«بي بي سي»: هل السعودية حقا على أعتاب التغيير؟

بالسؤال عن التغيير في السعودية، اعتدنا أن تكون الإجابة: سيأتي، بالطريقة والوقت المناسبين للمملكة المحافظة. لقد كانت تلك طريقة أخرى للقول بأنّ ذلك سيأخذ الكثير من الوقت، وقد لا يحدث أبدًا.

لكن، في السعودية الآن، يقاس التغيير بالشهور.

وقد أخبرتني سيدة أعمال ناجحة في العاصمة الرياض: «لقد راهنت زميلًا لي أنّ حظر قيادة النساء سينتهي في الشهور الستة الأولى لهذا العام، وهو قال أنّه سيحدث في النصف الثاني».

وأضافت: «لكنّي الآن أعتقد أنّ ذلك سيحدث في بدايات العام القادم، وسيطبّق فقط على النساء فوق 40 عامًا».

وهذا ما تسمعه أيضًا في الأروقة الملكية. وبعضهم حتّى يقول إنّ النساء الأصغر سيسمح لهنبالقيادة، وليس بعد وقتٍ طويل.

ولا يزال التغيير على كلّ الجبهات بطيئًا وحذرًا في ثقافة دولة تتمتّع المؤسّسات الدينية المحافظة فيها بنفوذٍ كبير، وتتماشى مع رغبة الكثير من السعوديين الذين يرغبون في الاستمرار في طرق عيشهم القديمة.

لكنّ الحكام السعوديين مجبرون على التغيير بوتيرة متسارعة نظرًا للتغيّر الكبير في ثروة أكبر منتج للنفط في العالم.فقد تآكلت عائدات عدّة أعوام من الذهب الأسود في المملكة بفعل انهيار أسعار النفط عالميًا، وهو ما يشكّل الآن الخيارات الصعبة والتغيير الواجب حدوثه في العديد من مناحي الحياة.

وتدخل المملكة في خضمّ خطّة رئيسية جديدة يقودها ولي ولي العهد، البالغ 31 عامًا، الأمير «محمد بن سلمان»، تحت عنوان رؤية 2030. ويعلم الأمير ومن حوله أنّ آبار النفط ستجف في يومٍ من الأيّام لا محالة، وسيقود الناس السيارات الكهربائية.

ويقول وزير النفط في المملكة «خالد الفالح»، والذي يرغب في أن يكتب إنجاز تنويع الاقتصاد في سجلّه وتاريخه: «سواء حقّقنا أهداف الرؤية في عام 2030، أو حققنا بعضها عام 2025، وبعضها عام 2030، وبعضها عام 2035، سنرى ما سيحدث»، قال ذلك في حديثٍ عن المعايير الرئيسية المطلوبة من كل وزارة وفقًا للخطّة الرئيسية.

ويقول المحرر والكاتب السعودي «خالد المعين» أنّ الحكومة الآن تتكون من وزراء بيروقراطيين يتحمّل جميعهم المسؤولية، ويعملون لخدمة الخطّة.

ولقد كان الاقتصاد السعودي يعتمد على محرّك واحد للاقتصاد، وهو النفط والغاز بنسبة 90%، لكنّه الآن أصبح يعتمد على عدّة محرّكات. ويقول أحد المسؤولين الحكوميين المعني بالتوظيف: «لم نعد نوظّف أحدًا». ويقول واحد من رجال الأعمال وهو مسؤول عن عدّة شركات تتعامل مع الحكومة: «لم نعد نبيع للحكومة شيئًا إلّا إذا تأكّدنا أنّها ستدفع مقابل هذا».

ومن المتوقّع الآن أن يلعب القطاع الخاص دورًا كبيرًا في الخطّة الموجودة.

وقال أحد المسؤولين الحكوميين عن الإحصاءات والبيانات، ورفض ذكر اسمه كالعادة، أنّه «من غير المرجّح تحقيق أهداف الخطّة بحلول عام 2030، لكن على الأقل لدينا الآن خطّة، وتوجد إجراءات فعلية وعزم على تحقيق أهدافها».

ويقود ولي ولي العهد الشاب هذه الخطّة، والذي يعتقد أنّه الابن المفضّل لدى الملك «سلمان»، البالغ من العمر 81 عامًا، وهو يعلم أنّ هناك عوامل أخرى تضغط للتعجيل بالتغيير.

محركات التغيير

ثلثا السعوديين هم في عمر الأمير الشاب أو أصغر. ومئات الآلاف منهم، رجالًا ونساءً، تحصّلوا على تعليمٍ جيّد في أفضل الجامعات الغربية، بفضل البرنامج الأكاديمي السخي الذي بدأه الملك السابق «عبد الله».

