«ترامب» والانتخابات الإيرانية: كيف يمكن أن يؤثر خطابه على النتائج؟

من المعلوم أن الحكومة الإيرانية ليست متراصة تماما. حيث يستند نظامها على اللامركزية. ومن المؤكد أن المرشد الأعلى «علي خامنئي» يجلس على قمة الهرم الرسمي ويقوم بالكثير من القرارات. ولكن مراكز السلطة الأخرى لديها نفوذ كبير في الشؤون الداخلية والشؤون الخارجية. ونتيجة لذلك، يمكن أن يحدث صراع داخلي في إيران حول قضايا معينة، قد يكون موازيا أو متجاوزا في بعض الأحيان ما يحدث في الديمقراطيات الغربية. وغالبا ما يحدث هذا خلال بعض القضايا المحلية والدولية الرئيسية، مثل ما حدث طوال المحادثات النووية بين إيران و دول (5+1) وكذلك الخلافات التي تسبق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ومن المقرر أن تعقد إيران انتخاباتها الرئاسية القادمة في مايو/أيار . لن تبدأ الحملة رسميا حتى قبل أسابيع فقط من موعد الانتخابات، وقائمة المرشحين أيضا لن تستكمل حتى قبل فترة وجيزة من الانتخابات و معظم المرشحين حتى الآن لم يعلنوا رسميا بدأ السباق نحو الترشح كما أن مجلس صيانة الدستور، وهو هيئة مكونة من الفقهاء ورجال الدين، التي لديها الصلاحية بالتحقق من صحة ترشيحهم لم تقل شيئا حتى الآن، إلا أن المناورات السياسية التي تسبق الانتخابات قد بدأت بالفعل.

تتوقف حظوظ الرئيس المعتدل، المؤيد للحوار، «حسن روحاني»، في موضوع إعادة انتخابه، إلى حد كبير على تقييم الإيرانيين لفوائد المشاركة مع الغرب والصفقة النووية الناتجة عن ذلك. لكن تسويق الصفقة يبدو مهمة صعبة على نحو متزايد لـ«روحاني» وفريقه. والخطاب الالتفافي لا يساعد. فمنذ عدة أشهر، قال «روحاني» أن بلاده ستكون أفضل حالا مع إشراك أمريكا، وتوقيع صفقة الاتفاق النووي. وهذا، على حد زعمه، سيسمح لبلاده بإعادة الاندماج في المجتمع الدولي، وإعادة بناء اقتصادها، وتجنب المواجهة العسكرية. ولكن المتشددين (ويسعى العديد منهم للرئاسة) يرون أن أيا من هذا لم يتحقق. ولكن على الرغم من ضعف التقدم على الجبهة الاقتصادية، فإن «روحاني» لا يزال المرشح الأصلح. وهذا أساسا لأن أيا من الأشخاص الذين يحتمل أن يقوموا بالترشح للرئاسة ليس له رأس مال اجتماعي أو سياسي. ومع ذلك، يمكن أن يتغير ذلك إذا بقيت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران في تصاعد.

في هذا السياق، فإن الخطاب الذي يخرج من إدارة «دونالد ترامب» في الولايات المتحدة هو مفتاح لمستقبل بقاء «روحاني» أو توديعه للرئاسة.

في الفترة من 1997–2005، في عهد الرئيس الإصلاحي «محمد خاتمي»، قدمت إيران عدة مبادرات لواشنطن. وقامت طهران بدعم المراحل الأولى من الحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول. كما ساعدت إيران في صياغة مسار الانتقال السلس للسلطة في كابول من خلال لعب دور حاسم في اتفاق بون في عام 2001، مما دفع التحالف الشمالي لتقديم تنازلات حاسمة، والإصرار على النظام السياسي الجديد الذي يقوم على انتخابات ديمقراطية. ولكن خطاب إدارة «جورج دبليو بوش» الذي صنف إيران على أنها من «محور الشر» وضع حد لهذا كله. ومؤخرا، أبدت إيران موقفا متشددا من جهود الولايات المتحدة في أفغانستان، واعتمدت لهجة أقل إيجابية. كما أنها بدأت تصبح مصدر إزعاج في بعض النواحي. على وجه الخصوص، تركت إيران أمير الحرب الأفغاني «قلب الدين حكمتيار»، الذي أسس الحزب الإسلامي، في أفغانستان. وقبل هذه الخطوة، كانت طهران وواشنطن تناقشان إمكانية انتقال «حكمتيار» إلى الحكومة الجديدة في كابول.

وفي الوقت نفسه، خلال عقد ونصف عقد تقريبا، أدت خطوات متشددة من الولايات المتحدة في العراق، إلى سوء في السلوك الإيراني هناك. ومن المؤكد أن وجود إيران في العراق لا علاقة له بالولايات المتحدة. إيران لديها مصالح أمنها القومي و بالنسبة للجزء الأكبر منها فهو لا علاقة له بواشنطن. وأفعالها لا يمكن إلقاء اللوم عليها من الولايات المتحدة. لكن الحرس الثوري معروف باستخدام موقفه للكم الجيش الأمريكي في العين. وهذا هو الحال الذي استمر غالبا منذ أن كان يشتكي من الولايات المتحدة الأمريكية سابقا عندما كانت تقف وجها لوجه ضد طهران.

