيتها عشرات الآلاف من المعتقلين، وقتل وأصيب المئات، فداء لها.

الموقف الرافض لـ«نداء وطن»، جاء عبر المكتب العام لجماعة «الإخوان المسلمين»، المعبر عن تيار «التغيير» الذي يعرف أعضاءه بـ«الكماليين» نسبة إلى القيادة الإخواني الراحل «محمد كمال».

تيار التغيير، قال في بيان، إن «ما يُتداول بشأن مرسي، والتنازل عن شرعية المنجَز الديمقراطي بانتخابه كأول رئيس مدني في التاريخ المصري، في ظل ما يعانيه من تضييق في محبسه، وتَعرض حياته للخطر، هو إساءة لجميع النضالات التي بُذلتْ وضَحَّى من أجلها ملايين المصريين».

وأضاف أن «الخطر المحاط بمرسي يستلزم الدعوة لحمايته، وضمان سلامته، والعمل الجادّ لاستعادة المسار الديمقراطي، كخطوة أولى لتجمع وطني مبني على قاعدة الديمقراطية التي تحترم الجماهير لا التوجّهات الأيديولوجية».

وزاد البيان: «الاصطفاف نحن معه ونُؤيّده، ويجب أن يكون على قاعدة وطنية، وأن تمثله قوى حقيقية، وألا يكون مبنيا على شروط، والجميع يرى الوطن ينهار اقتصاديا، ويباع جهارا في سيناء، وتيران وصنافير، وحقول الغاز، ودماء الأبرياء، وأنات المعذبين في السجون، وأعواد المشانق المُعلَّقة لكل صوت مُخالِف؛ ولهذا لابد من ترك نقاط الخلاف لما هو أحق بأن يُناضل المصريون الوطنيون من أجله، وهو إسقاط هذه العصابة المُجرمة الانقلابية؛ لكي يتجاوز وطننا الحبيب محنته، وليحكمه حينئذٍ مَن يراه الشعب صالحاً له».

«عمرو عبد الهادي» عضو جبهة «الضمير»، وهو تكتل سياسي تشكل في عام 2013 يرفض الإطاحة بـ«مرسي»، قال في تسجيل مصور نشره على صفحاته الرسمية على مواقع التواصل «فيسبوك وتويتر»، إن المبادرة تتنازل عن الشرعية، متهما من سيطلقون هذه المبادرة بأنهم لم يكونوا يوما مع الشرعية.

«جبهة عزت»

في موازاة ذلك، استشهدت، قيادات الجماعة، برأي «محمد عبد الرحمن المرسي»، رئيس اللجنة الإدارية العليا لجماعة الإخوان المعتقل منذ مارس/آذار الماضي، حول الاصطفاف الوطني.

وجاء في الرسالة، أن «الدعوة للاصطفاف أو المشاركة لم يعد ترفا فكريا بل واجب وطني وضرورة يحتمها الواقع بتطوراته السياسية، وقناعة راسخة أكدتها مواقفنا العملية قبل ثورة 25يناير/ كانون الثاني وبعدها، انطلاقا من القاعدة الذهبية نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا عليه».

عدد من الإيجابيات، وفق المؤيدين لها، تحققها المبادرة لـ«الإخوان»، منها، الإسهام في كسر حالة العزلة السياسية المفروضة على الجماعة، وتبديد مخاوف الآخرين وبناء الثقة معهم وبالتالي تحسين صورة الجماعة.

تعزز وثيقة الاصطفاف، كذلك فرص الجماعة للتواجد ضمن مظلة سياسية كأحد أشكال مواجهة الادعاءات الباطلة التي تضغط في اتجاه تصنيف الجماعة ككيان إرهابي، والمساهمة في استعادة اللحمة المجتمعية التي مزقها الانقلاب، وإعطاء دفعة وزخم لفاعلية وتأثير قوى الثورة واستكمال متطلبات المسار السياسي الديمقراطي، وكسر ثنائية معادلة العسكر والإخوان.

وكان مكتب إرشاد الجماعة المعبر عن جبهة «محود عزت» نائب المرشد العام، بعث برسالة إلى أعضاء الجماعة يحدد فيها مزايا وإيجابيات ضرورة التعاطي مع المبادرة حتى ولو خلت من الحديث عن الشرعية أو الرئيس الأسبق «محمد مرسي».

وفي محاولة لتهدئة تلك المخاوف لدى الصف الإخواني، خرج المهندس «أيمن عبدالغني»، عضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة وأمين الشباب بالحزب(الذراع السياسية للجماعة)، مؤكدا أن «موقف جماعة الإخوان المسلمين من عودة الرئيس الدكتور محمد مرسي، واضح وثابت ومعلن ولن يتغير».

وأكد «عبدالغني» أن ما ذُكر في الوثيقة الداخلية للجماعة يؤكد أن «الإخوان» لن تتخلى عن الشرعية وإرادة الشعب المصري؛ مطالبا الجميع بأن يكونوا على قدر المسئولية، وأن يلتفتوا إلى إنقاذ الوطن، دون الانجراف إلى معارك جانبية، ودون تحقيق مصالح شخصية ضيقة، وفق تصريحاته لموقع «عربي 21».

لكن القيادي الإخواني البارز، والمقيم بالخارج «جمال حشمت»، وجه رسالة إنذار تحت عنوان «اختلاف الإخوان ليس رحمة»، قال فيه «يقيني أن الاختلاف بين الاخوان كبّل الفريقين فلن يستطيع أحدهما أن يتخذ قرارا أو موقفا من الثورة يحتاج دعما شعبيا طالما بقي الخلاف».

وأضاف «حشمت» في تدوينة عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، «تحذيري ألا يكون الاصطفاف علي حساب تعميق الخلاف بين الاخوان فلن يحصد خيرا!».

وتابع: «وندائي لإخواني من الفريقين أن فرص التقارب وإنهاء الخلاف أقرب إليكم من الاصطفاف مع الآخرين وأملي في ربي وثقتي في العقلاء أنهم قادرين علي ذلك لو صفت القلوب ودار الحوار بشكل مباشر..اللهم بلغت اللهم فاشهد».

«اختلاف الإخوان ليس رحمة»، تؤكد أن «نداء وطن» تحمل في طياتها نداء شقاق وانقسام ربما يزيد من آلام الجماعة المثخنة بالجراح، ما بين عمليات تصفية بحق أفرادها، وحملات اعتقال عشوائي، واختفاء قسري، ومصادرة لأموالها، وقبل ذلك انقسامات بين صفوفها.

ومنذ عزل الجيش المصري للرئيس المدني المنتخب «محمد مرسي» المنتمى لجماعة «الإخوان»، تشهد مصر أزمة سياسية كبيرة، حاولت مبادرات محلية وغربية التوسط لحلها، غير أن البلد منقسم بين طرف مؤيد لعزل «مرسي»، وآخر يعتبر ما حدث انقلابا عسكريا مرفوضا، ويطالب بعودة الشرعية.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات