«بلومبيرغ»: السعودية لم تعد «مملكة السواد».. لماذا تخفف الرياض القيود على المرأة؟

http://www.thenewkhalij.org/ar/node/45312

لأكثر من عقد من الزمان، غطت «بشاير الشهري» وجهها بوشاح أسود في الأماكن العامة، وهي تقوم بارتداء النقاب تلقائيا مثل جميع أقاربها الإناث في السعودية، قبل أن تقرر أن تخلعه.

وقالت «الشهري»، 28 عاما، طالبة الصيدلة من العاصمة، الرياض، والتي درست في شيكاغو: «أنا فقط قررت أن المجتمع يتغير». مضيفة: «لقد كان الأمر سهلا جدا. أنا لم ألاحظ أي فرق في المعاملة من الناس أو في كيفية نظرتهم لي».

ويسعى عدد صغير، ولكنه متزايد من النساء السعوديات، إلى ما وراء حدود الزي الذي يسجي النساء في هذه الدولة الخليجية المحافظة بالسواد من الرأس إلى أخمص القدمين. وقد فتح السفر والإنترنت لهن عادات وأفكار أخرى. يمضي الشباب والنساء في المناطق الحضرية نحو الاتجاهات الجديدة.

لا تزال «الشهري» ترتدي الحجاب و العباءة. حيث صارت الوجوه المكشوفة والعباءات الملونة في الرياض هي جسر للمرأة في السعودية للانضمام أكثر إلى القوى العاملة والمشاركة في الحياة العامة.

لعبت بعض القيود دورا في تحجيم قدرة الشرطة الدينية على القيام بعمليات التضييق، على رأسها الانخفاض في أسعار النفط. يقول بعض المحللين إن الحكومة لا تستطيع تنفيذ خطتها، «رؤية 2030»، لتنويع الاقتصاد المعتمد على النفط الخام دون تخفيف القيود المفروضة على نصف سكانها.

وقالت «مونيكا مالك» كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري إن «التغير الثقافي والاجتماعي هو جزء لا يتجزأ من رؤية 2030، التي ستكون حاسمة لزيادة دور المرأة في الاقتصاد».

ارتفع عدد النساء العاملات بنسبة 50% بين عامي 2010 و 2015. وفيما تتجه النساء للوظائف في الرياض وجدة، فإن أكثرهن ترتدين العباءات الملونة من الأبيض والأخضر والأرجواني والزهري، والتي كانت تعتبر صادمة قبل خمس سنوات. لقد ولد هذا تحولا في الصناعات المنزلية لعشرات من النساء السعوديات اللواتي يبعن هذه الملابس غير التقليدية، وبعضهن في محلات أنيقة أو حتى عبر الإنترنت.

اهتمام النساء بالأثواب الملونة يعكس اختراقا في وتيرة حراسة الحريات الاجتماعية والانفتاح في السعودية، حيث يؤثر رجال الدين على السياسة وعلى الملايين من الأتباع على تويتر. ولا تزال المملكة هي البلد الوحيد في العالم الذي تخضع فيه النساء لوصاية الذكور، وهذا يعني أنهن لا تستطعن مغادرة البلاد دون إذن. ومن بين الـ24 هدفا المحددة في الرؤية السعودية عام 2030، هناك هدف واحد فقد يتعلق بتنمية المرأة.

في بعض مناطق المملكة الصحراوية، كان هناك قليل من التغير في اللباس. في بريدة، معقل المحافظة السعودية، اعتاد الناس في الشارع توبيخ النساء اللواتي لا ترتدين النقاب. حتى في الرياض، فإن العديد من النساء تغطين ليس فقط وجوههن، ولكن يذهب الأمر إلى حد ارتداء قفازات سوداء في أيديهن.

هناك فتوى أو مرسوم على الموقع الإلكتروني الرسمي للمملكة يقول إنه يجب ارتداء العباءات التي لا تحتوي على رسوم تلفت الانتباه أو حلي أو نقوشات. وألا تشبه لباس الكفار أو أزياء الرجال.

نشرت تعليقات الشهر الماضي من رجل دين رسمي هو الشيخ «عبد الله المنيع»، عضو هيئة كبار العلماء، في صحيفة عكاظ يشير إلى قدر من التسامح في مسألة اللون. حيث قال طالما أن اللباس ليس ضيفا «فإني لا أرى أي مانع في ارتداء عباءة بنية اللون أو بأي لون آخر لا يلفت الانتباه».

وفقا لـ«هالة الدوسري»، وهي باحثة زائرة في معهد دول الخليج العربية في العاصمة واشنطن، فإنه «على الرغم من ظهور عدد قليل من العباءات البيج أو الوردي، فإن التغييرات في ثوب المرأة تعكس تحولا أعمق في المجتمع السعودي»، حيث «فتحت الشبكات الاجتماعية مناقشات جرت في السنوات القليلة الماضية أثرت في حصول وعي أفضل، وخاصة بشأن وضع المرأة والتأثيرات الثقافية وتعليم النساء. ويتم مناقشة العديد من المحرمات على الانترنت الآن أكثر من أي وقت مضى».