ترى الجمهورية الإسلامية في التصعيد الخطابي مقدمة لزيادة دعمها لمختلف الميليشيات في المنطقة، وتزويدهم بكل وسيلة لاستهداف القوات الأمريكية. وقد كان هذا هو الحال بصفة خاصة قبل صعود الدولة الإسلامية. ومؤخرا مع المزيد اللهجة المعادية لإيران من واشنطن، أصبحت اللهجة أكثر عدوانية في الحرس الثوري أيضا.

وفي الآونة الأخيرة، خلال نقاش المحادثات النووية، انتقد البرلمان الإيراني مجلس النواب الأمريكي متهما إياه بوضع العقبات في طريق الصفقة. على سبيل المثال، وقع السناتور «توم كوتون» و 47 من زملائه الجمهوريين على رسالة مثيرة للجدل حذرت الجمهورية الإسلامية من أن الكونغرس أو الرئيس القادم يمكن أن يقوم بالتراجع عن أي اتفاق وقع مع الرئيس «أوباما». هذا، جنبا إلى جنب مع تصريحات مرشحي الرئاسة الجمهوريين وتعليقات وزعماء الكونغرس بالتهديد بإلغاء الاتفاقية أو فرض مزيد من العقوبات، وهو ما جعل الأمر أكثر صعوبة لـ«روحاني» لتسويق الصفقة نووية في الداخل.

مزايا «ترامب» لطهران

منذ توليه منصبه، بدأ «ترامب» وإدارته بتبني موقف أكثر صخبا وتشددا تجاه إيران. وقد غرد الرئيس مؤخرا على تويتر: «إيران تلعب بالنار. إنهم لا يقدرون كيف كان الرئيس أوباما لطيفا معهم. وليس أنا». وقد قال مدير الاتصالات بالبيت الأبيض «شون سبيسر» لاحقا أن الإيرانيين حصلوا على رسالة أن الإدارة ستكون أكثر صرامة معهم مما كانت عليه إدارة الرئيس «أوباما». وفي وقت لاحق، حذر مستشار الأمن القومي المستقيل «مايكل فلين» إيران أن الأيام التي كانت تغض فيها واشنطن الطرف عن تصرفات إيران العدائية والعدوانية تجاه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي قد ولت. ويبدو هنا أنه لا شيء من التصريحات التي تصدر من البيت الأبيض يعطينا أي مؤشر على كيفية التوجيه السياسي الدقيق للإدارة الجديدة . (السياسة الوحيدة التي كانت حتى الآن تتمثل في فرض عقوبات على الكيانات التي تشارك في برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهي ليست تحولا كبيرا).

لقد اعتقدت الحكومة الإيرانية أن إيران يمكن أن تعمل مع «ترامب» أكثر مما كان يمكن أن تكون قادرة على العمل مع خصمه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة «هيلاري كلينتون». حيث يعتبر «ترامب» صاحب عقلية تجارية براغماتية عملية وهو على استعداد لإحداث تغيير في الوضع الراهن في واشنطن. وقد تحدث «ترامب» عن التغيير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وقد أشاد «خامنئي» بـ«ترامب» خلال الحملة الانتخابية، مدعيا أن المرشح قد حاز على رغبة الناخبين في الولايات المتحدة من أجل التغيير. من جهة أخرى ، وفي الوقت نفسه، فإن «كلينتون» لديها موقف ثابت أكثر عدوانية تجاه إيران. فخلال أول سباق لها للوصول إلى البيت الأبيض، فإنها هددت بتدمير إيران إذا هاجمت (إسرائيل) باستخدام الأسلحة النووية في عام 2008. وبينما أيدت وزيرة الخارجية «كلينتون» الاتفاق النووي، فقد قالت إنها وعدت أيضا أن تكون أكثر صرامة في مواجهة طهران.

هذه النظرة الإيجابية، أو على الأقل المحايدة، من «ترامب» قد بدأت تتغير، وذلك أساسا بسبب حظر السفر من الإدارة، والذي يستهدف إيران كواحدة من سبع دول يواجه مواطنوها الآن قيودا في الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد فرضت الإدارة عقوبات جديدة على بعض الكيانات الإيرانية التي تشارك في برنامج الصواريخ البالستية في البلاد. وقد استغل الحرس الثوري الإيراني الفرصة وأجرى تدريبات عسكرية ردا على الخطاب والعقوبات التصعيدية من الرئيس «ترامب».

دخل «ترامب» البيت الأبيض في وقت كانت فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران في أفضل حالاتها منذ ما يقرب من أربعة عقود منذ قيام الثورة عام 1979. لأول مرة، كانت الدولتان تنسقان علاقات العمل في منطقة استراتيجية رئيسية واحدة على الأقل، وقد تم فتح قنوات التواصل في مناطق أخرة أيضا. يمكن لـ«ترامب» البناء على هذا التقدم وعدم إحباط فرص بقاء حكومة «روحاني».