وقد عاد هؤلاء الآن يبحثون عن عمل، وكذلك عن طرق لقضاء عطلاتهم في ثقافة متشدّدة تحظر حتّى السينما. وبموجب القوانين القائمة، يمكن للرجال الجلوس مع النساء، فقط، في حالة تناول الطعام مع أقاربهم من النساء، أو في قسم مخصص للعائلات.

لكن حتّى منذ زيارتي الأخيرة قبل نحو عام، خطوات صغيرة ولكن مؤثّرة، قد ظهرت.

فقد تمّ الحدّ من سلطات الشرطة الدينية، التي كانت تصول وتجول في شوارع العاصمة، بهدف نشر الفضيلة والحدّ من الرذيلة، وعادةً ما نالوا الاتّهامات بسوء استخدام السلطة.

ويتحدّث الآن المقيمون الأثرياء بالرياض بحماسة حول المطاعم التي افتتحت حديثًا، والتي خلت من التقييدات المعتادة في الجلوس، وتسمع فيها الموسيقى بصوتٍ عالٍ.

ويقول «وليد السعيدان»: «نحتاج رؤية النساء تقود ونرى السينمات هنا أيضًا».

قال لي ذلك في واحدة من أماكن الترفيه القليلة حيث تمارس السرعات العالية بالمحرّكات على الكثبان الرملية.

وكما هو الحال هنا دائمًا، يسمح فقط للرجال بخوض هذه المغامرة.

لكنّ الهيئة العامة للترفيه الجديدة تسعى لفعل شيء. وعلى الرغم من عنوانها الصارم، فإنّ الأشخاص القائمين على الهيئة هدفهم جلب السعادة إلى السعوديين، وإن كان ذلك بحدود. ولا أحد يقترح الرقص والمشروبات الكحولية. ويقول رئيس الهيئة «أحمد الخطيب»: «مهمّتي هي جعل الناس سعداء».

وتمّ الإعداد لقائمة من 80 حدثًا تتراوح بين مهرجانات فنّية إلى عروض ضوء وحفلات موسيقية حية، وتنفّذ بحرص حتّى لا ينتج عنها ردّ فعل عنيف قد يعرّض العملية برمّتها إلى الخطر.

وأوضح «الخطيب»، وهو يختار ألفاظه بعناية: «سنقدم بالتأكيد أشياءً للناس الأكثر انفتاحًا وسنوفّر أنشطة وأمورًا أخرى للأشخاص المحافظين بشكلٍ أكبر».

ولا يعني الانفتاح على مزيد من الحريّات الاجتماعية توفير الترفيه فقط.

وأخبرنا أحد المرشدين السياحيين السعوديين الذي يحاول إقناع السعوديين بإنفاق المزيد من الأموال والأوقات في الداخل: «ينفق 70 مليون ريال سعودي في الإجازات خارج البلاد»، وأشار إلى إنفاقهم هذه الأموال في دبي ولندن وغيرها.

الكثير من الألم

لكن يخلو جدول الأعمال من التغييرات الأكثر عمقًا مثل الإصلاح السياسي، ومعالجة سجلّ حقوق الإنسان المشكوك فيه، وتخفيف القيود عن حياة المرأة.

وكما أنّ السعادة على جدول الأعمال، يوجد كذلك الألم.

فقد اعتاد الناس في هذه البلاد على البنزين الرخيص، والعيش بدون ضرائب، والمياه والكهرباء المجانية.

وقد تمّ تقليص الدعم وفرض ضرائب جديدة. وسيعمل على تخفيف العبء عن الأسر الأكثر فقرًا، لكنّ السعوديين في حاجة للاعتماد على أنفسهم في توفير المال الآن.

وتقول «نادية الهزاع»، المهندسة بقطاع النفط والغاز، والتي تساعد الآن في تحقيق هدف جلب النساء إلى سوق العمل الخاص برؤية 2030: «لقد عاش السعوديون مع أمورٍ مسلّمٌ بها لفترة طويلة».

وتبدأ عرضها بالجملة الشهيرة للرئيس الأمريكي السابق «جون كينيدي»: «لا تسأل ماذا يمكن أن تقدم لك بلدك، بل ماذا يمكنك أنت أن تقدّم لها».

لذا، يطلب من السعوديين الآن فعل المزيد، وبوتيرةٍ أسرع، أكثر ممّا اعتادوا عليه.

ويقول المراقب السياسي «حسن ياسين»: «نحن نشبه السلاحف على العجلات. نحن نتحرك بطريقةٍ أسرع في محاولة لتلبية المطالب المحلية والالتزامات التي تواكب القرن الـ 21».

المصدر | بي بي سي