وتؤكد «الدوسري» أنه على مستوى السياسات، فإن «قضايا المرأة ليست ذات أولوية عالية لجميع أفراد الأسرة الحاكمة لأنها لا تزال بحاجة إلى استرضاء الجماعات الدينية الأكثر محافظة».

في حين يخطط ولي ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان» لتحركات اقتصادية غير مسبوقة مثل بيع أسهم في شركة النفط المملوكة للدولة، فإن أهدافه فيما يتعلق بالنساء أكثر تواضعا. تريد الحكومة زيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة من 22% إلى 30% على مدى السنوات الـ14 المقبلة. إن المعدل المستهدف هو أقل من المستوى الحالي في السودان.

إن الزي الديني للمرأة السعودية هو موضوع نقاش. وتقول السلطة الدينية الرسمية في المملكة إنه يجب على النساء تغطية وجوههن وأيديهن، في حين يقول كثير من العلماء أن هذا أمر متجذر في الثقافة، وليس من الشرع. وعلى الرغم من أن الصورة النمطية عن المرأة السعودية هي «دوامة من الأسود»، هناك في أجزاء من جنوب المملكة، تجد أن الزي التقليدي هو الفساتين والقبعات المصنوعة من القش والأزهار.

تقول «هبة أحمد»، وهي بائعة لمستحضرات التجميل في الرياض: «أنا شخصيا أفضل أن أغطي وجهي لأسباب دينية.. في مجتمع تقليدي لا أعتقد أن ذلك شيئا سيئا».

بعض الرجال يضيف شرطا لعقد زواجه ينص على أن زوجته يجب أن تقوم بارتداء النقاب.

النساء الذين يجرؤون على مناقشة قضية الزي يعملون على إثارة نوع من ردود الفعل الغاضبة بين الرجال في مجتمع أبوي عميق. بعد تنافس أربع نساء من السعودية في الألعاب الأوليمبية هذا العام بوجوه مكشوفة، انتشر وسم على تويتر يقول إنهن لا تمثلن السعودية. ونشر رجل على تويتر يقول: «نحن نركز على مشاركة المرأة وفقدنا احترامنا لتقاليدنا».

ميراث الملك «عبد الله»

العديد من التغييرات شجعت النساء على اختيار الأزياء الخاصة بهن. وقعت معظم هذه التغييرات في عهد الملك الراحل «عبد الله» الذي عين نساء في مجلس الشورى، ووضع اسمه على أول جامعة مختلطة، وأمر محلات الملابس الداخلية والماكياج بتوظيف النساء فقط.

ويقول «بول موسغريف»، أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس: «لقد بدأ تسارع تحول الأجيال بعد انخفاض أسعار النفط».

عندما جاء الملك «سلمان» إلى السلطة في يناير/ كانون الثاني عام 2015، كان انخفاض أسعار النفط قد خفض بالفعل الإيرادات الحكومية. في العام الماضي، سجلت المملكة عجزا في الميزانية قدره نحو 100 مليار دولار. و كجزء من خطة الأمير «محمد» فمن المنتظر أن يتم إيقاف دعم الطاقة وفرض ضريبة القيمة المضافة، وسيسهم هذا في ارتفاع تكاليف المعيشة.

السعودية لا يمكن أن تحمل هذه السياسات في نفس البيئة. تقول «الدوسري» من معهد دول الخليج إنه «ما لم تكن النساء قادرات على السفر والوصول والبقاء في وظائف بدون إذن ولي الأمر فإنهم لن يشاركن في القوى العاملة بأعداد كبيرة».

وفي مؤتمر صحفي عقد في أبريل/نيسان، قال الأمير «محمد» إن النساء يجب أن تكن في حالة فعالة ومنتجة. وردا على سؤال حول إذا ما كانت السعودية من شأنها أن تسمح للمرأة بقيادة السيارة، قال إن الحكومة لا يمكن أن تفرض على المجتمع أي شيء.

تقوم الحكومة بإجراء بعض التجارب. في أبريل/نيسان، قامت بتقليص صلاحيات الشرطة الدينية التي تفرض الفصل بين الجنسين، وتراقب اللباس، وتم منعها من القيام باعتقالات بدون أوامر من الشرطة النظامية.

الآن، يمكن للمرء أن يقضي شهورا في الرياض دون أن يكتشف الشرطي الديني. النساء والرجال يعملون جنبا إلى جنب مع بعضهم البعض في بعض الوزارات، وتم ترك النساء الأجنبيات يكشفن شعرهن دون توبيخ.

توقفت الشهري، طالبة الصيدلة،عن تغطية وجهها عندما انتقلت إلى شيكاغو قبل عامين. وبالعودة إلى الرياض خلال العطلة الشتوية، وقالت إنها صدرت هذه العادة إلى منزلها.

وقالت: «عندما كان لدى الشرطة الدينية سلطة أكبر كان هذا من الصعب جدا. الآن، كل شيء يتغير، وأنا سعيدة حقا بهذا التغيير».

المصدر | بلومبيرغ