لا يوجد لدى طهران النية أو القدرات لتشكل تهديدا وجوديا لأمن الولايات المتحدة. وبدلا من ذلك، فإن أفضل طريقة لعدم جعل الجمهورية الإسلامية مصدر إزعاج للولايات المتحدة هو عدم تصدير خطاب تصعيدي يؤدي إلى سوء السلوك. وهذا من شأنه السماح لواشنطن بالحفاظ على الجمهور الإيراني إلى جانبها، بدلا من تحويله بعيدا عنها ودفعه إلى الاحتشاد حول المحافظين في البلاد. كما أنه سوف يساعد المعتدلين والإصلاحيين الذين يسعون لعلاقات أفضل مع الغرب وبقية المجتمع الدولي. كما أن حفظ قنوات اتصال مفتوحة مع الخطاب المعتدل سيسمح لواشنطن بالمضي في طريقها دون تعريض مصالحها للخطر .

على سبيل المثال، في عام 2016، استولى الحرس الثوري على عشرة بحارة من الولايات المتحدة على مقربة من واحدة من قواعدها في جزيرة فارسية في الخليج . وقد تصاعد الحادث بسرعة، مما أدي إلى احتجاز البحارة كرهائن وربما كان سيؤدي إلى مواجهة عسكرية بين الجانبين. والمواجهة في الخليج يمكن أن تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، مع عواقب عديدة بالنسبة للاقتصاد الدولي، ومصالح الولايات المتحدة، وأمن حلفاء الولايات المتحدة. وبدلا من ذلك، تمكن وزير الخارجية «جون كيري» من تهدئة الأمور بسرعة وضمان سرعة الإفراج عن البحارة، وذلك بفضل القنوات الدبلوماسية له مع وزير الخارجية الإيراني المعتدل، «جواد ظريف».

ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق إذا اختارت واشنطن تبني خطابا تصعيديا. مثل هذا السرد يؤدي إلى تشجيع المتشددين فقط ، الذين يتم الضغط باتجاه تذكير ناخبيهم بأن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها. كما أنه يساعد الحرس الثوري على تبرير جهوده لاختبار الصواريخ البالستية، ودعم الجماعات المعادية مثل الحوثيين في اليمن، وإجراء برامج الإنترنت الأكثر عدوانية. في الوقت نفسه، فإن الخطاب يقوض المعتدلين والإصلاحيين في إيران، الذين دفعوا الكثير من رأس المال السياسي للانخراط مع الولايات المتحدة بشأن القضايا الرئيسية، وتعرضوا في كثير من الأحيان للوقوع في مشاكل مع المحافظين.

وفي حين أن الجمهورية الإسلامية لديها تاريخ من أربعة عقود من العداء للولايات المتحدة. فإن الدعاية والخطابة، لم تتمكن من إقناع ناخبيها بأن الولايات المتحدة كلها سيئة. وما زال كثير من الإيرانيين يأملون في المجيء إلى الولايات المتحدة، ويستهلكون المنتجات والثقافة الأمريكية، وعموما فإن صورة أمريكا لديهم إيجابية. ولكن هذا يمكن أن يتغير بسرعة إذا لعبت الولايات المتحدة مع المتشددين من خلال الاستمرار في تصعيد لهجتها والضغط من أجل تغيير النظام.

في حين أن شخصيات المرشحين المتشددين ستحدد بعد أن يعلن أنها سوف تترشح للرئاسة ويتم تأكيد ذلك من قبل مجلس صيانة الدستور، فإن المراهنة هي على أن ذلك سينتهي إلى برود في العلاقات مع الولايات المتحدة. فقد عارض العديد من المتشددين الاتفاق النووي، وتقريبا لدى كل منهم فإن صورة الولايات المتحدة غير جيدة. ومن المرجح أن يدفع هذا مرة أخرى ضد محاولات «روحاني» لإشراك جيران إيران في الخليج العربي وواشنطن وسيدعم سوء تصرف طهران في الشرق الأوسط الكبير.

في نهاية المطاف، سوف ينتج خطاب إدارة «ترامب» التصعيدي بالضبط عكس ما يتأمل في تحقيقه: سوف يشجع معظم الفصائل المتشددة في إيران ويوفر للحرس الثوري مبررا لمضاعفة التدريبات العسكرية، التجارب الصاروخية، الأنشطة الإلكترونية، ودعم الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط. كما أنه سيقوض الفصائل الإيرانية المعتدلة. هذه الإدارة يجب أن تتعلم من خطأ إدارة «بوش» ولذا عليها أن تتبني لهجة أكثر تحفظا. هذا لا يعني أنه يجب أن تتصرف تصرفا ضعيفا ولكن، بدلا من ذلك، أنه ينبغي أن تفعل ذلك بشكل حاسم ودبلوماسيا، وجنبا إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي وغيره من الشركاء الرئيسيين.

المصدر | فورين أفيرز